اذهب الي المحتوي

ام عاصم

الإداريين
  • Posts

    2001
  • تاريخ الانضمام

  • تاريخ اخر زياره

عن العضو ام عاصم

  • تاريخ الميلاد السبت 9 نيسـان 1966

Profile Information

  • Gender
    Female

اخر الزوار

86205 زياره للملف الشخصي

ام عاصم's Achievements

  1. مجلة الوعي : الصراع الدوليّ في الساحة الأوكرانية.. الثوابتُ والمتغيّرات حمد طبيب – بيت المقدس الأزمة الأوكرانية كما هو مشاهد، ومن خلال تتابع الأحداث وسير الأمور، ليست أزمة إقليمية وليست صراعًا على أرض أو ثروات، إنما هي صراعٌ دولي يتعلق بالموقف الدولي، أي يتعلق بالهيمنة الأمريكية على العالم ومحاولة بعض الدول كروسيا والصين وكوريا الشمالية اختراقه؛ كمقدمات لإحداث تغييرات فيه. بمعنًى آخر: هو صراع مع أمريكا بالدرجة الأولى وعلى وجه التخصيص؛ من أجل إزاحتها عن مكانتها الدولية كدولة مهيمنة على سياسات العالم، وتسوق الناس بالعصا الغليظة في خدمة هذه السياسات. أما الأحداث العملية التي حصلت فهي استباقٌ لكل هذا الأمر من أمريكا؛ أي أن فتيل الأزمة قد أشعلته أمريكا لجرّ روسيا إلى حربٍ مدمرة تستهدف كيانها حتى تجبرها في النهاية على الخضوع لسياساتها، والركوع تحت أقدامها كباقي الدول الأخرى في العالم. أي حتى لا تفكر في موضوع التحدّي، أو الشراكات مع غيرها للوقوف في وجه أمريكا، أو القيام بمحاولات سياسيّة أو اقتصادية للفكاك من هيمنة الدولار، أو غير ذلك من أمور تتعلق بالهيمنة الأمريكية الدولية. أما الأمر الآخر الخاص بهذه الأزمة فإنها في الحقيقة أكبر وأوسع حدث دولي بعد تفكك الاتحاد السوفياتي سنة 1990م، وأخطر أزمة تمرّ بين الدول الكبرى منذ الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا، أي منذ تشكُّل النظام الدولي واتفاق الدول الكبرى فيما بينها على شكل النظام العالمي في ذلك الوقت. لقد تشكَّل النظام الدولي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية كما نعلم واعتراه بعض المتغيرات بين الدول الكبرى، وأحدثت فيه أمور جديدة. واستقرَّ الموقف الدولي (أي الدولة الأولى والمزاحمة لها) على شكل معين بعد أحداث كثيرة وقعت بعد الحرب العالمية الثانية؛ صعدت فيها دول كأمريكا والاتحاد السوفياتي، واضمحلَّ نفوذ دول أخرى كبريطانيا وباقي دول أوروبا، وتقوقعت الصين على نفسها، وبقي هذا الحال بين أخذ وردّ، وبين تفاهمات بين أمريكا والاتحاد السوفياتي، وتصادمات وصراعات بين أمريكا وبريطانيا حتى انهار الاتحاد السوفياتي كمنظومة دولية كبرى تقف ندًّا لأمريكا وتزاحمها أو تشاركها في الموقف الدولي وتحكُّماته ورسم سياساته. فكان انهيار الاتحاد السوفياتي بهذا أكبر حدث يجري على ظهر البسيطة منذ تبلور الموقف الدولي حتى ذلك التاريخ. لقد برزت هيمنة أمريكا على العالم وقيادتها له بالقوة السياسية والعسكرية بعد هذا الانهيار، وكانت هي المسيرة لكل الأزمات التي حصلت، سواء في العراق سنة 1990م، أم في أفغانستان والعراق سنة 2003م، أم غيرها من أمور سياسية وعسكرية. والأهم من ذلك كله هو هيمنتها الاقتصادية على العالم بلا منازع، باستثناء أمور تجري على استحياء ووجل وحسابات كثيرة من جانب الصين، ولا ترتقي إلى حد المنافسة ولا المنازعة على عرش التحكُّم في اقتصاد العالم!!. إن موضوع الأزمة الأخيرة في ساحة أوكرانيا هي أخطر حدث بالفعل يتعلق بالموقف الدولي؛ لأنها مسَّت موضوع التنافس على الموقف الدولي، أي هي محاولة لمزاحمة أمريكا على مكانتها الدولية في الهيمنة الاقتصادية والسياسية، رغم أنها ليست صراعًا مباشرًا مع أمريكا في أرضها أو قواعدها العسكرية؛ إلا أن واقعها هو صراع بين معسكرين؛ تقف فيه روسيا في المقدمة في وجه أمريكا وسياساتها الدولية، وهي كما ذكرنا خطوة استباقية لتحطيم هذا الأمل وهذا العمل من جانب هذا المعسكر. والحقيقة أن مجريات الأمور واستقرارها في المستقبل على شكل معين لا يعلمها أحد الآن؛ لأن المفاجآت والمتغيرات التي تحدث لا أحد يستطيع أن يتنبَّأ بها، خاصة أن الأمور ليست اتجاهًا واحدًا في الأحداث، فهناك أمور وتغيُّرات اقتصادية قد تحدث، وهناك أمور عسكرية يمكن أن تتوسَّع وتجرُّ أمورًا جديدة إلى ساحة الصراع، وهناك أمور داخلية ومفاجآت يمكن أن تحدث داخل روسيا، أو حتى داخل أمريكا. فكل الأمور واردة من حيث التأثُّر والتأثير بهذه الأزمة الخطيرة والكبيرة. وقبل الحديث عن الثوابت والمتغيرات في هذه الأزمة الخطيرة نقول: إن فهم أي مسألة سياسية (فهم ثوابتها ومتغيراتها) يقتضي فهم تاريخها أولًا، وفهم محيطها، وما يكتنفها من أمور وأحداث، أي فهم ماضيها وواقعها، وفهم واقع الدول التي تشترك في أحداثها، وفهم مبدئها ونظرتها من خلال هذا المبدأ. وكذلك فهم الموقف الدولي والدول الفاعلة فيه، والدول التابعة للدول المؤثرة. وكذلك فهم القضايا المصيرية التي يمكن أن تترتَّب عليها أحداث فاصلة يتخذ تجاهها إجراء الحياة أو الموت عند الشعوب. وفهم قدرات الدولة وطاقاتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وما يوجد من تحالفات معها وحولها. فهذه من أبرز الأمور التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند النظر لأية قضية في العالم من حيث ثوابتها ومتغيراتها؛ سواء أكانت هذه القضية كبيرة (دولية)، أم صغيرة (إقليمية). ولا يجوز أن نجرّد القضايا عن تاريخها وماضيها ومحيطها وواقعها؛ فهذا لا يؤدّي إلى الرأي الصحيح في فهم الأحداث والوقائع السياسية. ونحن بصدد الحديث عن الأزمة الأوكرانية من زاوية الثوابت والمتغيرات التي تتعلق بهذا الصراع الدولي الخطير والحسَّاس. وهنا لا بد من أن نرتكز على بعض الأمور الضرورية من خلال الخطوط العريضة التي ذكرناها في المقدمة. ومن الأمور البارزة التي يجب أخذها بعين الاعتبار أثناء الحديث عن هذه الأزمة: أولًا: الثوابت التي لا يعتريها تغيّر على الأقل في هذه الأزمة الحالية وما يكتنفها وما يحيط بها. وهي تشكل العمود الفقري في هذه الأزمة، وهذا الصراع الدولي، أو يمكن أن نسميها الأسس العريضة التي تتعلق بها المتغيرات الجارية والأحداث المتسارعة، وتصب في دائرتها. ومن هذه الخطوط العريضة والأمور البارزة: 1- هذا الصراع جذوره وتأثيراته دولية، وليس صراعًا إقليميًا يخصّ منطقة أوكرانيا وحدها. 2- الغرب وعلى رأسه أمريكا يسعى لجعل روسيا ضمن إطار سياسي واقتصادي وعسكري معين لا تتجاوزه، بحيث لا يؤثر على هيمنتها الدولية. 3- أمريكا تريد جعل أوروبا أيضًا ضمن حدود وسياسات معينة لا تتجاوزها؛ حتى لا تتمرد عليها وتستقل بسياساتها فتصبح تهديدًا اقتصاديًّا يضاف إلى تهديد الصين. 4- روسيا تعتبر نفسها هي المهيمنة على إرث الاتحاد السوفياتي السابق ودوله؛ عبر تحالفات واتفاقات مع هذه الدول، وتقف في وجه أي سياسة أو أعمال خارجية أو داخلية لخرق وإلغاء هذا التصور وهذه النظرة. 5- العلاقة المتنامية بين الصين وروسيا تعتبرها أمريكا تهديدًا فعليّا لنظرتها وتطلعاتها في التفرد والهيمنة العالمية. 6- أمريكا تزجُّ بأوكرانيا ودول أوروبا وبعض الدول الأخرى في المحيط الهادي في حتمية المواجهة مع روسيا والصين، وفي الوقت نفسه تثير المشاكل المصطنعة السياسية والاقتصادية والعسكرية لأوروبا وتدفعها للاصطدام مع روسيا. 7- الشعوب في أوروبا توازن الأمور حسب المصالح الاقتصادية وظروف العيش، ولا يهمّها القيم الغربية المزورة الكاذبة التي يتغنَّى بها القادة السياسيون، سواء في أمريكا أم أوروبا. وأكبر دليل على ذلك هو صعود اليمين المتطرف في أكثر من دولة أوروبية في الانتخابات الأخيرة، وحصول المظاهرات ضد الانتكاسات الاقتصادية المترتبة على الحرب وتبعاتها الاقتصادية!! 8- العالم أجمع يعيش في أزمة اقتصادية بسبب سياسات الغرب. وهذه الأزمة الأوكرانية أضافت بعدًا جديدًا لهذه الأزمة الاقتصادية وعمّقتها وفاقمتها. 9- أمريكا تراهن على استسلام روسيا لسياساتها تمامًا كما فعلت مع ألمانيا من قبل، ومع الاتحاد السوفياتي من خلال الضغط الاقتصادي، ومن خلال تأثير العقوبات لزيادة الضغوط الداخلية داخل المنظومة السياسية المحيطة بالرئيس الروسي، ومن خلال الضغط الشعبي الجماهيري. 10- الساسة الروس ومجلس الدوما والقادة العسكريون يعتبرون قضية الهجوم الغربي على روسيا قضية أمن قومي، ويستلزم اتخاذ كافة الإجراءات الضرورية للمحافظة على الأمن القومي. هذه أبرز الثوابت التي يجب أن يُنظر إليها أثناء التحليل والاستنتاج والنظرة المتفحِّصة للأزمة الأوكرانية. ولا تنفصل هذه القضايا أبدًا عن الأحداث وتفاقمها في أوكرانيا ومحيطها. فقد نظرت روسيا للمسألة الأوكرانية على أنها تحدٍّ لها، وتهديد لأمنها، وزعزعة لاستقرارها برمته. ونظرت كذلك أن الغرب لن يقف عند حدود روسيا في أوكرانيا، بل سيتبع ذلك كافة المنظومات السياسية والمعاهدات التي وقعتها روسيا مع دول الاتحاد السوفياتي السابقة، وربما أيضًا الاتحاد الروسي، لتبقى روسيا مثلها مثل الاتحاد الأوروبي؛ لا تقول: لا، أبدًا لأمريكا وسياساتها الخارجية، بل حتى لا تفكر أبدًا بالخروج، أو مجرد التفكير بالخروج على هذه السياسات. فروسيا لم تبدأ الحرب، ولم تفاقم الأزمة، وإنما من فعل ذلك هي أمريكا، واستخدمت دول أوروبا كذراع لها في هذه الأزمة، وأوجدت القناعات عند الزعامات الأوروبية؛ أن الدب القطبي يتهيأ للانقضاض على أوروبا بعد أوكرانيا، فضلَّلت أمريكا الرأي العام الأوروبي، فخدعته ودفعته إلى هذه الأزمة في مواجهة روسيا، وترتَّب على ذلك المشاكل العريضة للاتحاد الأوروبي وأولها أزمة الطاقة والغذاء وغلاء الأسعار، وانحسار الصناعات والتضخم والبطالة، وغيرها من مشاكل ما زالت تتصاعد. إن الأمر الرئيس والزاوية المهمة في هذه الأزمة هي نظرة أمريكا للهيمنة على العالم ومنه روسيا وقيامها بكل الأعمال المتاحة لترسيخ هذه النظرة، وإيجاد الأجواء والأعمال الدولية للدفاع عنها وتحطيم كل الخصوم؛ حتى لو اضطرت لجر العالم لحرب عالمية جديدة تدمره. والأمر الأخر المهم أن روسيا قد جعلت قضيتها في أوكرانيا تجاه أمريكا والغرب قضية أمن قومي، وليست كأية قضية أخرى، وهي مستعدة لاتخاذ كافة الإجراءات السياسية والعسكرية من أجل هذه القضية الحساسة. هذا من حيث الثوابت أو الأسس والخطوط العريضة المتعلقة بهذه الأزمة… أما المتغيرات فهي سياسية واقتصادية وعسكرية، ومن هذه المتغيرات التي حدثت وربما تحدث في هذه الأزمة وتواكبها في قابل الأيام: 1- المفاجآت الاقتصادية. ونعني بالمفاجآت الاقتصادية ما يترتب على هذه الأزمة من مستجدات يومية تتعلق بالبورصة العالمية وتقلُّباتها، ومن انهيارات ربما تحدث في المؤسسات المالية الكبرى مستقبلًا. فهناك أمور حدثت بالفعل وأثَّرت في ساحة هذه الأزمة بشكل فاعل؛ منها التضخم في أوروبا وأمريكا، وانخفاض قيمة الروبل الروسي، ونقص السيولة المالية بسبب الحصار، وانهيار بعض المؤسسات المالية الكبرى والبنوك في بعض الدول الأوروبية. فالمتغيرات الاقتصادية هي الأكثر تأثيرًا في هذه الأزمة وفي الضغوط الداخلية عند الشعوب داخل الدول، وبالتالي التأثير على مجريات الأمور على توجيه دفة الحرب من أوروبا وأمريكا، ويمكن أن توقفها بالكلية. 2- المتغيرات العسكرية التي تحدث ويترتَّب عليها أمور سياسية، تؤثر في الركائز والأسس التي ذكرناها. فحصول تمرد عسكري مثلًا على نطاق واسع داخل الاتحاد الروسي يمكن أن يؤثر على الوضع الداخلي في روسيا، وعلى القرار السياسي تجاه الحرب والتصدي لأمريكا، وبالتالي الخضوع لسياسات الغرب وعلى رأسه أمريكا. فالثبات والتماسك الداخلي هو أهم أمر في المتغيرات في هذه الأزمة، ولا يقل أهمية عن المتغيرات الاقتصادية. فإذا ما حصل أي تغير في الجبهة الداخلية الروسية فإن كل الأمور تسير في اتجاه آخر، وربما يحدث ما حدث في بداية تسعينات القرن الماضي من تفكك جديد في المنظومة الروسية، على منوال ما حدث في المنظومة السوفياتية. وحتى الآن يوجد تماسك في الجبهة الداخلية السياسية والعسكرية؛ ولكن لا نعرف أين تتجه الأمور في قابل الأيام. 3- المتغيرات في موقف كل من الصين تجاه أمريكا، وروسيا ودول أوروبا تجاه أمريكا. فهذا الأمر فيه ثوابت؛ ولكن يمكن أن تعتريه متغيرات مثل تشجُّع الصين ودخولها ساحة وحلبة الصراع بجانب روسيا، أو تفكك الرأي الأوروبي نتيجة ضغوط الجبهة الداخلية وصعود اليمين المتطرف إلى سدة القرارات السياسية فيها. فهذه متغيرات يمكن أن تحدث، ويترتب عليها حدوث تغيرات مهمة في هذا الصراع؛ لأن اتساع دائرة الجبهة تجاه أمريكا له تأثير سلبي عليها وكذلك اضمحلال الدول المساندة لها أيضًا له تأثير سلبي عليها، أي بمعنى آخر أن أمريكا لا تستطيع أن تقف وحدها في هذه الأزمة الخطيرة، بل لا بد من وقوف منظومة واسعة معها. 4- المتغيرات داخل أمريكا نفسها من حيث التأثير الاقتصادي لهذه الأزمة أو التشرذم الداخلي في أمريكا نتيجة الصراع بين الحزب الجمهوري والديمقراطي. فإذا ما حصل شيء من هذه المتغيرات في الداخل الأمريكي فإن الأمور تتغير مئة وثمانين درجة في هذا الصراع الدولي؛ خاصة أن مركز القيادة هو عند أمريكا. 5- طول أمد الحرب وصمود كل من الجبهة الداخلية في روسيا وصمود الدول المؤيدة لها. فهذا أيضًا من المتغيرات التي لها تأثير فاعل في الأزمة خاصة أن العالم يعاني ما يعاني من أزمات مالية متتابعة، ومن غلاء أسعار ومن ركود اقتصادي عالمي، ومن اضمحلال المشاريع التي تخص الرأسماليين في أوروبا وأمريكا، فقصر أمد الحرب أو طولها له أثر كبير على مجريات الأمور السياسية، وفي تحديد ما يترتب على هذا الصراع الدولي. 6- مسألة استخدام الأسلحة النووية، أو فوق التقليدية في هذا الصراع. فهذا المتغير يعتبر خطيرًا للغاية، وربما أدخل الصراع الدولي في حرب نووية تُحدث تغيّرات كبرى في العالم؛ تزول بمقتضاه دول بأكملها من الساحة الدولية. وإن كنا نرى هذا الأمر ضعيف الحصول؛ ولكن يدخل في حساب المتغيرات التي تقلب الأمور رأسًا على عقب. وفي الختام نقول: إن هناك أمورًا مهمة في هذا الصراع المحتدم، وربما يتوقف عليه تشكُّل النظام العالمي الجديد، ومصير تحالفات أمريكا وسياساتها الدولية، وأحلافها الاستراتيجية؛ كحلف أوكوس وحلف كواد… ومن هذه الأمور: أولًا: قدرة روسيا على الصمود خلال الأشهر القادمة، والتفاف الشعب الروسي حول قيادته السياسية والعسكرية. فهذه أهم قضية في موضوع استمرارية روسيا وتصدّيها وتحدّيها للهجمة الأمريكية. فإذا استطاعت الصمود خلال الأشهر القليلة القادمة فإنها ستشعل أزمة اقتصادية وسياسية فعلية داخل أوروبا بأكملها. ثانيًا: ما تعانيه الشعوب الأوروبية بسبب هذه السياسات المضلِّلة، وربما وصل الحال – إذا تفاقمت الأمور – إلى حد قيام الشعوب في أوروبا ضد قادتها السياسيين، وإجبار القادة السياسيين على التخلي عن أمريكا وصلفها وعنجهيتها، وتسخيرها في أهدافها وسياساتها وأنانيتها الدولية… فطول النفس عند روسيا وتماسكها في الأشهر القادمة سيكشف عوار أوروبا، ولن تستطيع أمريكا إنقاذها، وبالتالي سيكون انهيار الحلف الأوروبي أسرع بكثير من انهيار الصمود الروسي. وهذا بالفعل ما تراهن عليه روسيا اليوم. وبالتالي ستجبر أمريكا على كسر الحصار عن روسيا، وتخفيف العقوبات والسعي لإيجاد حلّ سياسي؛ حتى لا ينفرط الحلف الأوروبي معها، وبالتالي يصعد اليمين المتطرف إلى سدة الحكم، ويتقارب مع روسيا بدل أمريكا، وتصبح أمريكا في مواجهة أوروبا وروسيا معا بدل أن تكون أوروبا في صفها. ثالثًا: ما يعانيه العالم أجمع من أزمة حضارية وأزمة اقتصادية خانقة تترتب على الأزمة الحضارية؛ حيث ضاقت الشعوب ذرعًا بهذه النظم العفنة المهترئة المتهاوية؛ فضاقت ذرعًا في نهايات القرن الماضي بالنظام الاشتراكي فأسقطته، وها هي تضيق ذرعًا بهذا النظام الرأسمالي الذي يقدس المال ويعبده، ويثير المشاكل العالمية من أجل تكريسه وتعزيزه. وهذا بالفعل أدخل العالم برمته في أزمة حضارية، وولد الكثير من المشاكل الدولية والصراعات وولد الجوع والفقر والخوف، وتحكُّمات الرأسماليين في ثروات العالم أجمع… إن الأشهر والسنوات القليلة القادمة حبلى بالأحداث الخطيرة، والتطورات لمسارات الحرب، وللتخريب المتعمَّد من قبل أمريكا، وزيادة الضغوط على الشعب الروسي. وستلجأ أمريكا لخطوات من التصعيد خطيرة؛ ربما تضطر روسيا لاتخاذ إجراءات عسكرية جديدة. وكل ذلك حتى تُسرّع من استسلام روسيا وقبولها بالشروط والسياسات الأمريكية. وكذلك ساحة العالم والشعوب حبلى بالأحداث المتعلقة بأزمة النظام والحضارة، وما يرتبط بها من مآس دولية وإقليمية سياسية وعسكرية واقتصادية. فما الذي ينتظر العالم في الأشهر والسنوات القادمة؟ ومن سيكون أسرع في الاستسلام والانقلاب في سياساته: دول الاتحاد الأوروبي تجاه أمريكا وسياساتها، أم الاتحاد الروسي ووضعه الداخلي؟ ومن الذي سيصرخ أولًا: روسيا وحلفها أم أمريكا وحلفها؟ وماذا سيحصل لهذه المبادئ المتهاوية؟ وما هو موقف الشعوب منها؟ وهل يمكن أن يحصل على غرار ما حدث في الاتحاد السوفياتي في أمريكا ودول أوروبا نتيجة هذه المعاناة وهذه الشرور المصطنعة؟ كل هذه الأمور ننتظر الإجابة عنها في قابل الأيام، ولا يستطيع أحد التنبؤ بها؛ لأن المتغيرات سريعة والأحداث متلاحقة، والمفاجآت مجهولة. وفي الختام نقول: هذه هي دول العالم، وهذه هي سياساتها، وهذه هي نظرتها للشعوب، وهي مستعدة لتدمير العالم من أجل رأس المال والهيمنة السياسية، ومستعدة أن تجرّ العالم لحرب عسكرية عالمية ثالثة، فقط من أجل الهيمنة ومناطق النفوذ… وهذه بشارة خير جديدة تضاف إلى ما سبق من بشارات بأن الأرض بحاجة إلى مخلّص يخلصها مما هي فيه من شرور وويلات ومبادئ هابطة وضيعة، وأن البشرية تنتظر من يأخذ بيدها إلى برّ الأمان من هذا التيه الكبير، وهذا الظلام الدامس الحالك. وهذا الأمر لن يكون إلا بنظام يحفظ للإنسانية إنسانيتها، وكرامتها، وينظر لإسعادها لا إلى ثرواتها وأموالها. وهذا النظام هو فقط الإسلام في ظل دولة الإسلام التي تطبقه وتحمله رسالة خيرٍ وهدىً إلى الناس كافة. نسأله تعالى أن تكون هذه المقدّمات هي آخر المخاض قبل الميلاد العظيم، وأن تكون هذه الدماء وهذه الآلام هي علامات ميلادٍ جديد للبشرية جميعًا، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله فيصدق قوله تعالى: (لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥ وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦ يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ ٧).
  2. مجلة الوعي العقيدة التجريبية الغربية وفصل الدين عن الحياة فائق نجاح حرّف الغرب التاريخ، فزعم أن تبنّيه للتجربة الغربية وكل ما تلاها كان ببساطة نتيجة لرغبته في التقدم والتنوير؛ ولكن الحقيقة البشعة حول الحضارة الغربية هي أنها بُنيت على حل وسط متهوِّر بين القوى النصرانية والمادية المتوحشة، وقد كانت طريقة التفكير التجريبي هي التي مكَّنت هذا الحل الوسط المضلِّل من خلال فصل الدين عن الحياة، ثم أصبحت هذه التسوية غير المستقرة الأساس الذي تأسَّست عليه الحضارة الغربية الحالية بأكملها. إن الغرب لا يعترف بكل هذا، بل لم يتمكن من تقديم صورة دقيقة لماضيه النصراني؛ لأن هذا سيتطلب الاعتراف بروابطه العميقة بالإسلام، [ويمكن التمثيل على تلك الروابط التي اشتدت في الفترة من القرن الحادي عشر حتى الثالث عشر الميلادي من خلال نقاط الاتصال الثقافي والعلمي في صقلية ومالطا والأندلس، وما كان للجامعات من دور. ومن أبرز الطلاب كان ليوناردو فيبوناتشي وأديلارد أوف باث وقسطنطين الأفريقي وغيرهم من الطلبة الأوروبيين الذين انتقلوا إلى مراكز العلم الإسلامية لدراسة الطب والفلسفة والرياضيات والعلوم الأخرى. كما كان التأثر من خلال ترجمات مثل أعمال ترجمة جيراردو الكريموني للتراث الإسلامي في طليطلة بعد احتلالها من قبل الإسبان، وترجمات التراث في صقلية بعدما ضم المسلمون الجزيرة عام 965م، ثم استعادها النورمان عام 1091م، فتولدت ثقافة نورمانية عربية رعاها حكامٌ أمثال روجر الثاني ملك صقلية، الذي كان لديه جنود وشعراء وعلماء مسلمون في بلاطه. ويعدُّ كتاب (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) الذي كتبه الإدريسي المراكشي للملك روجر من أعظم المخطوطات الجغرافية في العصور الوسطى. وترجم ستيفن البيزي عام 1127م، كتيبًا عربيًا حول النظرية الطبية إلى اللاتينية. وطوّر الخوارزمي طريقة لأداء العمليات الحسابية باستخدام الأرقام العربية في القرن التاسع الميلادي، والتي نقلها ليوناردو فيبوناتشي إلى أوروبا.. كما ترجم روبرت من شيستر كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة للخوارزمي نحو عام 1145م … وغيرها الكثير، واستمر التأثر حتى في العصور اللاحقة، حيث إن المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون يقول في كتابه «حضارة العرب»، إن الجنرال الفرنسي الأشهر نابليون بونابرت عند عودته إلى بلاده فرنسا راجعًا من مصر سنة 1801م، أخذ معه كتابًا فقهيًّا من مذهب الإمام مالك بن أنس اسمه «شرح الدردير على متن خليل»، ويعتبر الفقه المالكي أول فقه إسلامي رافق الأوروبيين، هذا الكتاب الفقهي الذي أخذه بونابرت معه، يقول لوبون، إنه بنى عليه القانون الفرنسي الذي كان أحد أهم أسباب نهضة الدولة، خاصة في مادة الأحكام والعقود والالتزامات؛ ليكون بذلك للفقه الإسلامي، خاصة المالكي، أثر كبير في التشريع الفرنسي، خاصة مدونة الفقه المدني المعروفة بمدونة نابليون. تقول، أيضًا، بعض نتائج دراسات ومقارنات قام بها علماء مسلمون ورجال قانون نذكر منهم: مخلوف المنياوي القاضي في عهد الخديوي إسماعيل في مصر الذي أجرى مقارنة بين القانون الفرنسي والفقه المالكي، وقدري باشا وزير العدل المصري في أواخر القرن التاسع عشر، والعالم الأزهري سيد عبد الله علي حسين صاحب المقارنات التشريعية إن التشابه بين الفقه المالكي والقانون الفرنسي بلغ 90%. فيما يشير أستاذ القانون الدولي في الجامعة الهولندية ميشيل دي توب إلى تأثير الروح الإنسانية والخلقية التي جاء بها الإسلام وتجسَّدت في فلسفته الفقهية وفضلها على أوروبا في العصر الوسيط، حيث يُذَكِّر بما كانت تعانيه البشرية من بؤس وتعاسة، وتأثير القواعد التشريعية الإسلامية على ذلك، وأثرها في القانون الدولي. وتقول بعض المصادر التاريخية إن ألفونس التاسع ملك قشتالة كتب أول مدونة قانونية في أوروبا، نشرت بتعليقات لاتينية في ثلاثة مجلدات، وقد استمدها خاصة من قانون الولايات في الأندلس المسلمة الراجع إلى سنة 679ه الموافق لسنة 1289م. إلى جانب ذلك، استمدّ فريدريك الثاني ملك صقلية وإمبراطور جرمانيا قوانينه سنة 1250م من الفقه الإسلامي، من ذلك وضعه للضرائب المباشرة وغير المباشرة، والهياكل العسكرية والرسوم الجمركية واحتكار الدولة للمعادن وبعض البضائع مما كان يعرف في الشريعة الإسلامية منذ القرنين التاسع والعاشر؛ ولكنه أصبح نموذجًا احتذت به أوروبا كلها]. وكما أن الغرب لم يتمكن من تقديم صورة دقيقة لماضيه النصراني؛ لأن هذا سيتطلب الاعتراف بروابطه العميقة بالإسلام … كذلك، لم يتمكن من شرح مدى شدة التحدي المادي الذي واجهه بصدق خوفًا من إعطاء المادية أهمية إضافية. ومع ذلك، يجب الكشف عن هذا التاريخ المظلم حتى نكون قادرين على تقييم أهمية التجريبية الغربية وسبب فصل الغرب للدين عن الحياة. الحضارة المسيحية في أوروبا وصراعها مع الفكر المادي إن الطريقة الوحيدة لفهم الحضارة المسيحية في أوروبا بشكل صحيح هي بالاعتراف بأنها تطورت في ظل الحضارة الإسلامية، وتطورت أوروبا كنسخة نصرانية من الإسلام. يصور الغرب زورًا صعودهم على أنه استمرار لإرث حضارة اليونان القديمة وروما، على الرغم من أن دولة الخلافة الإسلامية كانت القوة الحياتية المهيمنة لأكثر من ألف عام، وكانت حضارتها قمة الإنجاز البشري في عصرها، والمظهر العملي للاتساع الكبير والتطور والرفاهية والفضيلة، وكان النجاح الحضاري منقطع النظير للإسلام نتيجة للتطبيق الشامل للأيديولوجية الإسلامية الفريدة التي توفر حلولًا لكامل شؤون الحياة، ولم تكن ثمار الحضارة الإسلامية متاحة للمسلمين فقط، بل كان العالم بأسره يتمتع بها إلى حدٍّ ما خلال تلك الفترة. لقد صمّم الغرب على وجه الخصوص مجمل حضارته النصرانية حول الإسلام، ليس فقط في نسخ الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا، والفنون والحرف اليدوية، والتجارة والأدب… ولكن أيضًا باستنساخ أنظمتنا وتشريعاتنا وأفكارنا حول الحياة. يقول الفيلسوف الأمريكي الإيطالي الأصل جورجو سانتيلاني أستاذ تاريخ العلوم في جامعة ماساشوتيس للتقنية MIT: «إن من عجيب هذا القانون العربي أنه هدانا لهذه التفاصيل في القانون التجاري مثل الشركات محدودة المسؤولية»، ويضرب أمثلة كثيرة على القوانين التجارية المأخوذة من التشريع الإسلامي. ويقول المستشرق الإنجليزي هربرت جورج ويلز: «إن أوروبا مَدينة للمسلمين في قوانينها التجارية الدولية». وهنا لا بد من لفت النظر لقضية مهمة إزاء مسألة أخذ نابليون للفقه المالكي وصياغة قوانين فرنسية على أساسه، فنحن ضد الترويج للقوانين الغربية، فلا يُفهم أننا نقول للغرب هاتوا قوانينكم هذه بضاعتنا ردت إلينا، فينبغي لفت النظر هنا إلى الفرق بين الفقه الدستوري والدستور، ففي الغرب لم يأخذوا في هذا الجانب منه شيئًا من الإسلام، بل نظامهم نظام ديمقراطي ليبرالي علماني، والدستور يبين شكل الدولة ومؤسساتها واختيار الحاكم وما إلى ذلك، وهذا لم يأخذوه من الإسلام، وأما القوانين الخاصة التي تنظم حياة الأفراد، مثل الموقف من التجارة، العلاقات الاجتماعية، وغيرها، فهذه التي أخذ نابليون منها ما يتعلق بالتجارة والشركات، وخاصة في مادة الأحكام والعقود والالتزامات والملكية، من الفقه المالكي، فهي لا تغير في شكل دولته، ولكن في قوانينها التفصيلية! كما أنه لا بد من لفت النظر أيضًا إلى أن المهم هو ربط القوانين بالوحي حتى تصبح إسلامية، فليس معنى أخذ فرنسا لقوانين شرعية أنها تحكم بالشرع، بل معناها أنها استحسنت قوانين تنظم التجارة، فلما أخذتها مفصولة عن الوحي وعن الأصل الذي انبثقت منه أضحت قوانين كغيرها من القوانين التي لا يجوز لنا أخذها منفصلة عن الوحي وعن أصلها، فعلى المسلمين أن يأخذوا التشريعات من الوحي مباشرة، وأن ينظروا للغرب نظرة استعلاء عليهم بأنهم لم يستطيعوا تنظيم قوانينهم، فاضطروا لأخذها من المسلمين وبنوا عليها قوانينهم، فتشريعات ربنا سبحانه وتعالى هي وحدها الضامنة لنا معاشر المسلمين بأن ننهض ونرتقي ونطيع ربنا ونتفوَّق على باقي الأمم. لقد كانت أوروبا بأكملها نصرانية، وحكامها يستمدون سلطتهم وشرعيتهم من دورهم كأمراء مسيحيين، يحكمون أوروبا بالتعاون مع الكنيسة الرومانية؛ لكن المسيحية كانت دينًا ضيقًا ومتفرقًا يفتقر إلى القوة الأيديولوجية الجوهرية، ولم تستطع تطوير حضارة أصلية ناضجة بالكامل من صنعها؛ لذلك قاموا بتقليد الإسلام، وبتعديل ما أخذوه منا وتحويله لما يوافق عقائدهم المسيحية، وبالتالي ابتداع نسخة طبق الأصل من الحضارة الإسلامية في أوروبا. لقد شوّه الغرب الحالي هذا التاريخ، في إشارة إلى هذه القرون باعتبارها عصورهم المظلمة، مع ذلك، وفي الحقيقة، كانت طريقة الحياة التي تمتَّعت بها أوروبا حينها متناغمة ومتفوقة على الظروف الحالية في الغرب، نعم، يتمتع الغرب اليوم بتكنولوجيا متفوقة؛ ولكن التقدم العلمي ليس مقياسًا مفيدًا لمقارنة الحضارات من مختلف الأعمار التاريخية. فالحياة الغربية اليوم تقوم على السعي بلا توقف نحو المصالح المادية الأنانية، بينما كانت الحضارة المسيحية قادرة على موازنة المساعي المادية بشكل أفضل مع الاهتمامات الأخلاقية والإنسانية والروحية، وكانت مفاهيم الشرف والكرامة والأسرة والمجتمع بارزة وذات أهمية. مع ذلك، في الوقت نفسه، يمكن رؤية الاستغلال المادي في الطبقات الحاكمة المسيحية حتى قبل ظهور الرأسمالية، وتعاون الباباوات والملوك في إثراء أنفسهم بشكل كبير على حساب شعوبهم المضطهدة، واحتكار الثروة والسلطة وحتى المعرفة لأنفسهم، ويمكن بعد ذلك رؤية هذه العقلية الاستغلالية نفسها في الارتباطات الإمبريالية المبكرة لأوروبا المسيحية في الخارج، كما كان عليه الحال في الحروب الصليبية أو في القارة الأمريكية. لم تغذِّ الرأسمالية سوى البذور الشريرة التي تنبت في نفوس النخبة المسيحية، ودفعت القوة الأيديولوجية للرأسمالية الطبقات الحاكمة الغربية إلى الهيمنة على الحياة بأسرها. لقد كان إدخال الفكر المادي في الغرب أيضًا نتيجة للاتصال بالحضارة الإسلامية، فقد كان المسلمون على اتصال أولًا بالتفكير المادي عندما توسع الإسلام إلى أراض كانت تهيمن عليها في السابق الثقافة الهيلينية وأصبح بعض الأفراد متأثرين بالأفكار الغربية، وأصبح الفلاسفة مثل ابن سينا يؤمنون بأفكار خاطئة مثل أبدية الحياة، في تناقض واضح مع العقيدة الإسلامية، وهو أمر واضح في التأكيد على أن الخالق هو الوحيد الذي خلق الكون والإنسان والحياة، وأنه ببساطة هو صاحب الخلق الزمني للكون والإنسان والحياة، والازدهار الإسلامي في القرنين الثالث والرابع كان لا يزال في عصره الذهبي، وانتقل العلماء بقوة لدحض هذا التفكير الأجنبي. أخيرًا، وفي نهاية القرن الخامس الهجري، دحض الإمام الغزالي بشكل شامل حججهم في كتابه «تهافت الفلاسفة»، وجاء ابن رشد من بعده وحاول مواجهة كتاب الإمام الغزالي، وكان ابن رشد من عائلة مرموقة من العلماء الأندلسيين وتبع والده وجده ليصبح رئيسًا للقضاة في قرطبة؛ ولكن عندما اكتشفت الأمة انحطاط فكر ابن رشد حُوكم ونُفي، وهذا مؤشر قوي على انتصار العلماء الإسلاميين على الفلاسفة. تم التغلب على التفكير المادي في الحياة الإسلامية؛ ولكنه انتقل إلى أوروبا من خلال ترجمات لاتينية لأعمال ابن رشد. وفي القرن السابع عشر الهجري، أصبح جزء من رجال الدين المسيحيين ينجذبون إلى الفكر المادي وأصبح معروفًا باسم «أفرويستس»، تيمُّنًا باسم ابن رشد الذي كان يُعرف باسم «أفرو» في اللغة اللاتينية. إن التفكير المادي بغيض عند المسيحية بقدر ما هو للإسلام، وقاتلت الكنيسة الرومانية ضد الليبراليين مثلما قاتل العلماء الفلاسفة، وكانت الكنيسة تطمح للإبقاء على هيمنتها، وظهر سلطانها أيضًا في صورة الاضطهاد الكنسي للمفكرين أو لمن ينتقد تعاليمها أو الفساد المستشري فيها، وكانت نتائج هيمنة الكنيسة على أوروبا (مع جملة من الأحداث) كارثية، فلم يعد المطلوب إصلاحها، بل أصبح المطلوب هدمها؛ ومع ذلك، كانت الكنيسة قادرة فقط على القيام بمناهضة النزعات الفكرية التي بدأت تأخذ طريقها في المجتمعات الغربية من ومع ذلك، كانت الكنيسة قادرة فقط على القيام بذلك من خلال استخدام حجج مأخوذة من الإمام الغزالي والمعروفة باللغة اللاتينية باسم «الجزيل»، ويمكن أن نرى حتى من هذه الحلقة مدى تأثر أوروبا في ظل الحضارة الإسلامية بالتيارات الفكرية بين المسلمين، وعلى الرغم من هذه الجهود؛ إلا أن المادية لم تنتهِ عند هذا الحد، ويبدو أن الكنيسة كانت تعتمد على قوتها السياسية أكثر من قدرتها على الإقناع الفكري، حتى إن بعض النخب المسيحية الحاكمة اللاحقة لعبت بالنار؛ حيث كانت تعتمد على عناصر من الفكر المادي لدعم سلطتها وتوفير ثقل مواز في صراعها ضد الكنيسة، والفكر المادي لم يهزم بشكل مقنِع وظل خامدًا تحت الأرض. على النقيض من الإسلام، كان للمسيحية الأوروبية عيبان أساسيان، أحدهما سياسي والآخر فكري، وهذا ما استغله الفلاسفة الماديون، وكان الخلل السياسي الأول في أوروبا المسيحية هو عدم وجود وحدة في حكمها، مما أدى إلى استمرار الاقتتال الداخلي، وتم تقسيم الحكم بين الكنيسة والدولة، وكان هذا إرثًا من الأباطرة الرومان السابقين الذين تبنّوا المسيحية لكنهم استمروا في تنفيذ القانون الروماني؛ مما أدى إلى تقييد رجال الدين عن الإشراف على الشؤون «الدينية» الضيقة، كما قبل المسيحيون من جانبهم هذا التقسيم بسهولة. لقد كان نبي الله عيسى عليه السلام مُؤيَّدًا بالوحي، وقد أُرسل في الحقيقة لبني إسرائيل؛ لكن المسيحيين جادلوا بأن القواعد التفصيلية المتعلقة بشؤون الحياة التي ينقلها عيسى عليه السلام تنطبق فقط على اليهود، وأن غير اليهود كانوا أحرارًا في إطاعة الملوك الدنيويين بدلًا من ذلك. كما أصبحت العقيدة المسيحية متأثرة بالفلسفة السائدة لفصل المادة عن الروح، وجاء المسيحيون ليعتبروا الغرض من رجال الدين فقط للإشراف على المتدينين والروحانيين، تاركين الحكام لحكم الزمان والمادة، وعندما أعادت أوروبا بناء نفسها بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية، استمرت الكنيسة الرومانية في نفس النموذج؛ حيث حصرت نفسها في الشؤون الروحية والتخلي عن مسؤولية الشؤون المادية لملوك أوروبا. علاوة على ذلك، فإنه على الرغم من أن رجال الدين لديهم «بابا» واحد كرئيس خلال تاريخ أوروبا المبكر، فقد ظلت أراضي أوروبا منقسمة بين عدد من الملوك الطموحين المتصارعين الذين كانوا دائمًا في حالة حرب مع بعضهم البعض. فأما الكنيسة فقد صادرت عقل الإنسان برمته، إذ فرضت عليه أن يستقي تصوره للوجود من خلال تأويلاتها المحتكِرة للكتاب المقدس، وكانت الكنيسة تركز على الإنسان الخارجي، الذي يعترف بذنبه، ويُكَفِّر عنه، ويطوع جسده، ويتصدق، ويبجل الكنيسة، فتمنحه صك الغفران؛ لكنها لم تلتفت إلى روحانيته وصلاح نفسه (الجوَّانية)، الأمر الذي دفع مارتن لوثر (1483-1546)م (مؤسس حركة الإصلاح البروتستنتي) للبحث عن «نفسه» بعمقها الأخلاقي، ليكون رقيها هو الـمُعلي لشأن الإنسان الاجتماعي، ومن ثم نظَّرَ لوثر للطبيعة المزدوجة للإنسان، الداخلي الروحي، الأكثر أهمية، والخارجي الجسدي، وأن تطهير النفس الداخلية هو الذي يعبر عن الاختيار الحر، فإن فعل فاز بالحب الإلهي، وبهذا قوَّض مارتن لوثر بضربة واحدة عِلَّةَ وجود الكنيسة الكاثوليكية، فلم يعد لها حاجة، بل فوق ذلك فهي تقف حاجزًا بين الإنسان الراغب برضا ربه، وبالاتساق مع العالم من حوله، وبين مسعاه ذلك، وبالتالي فلا سلطة لرجال الدين بين المرء وبين تصوره لذاته أو تطهيره لنفسه أو رؤيته للعالم من حوله، أو اتصاله بربه. كان هذا التحول الفكري ثوريًّا فتح أذهان المفكرين إلى أفكار لم تخطر لهم ببال، فانطلقوا من التمييز بين داخل الإنسان وخارجه كحيزين منفصلين، قوام الحيز الداخلي تحريرها والتركيز على فردانيتها والسعي لبلوغ الذات المتعالية والفاعلة والعقلانية، والعالم الخارجي هو العالم الحسي الذي يحمل كل أسراره ومفاهيمه وآليات فهمه داخله، دون الحاجة لأي مرجعيات غيبية تتجاوزه. وفي القرن العاشر الهجري، تمرَّد ملوك شمال أوروبا ضد سلطة روما باسم الطوائف البروتستانتية التي تمَّ تأسيسها حديثًا، بينما استمر ملوك جنوب أوروبا في البقاء مع الكاثوليكيين الموالين للكنيسة الرومانية، ودفعت المستوطنات اللاحقة التي أصبحت تعرف باسم «سلام ويستفاليا» إلى انتقال أوروبا إلى بلدان وطوائف مختلفة. بحلول القرن الثاني عشر الهجري، كانت أوروبا المسيحية تفتقر بالكامل إلى سلطة مركزية قوية تمكّنها من مواجهة الثورة المادية، وأصبح نفاق النخبة المسيحية الحاكمة مكشوفًا بالكامل، مشيرًا إلى فسادهم، وجشعهم، وقمعهم، واستغلالهم، في تناقض تامّ مع المسيحية المعلنة، وهو صدى الأجندة السياسية للتمرد المادي عند شعوب أوروبا. في الوقت نفسه، كان العيب الفكري الرئيسي في أوروبا المسيحية هو تبنّي طريقة التفكير الخاطئة للعقلانية اليونانية واستخدام طريقة زائفة في المنطق لتوفير مبررٍ فكري للعقيدة المسيحية. فالمنطق هو أسلوب صحيح للتفكير ولكن ليس في الأمور العقائدية؛ لأنه قادر على إخراج نتائج متضاربة فيما يتعلق بالأفكار حول الحياة، بينما يجب أن تكون العقيدة قطعية، وليس فقط بغلبة الظن؛ لأنها يجب أن تكون مبنية على أساس متين لا جدال فيه ولا يتغير من أجل بناء الثقافة ونمط الحياة والحضارة؛ لكن باستخدام المنطق. وفي الوقت نفسه، وباستخدام آلية التفكير المنطقي نفسه، أصدر المفكرون الماديون «أدلة» خاصة بهم في الحياة باعتبار المادة مكتفية ذاتيًّا وأبدية وليس بحاجة إلى خالق، وقد أخذوا على سبيل المثال الحججَ التي طوّرها الفلاسفة المرفوضون بين المسلمين، من الذين زعموا أن خلق شيء مؤقت بشيء أبدي هو استحالة منطقية، ولم يخطر في بالهم أن مثل هذا الادعاء لم يكن له معنى حقيقي في إطار فكرة الألوهية اليونانية، باعتبارها المحرك الميكانيكي الأول في عالم حتمي، وحاول الماديون تصوير أنفسهم على أنهم «ملحدون» أمام كثير من المعتقدات الدينية؛ ولكنهم في الواقع يتبعون أسوأ الأديان، وهو الشرك الأكثر تطورًا، الذي يعزو الصفات الإلهية والخلود والاكتشاف الذاتي لهذا الخلق المادي، وقد كان المشركون في مكة الذين ارتبطوا زورًا بالله سبحانه وتعالى متفوِّقين على هؤلاء الماديين الوثنيين؛ فعلى الأقل آمن كفار مكة بالخالق. عقيدة الحل الوسط الغربية مع المادية لـمّا أصبح المفكرون المسيحيون غير قادرين على هزيمة التهديد المادي فكريًّا، لجؤوا إلى النهج الدفاعي بطرح الحل الوسط بين المسيحية والمادية، وفي القرن الثاني عشر الهجري، استبدل المفكرون المسيحيون بالعقلانية اليونانية النزعة التجريبية الغربية، والتي تحدّ بشكل صارم الإدراكَ، وأزال هذا النقاش الديني من المجال الفكري، ولم يفعل المفكرون المسيحيون هذا لإيذاء دينهم ولكن مخافةً عليه من هجمات الماديين الفكرية، وقد اعتبروا الإيمان بالخالق أمرًا بديهيًا وواضحًا أربكته عقول الماديين بلا داع، ونجحت التجريبية الغربية في إنهاء الجدل العام حول وجود الخالق؛ لكن النتيجة الأخرى لهذه التسوية كانت فصل الدين عن الحياة، وقد استبدل الغرب بالمسيحية عقيدةً جديدة، ووفقًا لهذه العقيدة الغربية الجديدة، لا يُعرف على وجه اليقين إلا الحياة في هذا الحياة، وما وراء هذا الحياة لا ينبغي أن يُؤخذ في الاعتبار عند تنظيم شؤون الإنسان في هذه الحياة، وفهم ما يمكن أن يكون وراء هذا الحياة متروك لكل شخص ليقرره بنفسه بشكل فردي. «في كتابيهما: قصة الحضارة لـ»ول ديورانت»، وتاريخ الفكر الأوروبي الحديث لـ»رونالد سترومبرج» قسَّما مراحل تاريخ الفكر الغربي إلى: القرون الوسطى، وعصر النهضة، وعصر الإصلاح، والعصر الباروكي، وهو عنده «عصر ما بعد عصر النهضة، أو بمفهوم آخر عصر ما بعد حركة الإصلاح الديني الذي بدأ قرابة العام 1570م ويمتد حتى عام 1650م» ثم يصف القرن السابع عشر بعصر العقل مدلِّلًا على ذلك بقوله: «عندما يفكر المرء بجاليليو ونيوتن وديكارت وإسبينوزا وتوماس هوبز وجون لوك ولايبنتز، يستحيل عليه آنئذ أن ينكر كون القرن السابع عشر عصر العقل» ويأتي بعده عصر التنوير في القرن الثامن عشر الذي مهد لعصر مولد الأيديولوجيات في القرن التاسع عشر الميلادي». بدأت أوروبا تتحسس طريق نهضتها بانعتاقها من سيطرة الكنيسة على الحياة والمعرفة منذ القرنين السادس والسابع عشر، وأخذ المفكرون والفلاسفة الذين وصفوا بـ»التنويريين» بوضع أسس فكرية لهذه النهضة، تقوم على المبدأ العلماني القاضي بفصل الدولة -ومن ثم الحياة بكامل تفاصيلها- عن الدين والأخلاق والقيم، وفي أحيان كثيرة، كان هؤلاء المفكرون هم أنفسهم من يضع أسس المنهج العلمي التجريبي، من أمثال فرانسيس بيكون (توفي 1626م)، ورينيه ديكارت (توفي 1650م)، وبليز باسكال (توفي 1662م)، وغيرهم؛ لذلك كان من الطبيعي أن ترى تقاطعًا بين المنهج العلمي والعلمانية، الأمر الذي وجَّه بوصلة العلم وجهة معينة، وفي الوقت نفسه اتخذ الغرب من العلم أداة وطريقة وحيدة للمعرفة بحيث هيمنت على سائر العلوم والمعارف الإنسانية، فكانت الخدمات متبادلة بين العلم والعلمانية، الأمر الذي يتطلب وضع علامات استفهام وشك كبيرة على القيمة العلمية لكثير من العلوم مثل نظرية داروين، ويضع علامات تعجب هائلة على استعمال المنهج التجريبي نفسه على معارف غير تجريبية مثل ما يوصف بالعلوم الإنسانية، فقد وجهوا بوصلة العلم أيضًا ليصبح مقتصرًا على الناحية المادية الدنيوية، فميدانه الوحيد: الطبيعة، مملكة المعرفة الإنسانية، وطريقته للتفاعل معها هي المنهج التجريبي الحسي، والهدف المعلن: ما ينفع الإنسان، وبالتالي كان لا بد من نبذ المعارف والأفكار الفلسفية «القديمة» التي رأَوا أنها غير نفعية، كالمنطق الصوري والقياس الذي لا يفعل إلا «تحصيل الحاصل»، بل نبذ الغيب جملة وتفصيلًا، والقطيعة التامة بكل ما لا يقع الحس عليه، وبالتالي فقد أصبحت النفعية غاية للعلم والفلسفة معًا، والمادية ميدانه، وهذا التقاء صارخ بالمبدأ العلماني وتسيير واضح للعلم ليكون في ركاب النفعية، فما يراه المنظرون من الأفكار نفعيًّا ماديًّا دنيويًّا فيمكن تسخير الطاقات لاقتناصه. من هنا فقد كان العلم أسيرًا لروح العصر ونزعاته الفكرية، وقامت العلمانية بأسره واستعماله لغاياتها في خدمات متبادلة بين العلمانية وبين المنهج العلمي الحسي التجريبي. لقد سهّلت المسيحية لنفسها التبنّي السريع لهذه التسوية الجديدة. وفكرة الفصل بين الأمور الدينية والأمور الدنيوية، وبين الأمور الروحية والمادية، موجودة بالفعل في المسيحية منذ العصر الروماني، كما تم شرحه في القسم أعلاه. بسبب الانقسام المتأصل داخل المسيحية نفسها فيما يتعلق بالشؤون الدينية والدنيوية، لم يُحدِث الفصل بين الدين عن الحياة سوى القليل من التغيير العملي في البداية، وكانت أوروبا مسيحية، وآمن أهلها بالعقيدة المسيحية واتبعوا التعاليم المسيحية، وسيستمرون في اتباع دينهم في حياتهم الشخصية. وأيضًا كانت الطبقة الحاكمة الأوروبية مسيحية، وستستمر في الحكم وفقًا لأي توجيه يقدّمه دينهم في شؤون الحياة. على مدى قرون من الحضارة المسيحية، اتبعت شعوب أوروبا نظرية القانون الطبيعي التي باتوا من خلالها يرون أن أفكارهم حول شؤون الحياة صحيحة دينيًا وعقلانيًا على حد سواء، وأنه حتى لو تم نحي الدين جانبًا، فإنهم سيستمرون في اتخاذ الحلول نفسها لأسباب منطقية، وقد كان المسيحيون مقتنعين بشكل عقلي -على أساس القانون الطبيعي- بأن السلطة يجب أن تُفوّض إلى حاكم واحد، وأن الزنا جريمة، وأن الأراضي التي تم تحديدها على أنها «المشاعات›› يجب أن تُشرف عليها الدولة كملكية عامة لجميع الناس من أجل الاستعمال… ولم تتغير هذه الأفكار فور انفصال الدين، ومع ذلك، وفي وقت لاحق، وعلى مدى عقود وقرون، تغيّرت معظم أفكارهم حول الحياة، ولم تعد العقيدة المسيحية متاحة لترسيخ التفكير الغربي العام في الحياة. وبالطبع توقفت الحضارة الإسلامية عن تقديم نموذج للغرب ليواصل تقليده له. ومع تجريد الحياة العامة من الروحانيات، تعمّق الدافع المادي للغرب، وطغت نظرية النفعية على نظرية القانون الطبيعي التي ترجع جذورها إلى الفلسفة المادية، وتم اختزال هدف الإنسان في الحياة إلى البحث الفردي عن الملذات المادية في هذا الحياة. في غضون ذلك، ترك أصحاب الحل الوسط المادية دون هزيمة، وتم منع الماديين فقط من المناقشات العقائدية، وبالتالي تم الدفع بهم بدلًا من ذلك بأفكار غير عقائدية، مثل الـمُثل السياسية الوثنية للحرية والديمقراطية. كانت الثورة الفرنسية في القرن الثاني عشر الهجري، تمردًا مدعومًا من الماديين لم يظهر إلا بواجهة الحرية والديمقراطية، وفشلت الثورة سياسيًا بسبب التخريب الذي قامت به بريطانيا؛ ولكن الأفكار السياسية الجديدة التي أدخلتها اكتسبت قبولًا فكريًّا واسع النطاق في فرنسا وعبر الغرب. في القرن الثالث عشر الهجري، بعد أن دُفنت العقلانية اليونانية بالكامل، عاد الماديون مرة أخرى إلى موضوع عقيدتهم، وقدّم كارل ماركس ماديته العلمية ضمن الإطار التجريبي، حتى إنه عرّف التفكير نفسه بمصطلحات تجريبية بأنه ليس أكثر من انعكاس للواقع على الدماغ. وخوفًا من الثورات التي اجتاحت أوروبا، تعهد الغرب بالتسوية الثانية، وابتكر نسخًا معدلة من الحرية والديمقراطية فردية وتطوعية تتوافق مع العقيدة الغربية، ولا تشكل تهديدًا للنظام الغربي الراسخ. وبإضافة هذه الأفكار السياسية إلى عقيدة فصل الدين عن الحياة، تكون أيديولوجية الرأسمالية الغربية قد اكتملت الآن وانتهت الحضارة المسيحية تمامًا. لقد أنقذ الغرب نفسه بالتنازلات التي قام بها من أهوال الفكر المادي الشمولي، والأيديولوجية الشيوعية الجماعية والحتمية بنسختها المادية الأصلية من الحرية والديمقراطية سيطرت على جزء كبير من الحياة في القرن الرابع عشر الهجري؛ ولكن الأيديولوجية الرأسمالية الغربية هي التي ظلت سائدة في الحياة وهي المسؤولة عن معظم الشرّ الموجود اليوم، وعزّزت الأيديولوجية الرأسمالية الجديدة من التفكير في الغرب، وحوَّلتهم من مقلدين ومحاكين إلى مبتكرين وقادة؛ ولكنهم مبتكرين وقادة شكلتهم أيديولوجية خاطئة لا تستغل سوى الجنس البشري داخل المجتمع الغربي، وكذلك في جميع مجالات الحياة. إن الحرية والديمقراطية، حتى في أحسن أشكالهما، كانتا كارثتين للبشرية جمعاء، وقد أطلقت الرأسمالية العنان بالكامل للتجاوزات الشرسة الجشعة لأمراء الغرب المسيحيين السابقين، فعادت الآن العصور المظلمة. يجب رفض كل من العقلانية اليونانية والتجريبية الغربية كان المفكرون المسيحيون محقِّين عندما رفضوا الفلسفة المعيبة جدًا للمفكرين اليونانيين، فالتفكير المنطقي هو ببساطة أسلوب رسمي للاشتقاق من المقدمات الأساسية للأفكار المجردة، كما في الرياضيات أو المنطق أو القواعد، وقد افترض اليونانيون الجاهلون أن المقدمات المتعلقة بالحياة الحقيقية ستكون بديهية، فابتكروا أنظمة فكرية واسعة حول الحياة دون تقديم أي دليل من الواقع؛ لكن التفكير المنطقي له حدّان إضافيان، الأول أنه إذا كانت الفرضية تخمينية، فإن نتيجتها المشتقة يمكن أيضًا أن تكون تخمينية، والثاني أنه من السهل الوقوع في استنتاج خاطئ؛ لذلك يمكن للمقدمات نفسها إعطاء نتائج متضاربة، ومع ذلك، كان الإغريق واثقين جدًّا من تفكيرهم المنطقي لدرجة أنهم اعتبروه متفوقًا على التجربة المباشرة، وحتى لو كانت نتيجته تخالف الواقع، فكانوا يفترضون حينها أن إدراكهم للواقع هو الذي خدعهم، وقد لجأ الإغريق القدماء إلى التأمل الفلسفي حتى في العلوم التجريبية، وكانت لديهم القليل من الحاجة أو الصبر للمراقبة الدقيقة والتجريب. بالطبع، وجد المسيحيون في البداية أن التفكير المنطقي أداة رائعة لإثبات بعض الجوانب غير المنطقية للعقيدة المسيحية؛ ولكن التفكير المنطقي كان أكثر فائدة في أيدي الماديين، الذين احتاجوا إلى تبرير ادِّعائهم غير المنطقي بأن الكون المادي يمكن أن يوجد من عدم، وأخيرًا، رأى المفكرون المسيحيون في التجريبية طريقة للخروج من العقلانية اليونانية. ومن خلال عزل الدين عن النقاش الفكري، لم يقم المسيحيون بتفحص الهجمات المادية فحسب، بل أنقذوا أنفسهم أيضًا من الاضطرار إلى الدفاع فكريًّا عن الجوانب غير العقلانية للعقيدة المسيحية. ومثل معظم التطورات الأخرى، كانت التجريبية أيضًا مستوحاة من المناقشات السابقة في الحياة الإسلامية، وفي هذه الحالة فإن النقاش حول نظرية «الطبلة البيضاء» للعقل كصورة بيضاء لا تتطوَّر إلا من خلال الاتصال بالواقع، استغل المفكرون المسيحيون التجريبية باعتبارها بديلًا مناسبًا للعقلانية اليونانية. كان الغرب المسيحي قد بدأ بالفعل بتبنّي المنهج التجريبي فيما يُسمى «الثورة العلمية» للغرب في القرن الحادي عشر الهجري، من خلال تكرار الملاحظات والتجارب التي قام بها علماء مسلمون قبل ذلك بقرون. هذه هي الطريقة التجريبية التي ساقها التجريبيون زورًا على جميع الأفكار حول الحياة. إن الطريقة التجريبية هي طريقة تفكير صالحة، إن كان الغرض منها هو دراسة طبيعة الأشياء كما هي موجودة، وتتطلب الطريقة إخضاع الأشياء بشكل متكرر لشروط محددة سلفًا للرقابة ولدراسة استجابتها، ويمكن أن يخبرنا تطبيق الطريقة التجريبية على وجه اليقين أن الماء تحت ضغط جوي واحد يغلي عندما تصل حرارته إلى 100 درجة مئوية؛ أو أن الضوء ينتقل بسرعة ثابتة في الفراغ تبلغ (299،792،458) مترًا في الثانية، ولكن الطريقة التجريبية لا تخبرنا شيئًا عن الظواهر التي لا يمكن تكرارها في ظل ظروف مضبوطة، مثل الأحداث التاريخية، أو الاستجابات غير الميكانيكية للكائنات الحية، الشيء نفسه ينطبق على دراسة موضوعات مثل السياسة وعلم النفس، بغض النظر عن مدى شعبية مناهج «الدراسات المدفوعة» اليوم. حتى في مجال العلوم التجريبية نفسها، فإنه من الضروري تجاوز المنهج التجريبي من أجل تنظير التفسيرات العلمية، فالطريقة التجريبية وحدها لن تخلص إلى قانون «بويل» أو نظرية «أينشتاين» النسبية العامة. والفرضيات والنظريات وحتى القوانين العلمية هي تعميمات تخمينية تُستنبط من مجموعات محدودة من البيانات وتتوسع فيها، وكانت ميكانيكا نيوتن نظرية جيدة لعصرها واستفادت منها البشرية؛ ولكن عندما فشلت في شرح البيانات التجريبية المتوفرة حديثًا حلّت محلها النسبية الآينشتينية، ومن المعروف اليوم أن النسبية هي أيضًا قاصرة؛ وغير كافية لتفسير التأثيرات الكمومية؛ لكن الفيزيائيين لم يتفقوا بعد على نظرية يمكنها تجاوز النسبية الآينشتينية. تستخدم النظريات العلمية الاستقراء، الذي ينتقل من الخاص إلى العام، بدلًا من الاستنتاج، والذي ينتقل من العام إلى الخاص، والاستقراء بالضرورة تخمين؛ لأن الافتراضات تقتضي وضعها عند التعميم ضمن بيانات محدودة، ويمكن أن تعطينا الطريقة التجريبية نتائج نهائية؛ ولكن نطاق الطريقة التجريبية ضيق للغاية. تستجيب التجريبية الغربية للقلق بشأن محدوديتها من خلال مطالبة الإنسان بالرضا عن نفسه بمعرفة نهائية لإدراكه الفوري فقط؛ ولكن التجربة اليومية الروتينية تُظهر أنه يمكننا أن نكون متأكدين مما هو أكثر بكثير من مجرد ما يمكننا رؤيته بأنفسنا، ويمكنني أن أكون متأكدًا من الاستنتاجات التي أصل إليها طالما أنها محدودة ولا تتضمن أي تعميم، فإذا وجدت كوبًا ساخنًا من الشاي على المنضدة في غرفتي، فأنا أعلم دون أدنى شك أن أحدهم قام بوضعه هناك، حتى لو لم أرَ أي شخص يفعل ذلك، ويمكنني أن أكون متأكدًا لأنني أنتقل من حقيقة محددة معروفة إلى نتيجة سليمة محددة دون تعميم، فأنا لا أدافع عن نظرية عامة حول جميع أكواب الشاي الممكنة في جميع الغرف الممكنة في جميع الأعمار الممكنة، أنا أتحدث فقط عن كوب الشاي الساخن المحدد هذا الذي أجده أمامي في هذا الوقت بالذات، وفيما يتعلق بهذا، وأنا على دراية تامة بالظروف القائمة، فمن الممكن بالنسبة لي أن أصل إلى نتيجة فكرية محددة جدًّا، خالية من أي شك، وأستطيع أن أعرف شيئًا ما بيقين تام حتى لو لم أره مباشرة، ويمكن أيضًا معرفة وجود الخالق بثقة تامة، طالما أننا ننتقل من الواقع الحسي المحدد إلى الاستنتاج المحدد دون حاجة لوضع تعميمات حول الحياة، بمعنى آخر دون استخدام الاستقراء أو الاستنتاج في الفكر فيما يتعلق بالواقع، وهذا هو النهج الذي يتبعه الإنسان بشكل حسّي عندما يلاحظ شيئًا رائعًا في الخلق ويدرك أنه لا يمكن أن يصنع نفسه ولا يمكن لأي شيء آخر في هذا الحياة أن يصنعه، ويجب أن ندرك هذا النهج الحسي باعتباره طريقًا فكريًّا مشروعًا. كانت كل من العقلانية اليونانية والتجريبية الغربية مخطئة في اكتساب المعرفة لأنهما فشلتا في تعريف العقل أو التفكير عند الإنسان بشكل صحيح. إن العقل أو التفكير في الحياة يتكون بأربعة عناصر: الواقع، والإحساس، والدماغ، والمعلومات السابقة، وإذا غاب أي من هذه الأربعة فلا يمكن أن يحدث التفكير، ولا يمكن للإنسان إنشاء معلومات سابقة ابتداء، ولكن إذا ما تم إبلاغه ببعض المعلومات الأولية، فيمكنه تطويرها وتوسيعها، وهذا ما يزيد من قدرته على التفسير، وهو قادر بدوره على توصيل قدر أكبر من المعلومات للآخرين. إن عملية التفكير في الإنسان هي كما يلي: ينتقل الإحساس بالواقع من خلال الحواس إلى العقل حيث يتم تفسيره وفقًا للمعلومات السابقة ذات الصلة، وهذه هي الطريقة العقلية في التفكير، ومن الضروري التمييز بين الأسلوب والطريقة؛ فالتفكير المنطقي والطريقة التجريبية كلاهما أسلوبان صالحان في التفكير، ولكن تطبيقهما محدود، وطريقة التفكير العقلي عامة لجميع الفكر في الحياة لأنها تصف التفكير نفسه. لقد سعى الإغريق الكفار القدامى والغرب الكافر الحاضر إلى تعريف أصل المعرفة أو المعلومات السابقة من غير الاعتراف بالله سبحانه وتعالى، واعتبر الإغريق أن الدماغ نفسه هو مصدر المعلومات، وقد تصوروا أن حقيقة أي موضوع يمكن معرفتها ببساطة من خلال التأمل الذهني، ويلزم في ذلك أن تكون الأحكام متسقة داخليًا فقط، دون الحاجة إلى أدلة خارجية. لقد أعطت فلسفة العقلانية الإغريق السخيف مساحة لتداول أي شأن وكل شيء يثير اهتمامهم أو يأسر خيالهم، وقادهم ذلك إلى بناء نماذج فكرية خيالية أكثرها أوهام لافتة حول واقع الحياة، وقد ابتكروا حلولًا لمسائل حياتية سبَّبت بؤسًا لا يُوصف للناس، مثل فكرة إلغاء الأسرة التي يناضل الماديون حتى اليوم من أجل إنفاذها؛ لكن في سعيها للسيطرة على الفكر، ذهبت التجريبية الغربية إلى الطرف النقيض، ففي حين أن مصدر المعرفة كان بالنسبة لليونانيين هو الدماغ، أصبح مصدر المعرفة بالنسبة للتجريبيين حقيقة، وما يمكن إدراكه بشكل مباشر يمكن معرفته على وجه اليقين، واكتسبت العلوم التجريبية مكانة مبالغ فيها، وتم توسيعها للحكم على أمور خارج نطاقها الحقيقي، مثل ما يتعلق بخلق الإنسان، وقد تم نشر منهجية العلوم التجريبية بشكل خاطئ من خلال فلسفة ما يُسمَّى «العلوم الاجتماعية» لتطوير حلول مفصّلة حول الحياة؛ ولتحقيق ذلك، خلطت التجريبية الغربية بين الإيجابي والمعياري، والخلط بين ما يجب أن يكون، وقامت بدراسة الظروف الحالية للإنسان لاستخراج الحلول من الظروف نفسها، حتى تتوفر للإنسان الأفكار اللازمة للخروج من مآزقه الحالية، وقد فشل التجريبيون في إدراك أن الواقع بمفرده غير قادر على توليد الفكر، بل يجب تفسيره، ويتطلب العقل أن يجمع الدماغ بين الإدراك الحسي المنقول إليه من الواقع مع المعلومات السابقة المتعلقة بالمسألة المطروحة، ومصدر المعرفة ليس الذهن ولا حقيقة هذا الحياة، بل إن مصدرها هو الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى هو الذي وضع أمامنا هذا الحياة وجهزنا بالحواس والعقل، وهو الذي أعطانا المعلومات الأولية السابقة التي مكَّنت الإنسان الأول من البدء في تفسير ما يدركه عن الكون، مما مكّنه من تشكيل الأفكار التي يمكنه نقلها بعد ذلك إلى بقية البشر. لا يمكن فصل الدين عن الحياة يجب أن ينتهي فصل الدين عن الحياة، ويجب أن تتماشى الأهداف في الحياة العامة مع الأهداف في الحياة الخاصة. إن الفلسفة الصحيحة للحياة ليست فصل الروح عن المادة بل هي مزج الروح مع المادة، ويجب أن يشارك الإنسان بشكل كامل في شؤون الحياة ليس من أجل هدف مادي ولكن من أجل هدف روحي متسامٍ مع وجوب إعطاء الأهمية ليس فقط للقيمة المادية ولكن أيضًا للقيمة الأخلاقية والإنسانية والروحية في الحياة، والتأكيد على أن مصير الإنسان الحقيقي ليس في هذا الحياة بل في الحياة التالية. يجب على الإنسان أن يبني حياته وحضارته على أساسٍ فكري سليم وشامل يحلّ أعظم تساؤلاته المتعلقة بحياته وما بعدها، ويتعلق جوهر كيان الإنسان وهدفه في الحياة بمسألة وجود الخالق، وهو السؤال الذي لا يمكن إبعاده عن الحياة الخاصة للفرد، بل بناءً على إجابته، تتشكل الأسس والبنية الكاملة لمجتمع الإنسان والدولة والحضارة. إن حقيقة وجود خالق يمكن إدراكها يقينيًا بالعقل، بالنظر إلى ما تدركه الحواس من الموجودات، التي من الواضح أنها غير قادرة على الوجود وحدها في ذاتها، وكل شيء محدود ومحتاج، وكل محتاج مخلوق، وعندما يتم استخدام العقل لتفسير هذه الحقيقة، فإن التفسير الوحيد الممكن الذي يمكن أن يخلص إليه العقل هو أن كل موجود أُنشئ من قِبل خالق يتجاوز الإدراك المباشر للإنسان، وهذا الاستنتاج نهائي لأنه يستخدم واقعًا محسوسًا محددًا للوصول إلى نتيجة فكرية محددة دون وساطة أي افتراضات عامة حول الحياة، والسبب في حجب هذا الاستنتاج ليس لأن الإنسان غير قادر على الوصول إليه، بل لأنه قد تم تضليله ليفترض أن تفكيره الطبيعي والحسي ليس صحيحًا بطريقة عقلانية. توفّر العقيدة الإسلامية حلًا فكريًا شاملًا لمسألة وجود الإنسان وهدفه في الحياة، مبنيًا على الفهم الصحيح والنقي لهذا الحياة وما بعدها، ويجب أن يأخذ الإنسان هدفه في الحياة وحلوله لمشاكل الحياة من خالقه، من خلال الوحي الذي نقله آخر الأنبياء والمرسلين، محمد صلى الله عليه وسلم، في القرآن والسنة، وهذا هو ما يجب أن تقوم عليه الثقافة والحضارة، وقد حققت دولة الخلافة ذلك في الماضي، وستحققه مرة أخرى قريبًا بإذن الله، فبعد فشل الغرب اقتربت عودة الإسلام.
  3. مع القرآن الكريم (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ) (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ١١٨) [آل عمران: 118] جاء في خواطر الشيخ متولي الشعراوي عند تفسير هذه الآيات ما يلي: «حين يخاطب الله المؤمنين ويناديهم بقوله: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ) فلتعلم أن ما يجيء بعد ذلك هو تكليف من الحق سبحانه. فساعة ينادي الحق المؤمنين به، فإنه ينادي ليكلف، وهو سبحانه لا يكلِّف إلا من آمن به… وهو لا يكلف بـ(افعل) و(لا تفعل) إلا من آمن. أما حين يدعو غير المؤمن به إلى رحاب الإيمان، فإنه يناديه ليدخل في حظيرة الإيمان: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ). فيثير فيه القدرة على التفكير، فيقول له: فكّر في السماء، فكّر في الأرض، فكّر في مظاهر الكون، حتى تؤمن أن للكون إلهًا واحدًا. فإذا ما دخل الإنسان في حظيرة الإيمان، فالحق سبحانه وتعالى يكرم هذا المؤمن بالتكليف بـ(افعل) و(لا تفعل). وما دام العبد قد آمن بالإله القادر الحكيم الخالق القيوم، فليسمع من الإله ما يصلح حياته. ويجيء في بعض الأحيان ما ظاهره أن الله ينادي مؤمنًا به، ثم يأمره بالإيمان كقول الحق: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ) ويتساءل الإنسان كيف ينادي الله مؤمنًا به، ثم يأمره بالإيمان؟ وهنا نرى أن المطلوب من كل مؤمن أن يؤدي أفعال الإيمان دائمًا ويضيف لها ليستمر ركب الإيمان قويًّا، فالحق حين يطلب من المؤمن أمرًا موجودًا فيه؛ فلنعلم أن الله يريد من المؤمن الاستدامة على هذا اللون من السلوك الذي يحبه الله، وكأن الحق حين يقول: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ) إنما يحمل هذا القول الكريم أمرًا بالاستدامة على الإيمان؛ لأن البشر من الأغيار. ونحن نعرف أن الله أفسح بالاختيار مجالًا لقوم آمنوا فارتدُّوا، فليس الأمر مجرد إعلان الإيمان ثم تنتهي المسألة، لا، إن المطلوب هو استدامة الإيمان. وحين نقرأ قول الحق: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ) فلنفهم أن هناك تكليفًا جديدًا، وما دام في الأمر تكليف فعنصر الاختيار موجود، إذن فحيثية كل حكم تكليفي من الله له مقدمة هي: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ) ولا تبحث أيها المؤمن في علة الحكم، وتسأل: لماذا كلفتني يارب بهذا الأمر؟ فليس من حقك أيها المؤمن أن تسأل: (لماذا) ما دمتَ قد آمنتَ؛ فالحق سبحانه لم يكلِّف إلا من آمن به، فإذا كنت- أيها المؤمن- قد آمنت بأنه إله قادر حكيم فأمن الله على نفسك، ونفذ مطلوب الله بـ(افعل) و(لا تفعل) سواء فهمتَ العلة أم لم تفهمها. وسبق أن ضربنا المثل، وما زلنا نكرره. إن المريض الذي يشكو من سوء الهضم بعد تناول الطعام يفكر أن جهازه الهضمي مصاب بعلة، ويفكر في اختيار الطبيب المعالج ويختار طبيبًا متخصصًا في الجهاز الهضمي، ويذهب إلى هذا الطبيب. وهنا ينتهي عمل العقل بالنسبة للمريض؛ فقد اختار طبيبًا وقرر الذهاب إليه، والطبيب يُجري الفحص الدقيق، ويطلب التحاليل اللازمة إن احتاج الأمر، ويشخص الداء، ثم يكتب الدواء، وحين يكتب الطبيب الدواء للمريض، فإن المريض لا يصح أن يقول للطبيب لن آخذ هذا الدواء إلا إذا أقنعتني بحكمته، بل عليه أن ينفذ كلام الطبيب، وهكذا يطيع المريض الطبيب، وكلاهما مساوٍ للآخر في البشرية، فكيف يكون أدب الإنسان مع خالقه؟ إن كل عمل العقل عند المؤمن هو أن يؤمن بالله، وبعد أن آمنتَ – أيها المؤمن- بالله حكيمًا، فَتَلَقَّ عن الله الحكم؛ لأنه مأمون على أن يوجهكَ؛ لأنك أنت صنعته. إن الحق يأمر المؤمن بالصلاة، وعلى المؤمن أن يؤديها، ولا يبحث عن علة الصلاة كأنها رياضة مثلًا، لا، إن الأمر صادر من الحق بالصلاة، وحين تصلي، فإنك تلتفت إلى أن نفسك قد انشرحت بالصلاة وشعرت بالراحة، فتقول لنفسك: ما أحلى راحة الإيمان؛ هذه هي علة الحكم الإيماني. إن علة الحكم الإيماني يعرفها المؤمن بعد أن ينفذه؛ ولذلك نجد الحق من فضل كرمه يقول لنا: (وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ) [البقرة: 282]. فأنت ساعة أن تتقي الله في الحكم، يعطيك العلة، ويعطيك راحة الإيمان، إنك أيها العبد لا تسأل أولًا عن الاقتناع بالعلة حتى تنفذ حكمًا لله؛ لأن الحق سبحانه قد يؤجل بعض حيثيات الأحكام لخلقه قرونًا طويلة، ومثال ذلك أننا ظللنا لا نعرف علة حكم من الأحكام لمدة أربعة عشر قرنًا من الزمان مثل تحريم أكل لحم الخنزير، فهل كان على العباد المؤمنين أن يؤجلوا أكل لحم الخنزير أربعة عشر قرنًا إلى أن يمتلكوا معامل للتحليل حتى نعرف المضار التي فيه؟. إن العباد المؤمنين لم يؤجلوا تنفيذ الحكم، ولكنهم نفذوه، واكتشف أحفاد الأحفاد أن فيه ضررًا، وهذا يدفعنا إلى تنفيذ كل حكم لا نعرف له علة، إن هذا الحكم له حكمة عند الله قد لا يستطيع عقل الإنسان أن يفهمها، ولكن ستأتي أشياء توضح بعض الأحكام فيما لم يكن يعرفه الإنسان، وتعطينا تلك الإيضاحات الثقة في كل حكم لا تعرف له علة، وتصبح علة كل حكم هي: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ)… إن الحق بهذا القول ينادي كل عبد من عباده: يا من آمنت بي إلهًا خذ مني هذا التكليف. ومثال ذلك – ولله المثل الأعلى – عندما يقول الطبيب: يا من صدَّقت أني طبيب لمرضك خذ هذا الدواء وستشفى بإذن الله. وعندما يزور الإنسان مريضًا ويسأله: لماذا تأخذ هذا الدواء؟ فالمريض يجيب: لقد كتب الطبيب لي هذا الدواء. فما بالنا بتنفيذ أحكام الله؟ إنه يجب أن ننفذها لأن الله قالها… فالعقل يوصلك إلى أن تؤمن بالله؛ ولكنه لا يحشر نفسه فيما ليس له قدرة عليه. إن الحق سبحانه في هذا التكليف القادم: ( يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ) أي إنكم ما دمتم قد آمنتم، فعليكم الحفاظ على هذا الإيمان بأن تبعدوا عنه نزغ الشيطان وكيد الأعداء. إن نزغ الشيطان وكيد الأعداء إنما يأتي من البطانة التي تتداخل مع الإنسان. ولنفهم كلمة (بطانة) جيدًا، إن بطانة الرجل هم خاصته، أي الناس الذين يصاحبهم ويجلسون معه ويعرفون أسراره، وكلمة (بطانة) مأخوذة أيضًا من بطانة الثوب… فالصانع يضع للثوب الخشن بطانة ناعمة؛ لأنها التي تلتحم بالجسم حتى تحميه؛ فنحن نرتدي الصوف ليعطينا الدفء، ونضع بينه وبين الجسم بطانة لنبعد عن الجسم خشونة الصوف، ويسمون البطانة بالوليجة، أي التي تدخل في حياة الناس، وكل شر في الوجود من هذه البطانة… هكذا كان سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يعطي القدوة للناس، وحتى يعرف كل إنسان أن التحام الناس بعضهم ببعض قد يسبب لواحد استغلال الالتحام في غير صالح الإيمان؛ لذلك يقول الحق سبحانه: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ) تنبهوا إلى أنكم في معسكر من غير المؤمنين يقاتلكم ويعاند إيمانكم، وهؤلاء لا يمكن أن يتركوكم على إيمانكم، بل لابد أن يكيدوا لكم، وهذا الكيد يتجلى في أنهم يدسُّون لكم أشياء، وينفذون إليكم. ونعرف جميعًا أن الإسلام عندما جاء، كان كثير ممن آمن له ارتباطات بمن لم يسلم؛ فهناك القرابة، والصداقة، والإلف القديم والجوار، والأخوة من الرضاعة؛ لذلك يحذر الحق من هذه المسائل، فلا يقولن مؤمن: هذا قريبي، أو هذا صديقي، أو هذا حليفي، أو هذا أخي من الرضاعة، فالإسلام يحقق لكم أخوة إيمانية تفوق كل ذلك؛ ولهذا فإيَّاكم أن تتخذوا أناسًا يتداخلون معكم بالودِّ؛ لأن الشر يأتي من هذا المجال، وإيَّاكم أن تعتقدوا أن فجوة الإيمان والكفر بينكم ستذهب أو تضيق؛ لأن الكفار لن يتورَّعوا أن يدخلوا عليكم من باب الكيد لكم ولدينكم بكل لون من الألوان، وهم- الكفار- لا يقصرون في هذا أبدًا؛ لذلك يأتي الأمر من الحق: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ)احموا هذا الإيمان فلا تتداخلوا مع غير المؤمنين تداخلًا يفسد عليكم أمور دينكم؛ لأنهم لن يهدؤوا، لماذا؟؛ لأن حال هذه البطانة معكم سيكون كما يلي: (لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا) أي لا يقصِّرون أبدًا في الكيد لكم، والخبال: هو الفساد للهيئة المدبِّرة للجسم وهو العقل، ونحن نُسَمِّي اختلال العقل (خبلًا).إن الحق يقول: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ١١٨) [آل عمران: 118]. فالمنهي عنه ليس أن تتخذ بطانة من المؤمنين؛ ولكن المنهيَّ عنه هو أن تتخذ بطانة من غير المؤمنين؛ لأن المؤمن له إيمان يحرسه، أما الكافر فليس له ما يحرسه، والبطانة من غير المؤمنين لا تقصِّر في لحظة واحدة في أنها تريد للمؤمنين الخبال والفساد، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنهم يحبون العَنَتَ والمشقة للمؤمنين (وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ) والحق سبحانه وتعالى لا يريد لنا العنت، وفي هذا يقول سبحانه: (وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ) [البقرة: 220]. أي أنه سبحانه لو أراد، لكلَّفكم بأمور كثيرة تحمل المشقة؛ لكن الحق سبحانه يَسّر لكم أيها المؤمنون؛ لكن أهل الكفر لا يودُّون إلا الخبال للمؤمنين، ويحبُّون المشقة لهم. ومن أين تنشأ المشقة؟ إنك حين تكون مؤمنًا، فأنت تقوم بما فرضه عليك الدين، وهم يحاولون أن ينفخوا في المؤمن بغير ما يقتضيه هذا الدين، فتتوزع نفس المؤمن، وبهذا النفخ تنقسم ملكات المؤمن على نفسها، وعندما تنقسم الملكات على نفسها فإن القلق والاضطراب يسيطران على الإنسان، فالقلق والاضطراب ينشآن عندما لا تعيش الملكات النفسية في سلام وانسجام. ونحن نرى ذلك في المجتمعات التي وصلت إلى أرقى حياة اقتصادية وأمورهم المادية ميسرة كلها، فالشيخوخة مُؤَمَّنة، وكذلك التأمينات الصحية والاجتماعية، ودخل الإنسان مرتفع، لكنهم مع ذلك يعيشون في تعب، وترتفع بينهم نسبة الانتحار، وينتشر بينهم الشذوذ، والسبب وراء كل ذلك هو أن ملكاتهم النفسية غير منسجمة، وسلام الملكات النفسية لا يتحقق إلا عندما يؤمن الإنسان، ويطبق تعاليم ما يؤمن به. فالرجل – على سبيل المثال – حين ينظر إلى حلاله، أي زوجته، ينظر إليها براحة ويشعر باطمئنان؛ لأن ملكاته النفسية منسجمة، أما عندما تتجه عيناه إلى امرأة ليست زوجته، فإنه يراقب كل من حوله حتى يعرف هل هناك من يراه أو لا؟ وهل ضبطه أحد أو لا؟ وعندما يضبطه أحد فهو يفزع وتتخبط ملَكاته. لذلك يحذر الحق سبحانه المؤمنين: إياكم من البطانة من غير المؤمنين؛ لأنهم لايقصِّرون أبدًا ولا يتركون جهدًا من الجهود إلا وهم يحاولون فيه أن يدخلوكم في مشقة. والمشقة إنما تنشأ من أن الكافر يحاول أن يجذب المؤمن إلى الانحراف والاضطراب النفسي وتشتت الملكات مستغلًّا القرابة والصداقة، مطالبًا أن يرضيه المؤمن بما يخالف الدين، ولا يستطيع المؤمن التوفيق بين ما يطلبه الدين وما يطلبه الكافر؛ لذلك تنقسم ملكات المؤمن ويحس بالمشقة. والكافرون لا يتركون أي فرصة تأتي بالفساد للمؤمنين إلا انتهزوها واغتنموها. (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ). وما دامت البغضاء قد بدت من أفواههم فكيف نتخذهم بطانة؟ إنك حين تصنع لنفسك جماعة من غير المؤمنين، فإنها تضم بعضًا من المنافقين غير المنسجمين مع أنفسهم. والمنافق له لسان يظهر خلاف ما يبطن. وعندما يذهب المنافق إلى غير المؤمنين فإن لسان المنافق ينقل بالسخرية كلام المؤمن. هكذا تظهر البغضاء من أفواه المنافقين المذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إنهم لا ينتمون إلى الإيمان ولا ينتمون إلى الكفر، والذي يصل المؤمنين من بغضاء هؤلاء قليل؛ لأن ما تخفي صدورهم أكبر. وحين تبدو البغضاء من أفواههم، فإما أن يقولوها أمام منافقين، وإما أن يقولها بعضهم لبعض، فيتبادلوا الاستهزاء والسخرية بالمؤمن، والله أعلم بمن قيل فيه هذا الكلام؛ ولذلك فعندما يتحدث الكافرون بكلام فيما بينهم فالله يكشفهم ويفضحهم لنا نحن المؤمنين. إن الله تعالى يكشف بطلاقة علمه كل الخبايا، وكان على الكافرين والمنافقين أن يعلموا أن هناك إلهًا يرقب عملية الإيمان في المؤمن حتى ينبِّهَه إلى أدق الأشياء؛ لكنهم كأهل كفر ونفاق في غباء، لقد كان مجرد نزول قول الحق: (قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ) كان ذلك فرصة أمامهم ليدفعوا عن أنفسهم لو كانت صدورهم خالية من الحقد؛ لكنهم عرفوا أن الله قد علم ما في صدورهم. إن الغيظ الذي في قلوب هؤلاء الجاحدين الحاقدين قد نضح على ألسنتهم؛ ولكن مَن الذي نقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته ما في صدور الكافرين مما هو أكثر من ذلك؟ إنه الله – جلت قدرته- قد فضحهم بما أنزل من قوله تعَـالى: (وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ ُ)إذن لم يعد لمن آمن بالله حجة؛ لأن الله أعطاه المناعات القوية لصيانة ذلك الإيمان، وأوضح الحق للمؤمنين أن أعداءهم لن يدَّخروا وسعًا أبدًا في إفساد انتمائهم لهذا الدين، فيجب أن ينتبه المؤمنون. وإذا ما دققنا التأمل في تذييل الآية نجد أن الحق قال: (قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ) إذًا، فالآيات المنزلة من الله تعالى توضح ذلك، وقد قلنا من قبل: إن الآيات، إما أن تكون آيات قرآنية، وإما أن تكون آيات كونية، فالقرآن له آيات، والكون له آيات. ولنسمع قول الحق بالنسبة للقرآن (وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۢۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١) [النحل: 101]. وفي مجال الكون يقول الحق سبحانه: (وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ٣٧) [فصلت: 37]. وهكذا نعلم أن الآية هي الشيء العجيب اللافت الذي يجب أنه ننتبه إليه لنأخذ منه دستورًا لحياتنا. وعلى ذلك، فالآيات القرآنية تعطي المنهج، والآيات الكونية تؤيد صدق الآيات المنهجية. ويجب أن تتفطَّنوا أيها المؤمنون إلى هذه الآيات. والذي يدل على أن المؤمنين قد عقلوا وتفطَّنوا، أن الآية الأولى بيَّنت أنهم قد نهوا عن أن يتخذوا بطانة من دونهم- أي من غير المؤمنين- وها هي ذي الآية التالية تقول: (هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩).
  4. مجلة الوعي «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي» أخرج البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، يقولُ اللَّهُ تَعالَى: «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». إِنَّ ذِكرَ اللهِ تَعالَى من أجَلِّ العِباداتِ التي يَتقرَّبُ بها الـمُسلِمُ إلى ربِّه، ويَشمَلُ كلَّ ما تَعبَّدَنا اللهُ عزَّ وجلَّ به ممَّا يَتعلَّقُ بتَعظيمِه والثَّناءِ عليه، مع حُضورِ القَلبِ واللِّسانِ والجَوارِحِ، وقد أمَرَ اللهُ تَعالَى عِبادَه بذِكرِه، ورتَّب على هذا الذِّكرِ جَزاءً عَظيمًا. وفي هذا الحَديثِ القُدسيِّ يَروي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن رَبِّه سُبحانَه وَتَعالَى أنَّه يَقولُ: «أنا عِندَ ظَنِّ عَبْدي بي»، يَعني: إن ظَنَّ باللهِ خَيرًا فَلَه، وإن ظَنَّ بِه سِوَى ذلك فَلَه، وحُسنُ الظَّنِّ باللهِ عزَّ وجلَّ يَكونُ بفِعلِ ما يُوجِبُ فَضلَ اللهِ وَرَجاءَه، فيَعمَلُ الصَّالِحاتِ، ويُحسِنُ الظَّنَّ بأنَّ اللهَ تَعالَى يَقبَلُه، فاللهُ سُبحانَه عِندَ مُنتهَى أمَلِ العَبدِ به، وعلى قَدرِ ظَنِّ واعتِقادِ العَبدِ فيه، ويَكونُ عَطاءُ اللهِ وجَزاؤُه من جِنسِ ما يَظُنُّه العَبدُ في اللهِ ثَوابًا أو عِقابًا، خَيرًا أو شَرًّا، فمَن ظنَّ باللهِ أمرًا عَظيمًا وَجَدَه وأعْطاه اللهُ إيَّاهُ، واللهُ لا يَتعاظَمُه شَيءٌ. أمَّا أن يُحسِنَ الظَّنَّ وهو لا يَعمَلُ، فهذا من بابِ التَّمَنِّي على اللهِ، ومَن أتبَعَ نَفسَه هَواها، وتَمَنَّى على اللهِ الأمانيَّ فهو عاجِزٌ. ويَقولُ اللهُ سُبحانَه: «وأنا مَعَه إذا ذَكَرَني»، أي: إذا ذَكرَني العَبدُ بالتَّسبيحِ والتَّهليلِ أو غيرِها «في نَفْسِه»، مُنفَرِدًا عن النَّاسِ، «ذَكَرْتُه في نَفْسي، وإنْ ذَكَرَني في مَلَأٍ»، في جَماعةٍ من النَّاسِ، «ذَكَرْتُه في مَلَأٍ خَيرٍ مِنهُم»، وهُم الـمَلَأُ الأعلى. ثم قال عزَّ وجلَّ: «وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيهِ باعًا، وإنْ أتاني يَمْشي أتَيْتُهُ هَروَلةً»، أي: أنَّ إقبالَ اللهِ على العَبدِ إذا أقبَلَ العَبدُ عَليه سُبحانَه وتَعالى يكونُ أكثَرَ من إقبالِ العَبدِ عَليه، وفي هذه الجُمَلِ الثَّلاثِ بَيانُ فَضلِ اللَّه عزَّ وجلَّ، وأنَّه يُعطي أكثَرَ ممَّا فُعِلَ من أجلِهِ، فيُعطي العامِلَ أكثَرَ مِمَّا عَمِلَ. ففي الحَديث فَضلُ الذِّكرِ سِرًّا وعَلانيةً. وفيه أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُجازي العَبدَ بِحَسَبِ عَمَلِه. وفيه بَيانُ أنَّ الجَزاءَ من جِنسِ العَمَلِ. وفيه الحث على حسن الظن بالله، أنا عند ظن عبدي بي، فينبغي للمؤمن أن يحسن ظنه بالله ويجتهد في العمل الصالح؛ لأن من ساء عمله ساء ظنه وطريق إحسان الظن أن يحسن العمل وأن يجتهد في طاعة الله ورسوله حتى يكون حسن الظن بالله؛ لأنه وعد المحسنين بالخير العظيم والعاقبة الحميدة، ومن ساءت أفعاله ساءت ظنونه، ولهذا جاء في الصحيح من حديث جابر عند مسلم: «لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن ظنه بالله» وفيه أيضًا أن الله مع الذاكرين، فينبغي الإكثار من ذكر الله، وهذه المعية هي معية خاصة التي تقتضي التسديد والتوفيق والكلاءة والحفظ من مثل ما في قوله تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ ) [التوبة:40] وفي قوله: (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ) [البقرة: 153] وفي قوله: (قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ) [طه:46] هذه يقال لها المعية الخاصة مع أوليائه وأهل طاعته، فهكذا المعية مع الذاكرين تقتضي الكلاءة والحفظ والعناية والتوفيق والتسديد، فينبغي للمؤمن أن يكون مع الذاكرين لا مع الغافلين، ومن صفات أهل النفاق قلة ذكر الله، كما قال جلَّ وعلا: ( إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا) [النساء: 142] أما المؤمنون فقال فيهم سبحانه: (وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا) [الأحزاب: 35] وقال سبحانه: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا٤١وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا٤٢) [الأحزاب: 41- 42] وقال سبحانه: (فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ١٠) [الجمعة: 10]وقوله نعالى:(فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ١٥٢) [البقرة:152] وقال:سبحانه: (إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا ٣٥) [الأحزاب:35] فلا ينبغي للمؤمن ولا المؤمنة الغفلة، بل ينبغي أن يكون المؤمن دائمًا في ذكر بقلبه ولسانه وجوارحه حسب التيسير وبأفعاله أيضًا، فيما يتعلق بالأعمال العبادية كالطاعة… هذا فيه الدلالة على أنه سبحانه أسبق بالخير إلينا، فإذا سابقنا إلى الخير فهو به أسبق سبحانه وتعالى؛ وذلك لكمال جوده وكرمه، من سارع إلى الخيرات فالله إليه بالتوفيق والهداية والعناية أسرع؛ ولهذا قال: إن تقرب إليّ شبرًا تقرَّبت منه ذراعًا، وإن تقرَّب مني ذراعًا تقرَّبت منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة، كل هذا يشير إلى سعة جوده وسبقه بالخير وأما كيفية تقربه ذراعًا وباعًا فهي إليه. إن هذا لفضل عظيم يوجب حسن الظن بالله ويوجب العناية بالدعاء والضراعة إلى الله والجد في الدعاء، وهو يحب أن يُدعى، وهو مع الداعي، وهذا هو فضله جل وعلا. قال النووي، رحمه الله، في شرح: «أنا عند ظن عبدي بي»: «قال العلماء: معنى حسن الظن بالله تعالى أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفًا راجيًا، ويكونان سواء. وقيل: يكون الخوف أرجح، فإذا دنت أمارات الموت غلّب الرجاء أو محّضه، لأن مقصود الخوف: الانكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذَّر ذلك، أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى، والإذعان له». وقال الحافظ في الفتح: «أنا عند ظن عبدي بي»: «أجازيه بحسب ظنه بي، فإن رجا رحمتى وظن أني أعفو عنه وأغفر له فله ذلك، لأنه لا يرجوه إلا مؤمن علم أن له ربًا يجازي، وإن يئس من حرمتي وظن أني أعاقبه وأعذبه فعليه ذلك، لأنه لا ييأس إلا كافر». وجاء في فيض القدير: «قال ابن أبي جمرة: معنى «أنا عند ظن عبدي بي»: «ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسكًا بصادق وعده، وقال أيضًا: لا يعظم الذنب عند الحاكم عظمة تقنطك من حسن الظن بالله، فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه، لا صغيرة إذا قابلك عدله، ولا كبيرة إذا واجهك فضله». وروى ابن أبي الدنيا عن إبراهيم قال: «أنا عند ظن عبدي بي»: «كانوا يستحبُّون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحسن الظن بربه، وقد قال بعض أئمة العلم: إنه يحسن جمع أربعين حديثًا في الرجاء تقرأ على المريض، فيشتدُّ حسن ظنه بالله تعالى، فإنه تعالى عند ظن عبده به». ذكره في سبل السلام في كتاب الجنائز. قال ابن القيم رحمه الله: «ولا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع الإحسان، فإن المحسن حسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعده، ويقبل توبته. وأما المسيء المصرُّ على الكبائر والظلم والمخالفات فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه… فإن العبد الآبق الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به، ولا يجامع وحشة الإساءة إحسان الظن أبدًا، فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته، وأحسن الناس ظنًا بربه أطوعهم له. كما قال الحسن البصري: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل. ثم ذكر أن الله سبحانه أفرح بتوبة عبده ممن وجد ضالته. والضالة الشيء المفقود، وذلك في الصحراء، والتوبة الاعتراف والندم والإقلاع والعزم على ألا يعاود الإنسان ما اقترفه. ثم ذكر أن الله سبحانه وتعالى أكرم من عبده، فإذا تقرب الإنسان إلى الله شبرًا تقرب الله منه ذراعًا، وإن تقرب منه ذراعًا، تقرب منه باعًا، وإن أتاه يمشي أتاه يهرول عز وجل، فهو أكثر كرمًا وأسرع إجابة من عبده.
  5. تعليق صحفي: طلب الفتوى القانونية من المحاكم الدولية خيانة لثوابت الأمة وتفريط بفلسطين وشرعنة لكيان يهود! نشر بتاريخ: 01 كانون2/يناير 2023 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة فجر السبت 31-12-2022، بالأغلبية مشروع القرار الفلسطيني حول طلب فتوى قانونية من محكمة العدل الدولية حول "ماهية الاحتلال الإسرائيلي". وقال المراقب الدائم للسلطة الفلسطينية في الأمم المتحدة رياض منصور: إن "الأمم المتحدة طلبت بهذا التصويت فتوى من محكمة العدل الدولية بشأن انتهاك حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وبشأن الاحتلال والاستيطان والضم، والذي يأتي بعد يوم واحد من تشكيل الحكومة الإسرائيلية التي وضعت التوسع الاستيطاني على رأس جدول أعمالها". وأضاف: "إننا على ثقة بأنكم ستؤيدون فتوى المحكمة عند إصدارها، إن كنتم تؤمنون بالشرعية الدولية والقانون الدولي"، وقد صوتت الدول العربية لصالح القرار بالإجماع . (المصدر معا والتلفزيون العربي) ان طلب الفتوى القانونية بشأن واقع احتلال كيان يهود للأرض المباركة هو اعتراف واضح بأحقية كيان يهود في الوجود عبر الاحتكام إلى أدوات الاستعمار المسماة "محكمة العدل الدولية"، فما يسمى بالفتوى القانونية المطلوبة ستتخذ من القرارات الدولية مرجعية لها في الحكم، والقرارات الدولية التي وضعها المستعمرون الغربيون ذاتهم هي من أعطت لكيان يهود حقا في الوجود على جل الأرض المباركة!! إن الاحتكام لأدوات المستعمرين هو خيانة وتفريط بالأرض المباركة، وهو يجسد حالة انسلاخ السلطة والأنظمة الحاكمة العميلة للغرب في بلادنا عن الأمة الإسلامية وثقافتها، فالأمة الإسلامية مرجعيتها الوحيدة هي العقيدة والأحكام الشرعية التي جعلت من أرض فلسطين أرضا خراجية تملكها الأمة الاسلامية وأوجبت عليها تحريرها، فالأمة تستمد أحكامها وحلولها من الشرع ولا تحتكم في قضية الأرض المباركة ومسرى نبيها صلى الله عليه وسلم إلى قرارات الكافرين المستعمرين ولا تحتاج لفتوى من الطاغوت الذي شرّع كيان يهود وأعطاه الحق في جل الأرض المباركة! إن مطالبة السلطة والأنظمة الحاكمة في بلادنا بفتوى من محكمة العدل الدولية بشأن قضية الأرض المباركة خيانة جديدة تفضح السلطة والأنظمة العميلة للغرب الذين لا يريدون تحريرا للمسجد الأقصى وفلسطين بل تثبيتا لأركان كيان يهود بالقرارات والمحاكم الدولية التي لا تحكم إلا بأحقيته في الوجود وتعالج لمصلحته ما نتج عن احتلاله من مشاكل حفاظا على أمنه واستقراره وليس عدلا أو انصافا لأهل فلسطين كما يزعم المنبطحون. إن طلب الفتوى من محكمة العدل الدولية بشأن توصيف الاحتلال في الأرض المباركة يرسخ ضرورة العمل الفوري على تخليص الأمة من هؤلاء الحكام الخونة الذين يخدمون مصالح الغرب المستعمر في بلادنا ويؤمنون بشرعيته وقوانينه التي أعطت الأرض المباركة لكيان يهود وقسمت بلاد المسلمين واستحلت دماءهم ونهبت ثرواتهم. إن الحل الشرعي المتمثل بتحرير الأرض المباركة من بحرها إلى نهرها لن تفتي به محاكم دولية ولن يصدر بقرارات أممية، وعلى الأمة الاسلامية تفعيله بتحريك جيوشها وتسطير حطين جديدة كما سطرها البطل صلاح الدين وعلى قادة الجند وضباطهم المخلصين أن يحتكموا للشرع فيقتلعوا الحكام الخونة ويُفَعلوا ذلك الحل الشرعي ويدوسوا تحت أقدامهم طاغوت القرارات والمحاكم الدولية ويكنسوا المحتلين والمستعمرين من بلادنا كنسا. ﴿أَلَم تَرَ إِلَى الَّذينَ يَزعُمونَ أَنَّهُم ءامَنوا بِما أُنزِلَ إِلَيكَ وَما أُنزِلَ مِن قَبلِكَ يُريدونَ أَن يَتَحاكَموا إِلَى الطّٰغوتِ وَقَد أُمِروا أَن يَكفُروا بِهِ وَيُريدُ الشَّيطٰنُ أَن يُضِلَّهُم ضَلٰلًا بَعيدًا﴾ ١-١-٢٠٢٣
  6. تعليق صحفي: عربدة بن غفير في باحات الأقصى تستوجب سرعة تحرك جيوش المسلمين لإنقاذ مسرى رسول الله وتطهير الأرض المباركة من رجسه ورجس كيانه اقتحم وزير الأمن القومي اليهودي إيتمار بن غفير، صباح اليوم الثلاثاء، ساحات المسجد الأقصى من جهة باب المغاربة، وسط حراسة أمنية مشددة لقوات الاحتلال. وقال بن غفير عبر تويتر: الحرم القدسي هو المكان الأهم لشعب (إسرائيل)، ولليهود الحق في المكان والصعود إليه، ويجب التعامل بيد من حديد ضد كل من يهددنا. ما كان لابن غفير أن ينفذ تهديداته باقتحام المسجد الأقصى ويعربد هو وقطعان مستوطنيه في باحاته، لولا علمه اليقيني أن القدس وكل الأرض المباركة ليست مدرجة حتى في ذيل قائمة اهتمامات حكام المسلمين، وأن كل ما يتغنون به من شعارات ومشاغبات حول الوصاية على الأقصى، وأن قضيته خط أحمر، ليست سوى فرقعات إعلامية لذر الرماد في العيون لحجب الرؤية عن خيانتهم لله ورسوله والمسلمين وانبطاحهم المشين أمام يهود. إن الرد الواجب على عربدة يهود في مسرى رسول الله وإجرامهم اليومي بحق أهل الأرض المباركة لا تكون إلا باستنصار الأمة وجيوشها للزحف نحو الأرض المباركة لاقتلاع هذا الكيان الغاصب من جذوره، وأن التأخر في إجراء هذا الحل والتلهي بالرهان على المجتمع الدولي للجم هذا العدو الغاصب يطيل في إفساده ويضاعف من غطرسته ويشجعه على المزيد من إجرامه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾
  7. 2023-01-04 جريدة الراية: النصر يكون لأصحاب العزيمة لا الرخص! لا أريد في هذه المقالة الخوض في موضوع الرخصة والمصالح والضرورات والمصطلحات المشابهة المتعلقة بهذا الموضوع، فهذه مسائل أصولية لها أبواب خاصة في البحث. لكن لا بد من الذكر أن أولئك الذين عمموا هذه القواعد على كل شيء ولكافة المكونات من أفراد وجماعات ودول كانوا مخطئين، وهذا أيضا ليس موضوع فكرة المقالة. لا شك أن قضية المسلمين الأولى اليوم هي إعادة دولة الخلافة إلى واقع الحياة لتطبق الإسلام؛ وذلك لا يكون إلا عبر عمل جماعي، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة إذ كوّن كتلة ممن آمنوا بدعوته ثم انطلق. والفكرة التي أحببت أن أتطرق لها في هذه المقالة هي أن التغيير وإعادة الإسلام لواقع الحياة لا يكون قطعا إلا على يد الفئة التي تأخذ أحكام الإسلام بالعزيمة ولا تأخذ في سيرها بما أطلق عليه رخص وضرورات ومصالح وغيرها (مع بقاء مخالفة أصحاب هذا الرأي في تعميم هذه القواعد). عند ذكر موضوع التغيير فهذا يعني وجود واقع مخالف للإسلام ووجود حكام وأنظمة تحكم بالكفر. وغياب الإسلام من التطبيق يتطلب قلب المجتمع بشكل كلي وجذري في أفكاره ومشاعره وأنظمته، وهذا يعني وجود حالة صراع شرس بين دعاة التغيير والقائمين على المجتمع وأشياعهم الذين يملكون القوة والمال والسلطان، وهذا يتطلب رفض كل ما عليه المجتمع بشدة والعداء المطلق لكل القائمين عليه. ومن هنا تدخل قضية المساومة والالتقاء والرخص والضرورات والمصالح، وما سيرة الرسول ﷺ في التغيير وكل مواقفه ﷺ ومواقف القائمين على مجتمع مكة عنّا ببعيدة. فالرسول ﷺ كان في دعوته وصراعه مع الكفر وأهله سافرا متحديا واضحا في كل الأمور وهو القدوة والأسوة لنا، فهاجم وبنقد لاذع كل العادات والمفاهيم القائمة التي تخالف الدين الجديد وشنّع على قادة القوم وعرّى حقيقتهم ولم يجعل للرخص والمصالح أي مكانة في سيره ولم يعمل على الالتقاء معهم في منتصف الطريق (تقاطع مصالح، نأخذ البعض حتى لا يفوتنا الكل، البقاء في الساحة...) كما تبرر بعض الحركات والأحزاب اليوم، بل كان موقفه أن كل ما أنتم عليه باطل وضلال ولا سكوت عنه ولا تنازل ولا ركون، وهذا الذي يجب أن يكون اليوم. ففي فترة من فترات الدعوة أعرضت مكة والطائف عن رسول الله ﷺ وردت القبائل دعوته وزاد الإعراض عنه وأصبح وصحبه في عزلة من الناس، وهذا جعل الأمل في التغيير - من منظور بشري - شبه مستحيل، أي تجمد مجتمع مكة ومن حولها أمام الدعوة، ورغم هذا الحال والواقع إلا أن الرسول ﷺ ثبت على المبدأ ورفض كل مغريات التنازل والالتقاء بحجج مصلحة الدعوة والضرورة والرخصة. ومواقف الرسول ﷺ هي تشريع لنا وجب التقيد بها، فمن هنا كانت قضية التنازل عن الحق أو عن بعضه أو القبول بشيء مما عليه الدول أو الالتقاء مع القائمين على المجتمع للمساومة والتفاوض بحجج مصلحة الدعوة أو الضرورة والتبرير بالرخص، كانت مخالفة للحق ولنهج الإسلام ومناقضة لنهج الرسول ﷺ في التغيير والموقف من الواقع الخاطئ، وهو إقرار بالباطل وأهله وركون للظالمين الفسقة. وهذا يعني وبشكل قاطع أن أصحاب فكرة التوافق والالتقاء مع حكام الضرار اليوم بحجج مصلحة الدعوة والضرورة قطعا سيخفقون ويفشلون في مشروع التغيير وسينتكسون على أعقابهم. ولنا في مشاركات الإسلاميين في السودان وتونس ومصر والأردن وغيرها عبرة كبيرة واضحة. فسنة الله عز وجل في التغيير لا تكون إلا على أيدي أولئك الذين يثبتون على الحق كله ويكون موقفهم من كل هذه الأنظمة الخائنة المفاصلة الكلية، وذلك كموقف الرسول ﷺ من فكر وعادات ومفاهيم أهل مكة ومن قادتها وزعمائها إذ كانت مواقفه سافرة واضحة وضوح الشمس متحدية رافضة كل ما خالف الإسلام صغيرا كان أم كبيرا، ولنا في هذا الزمان العظة والنور في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. بقلم: الأستاذ عطية الجبارين – الأرض المباركة (فلسطين)
  8. بسم الله الرحمن الرحيم مع الحديث الشريف : بين الكفر والإيمان تركُ الصلاة نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَيْنَ الكُفْرِ وَالإِيمَانِ تَرْكُ الصَّلَاةِ" جامع الترمذي 2663 إن هذا الحديث يفصل ويبين الخط الفاصل بين الكفر والإيمان، أي الخط الفاصل بين النقيضين الكفر والإيمان. فما يفصل هذا الأمر هو الصلاة، وهذا الأمر كناية عن التعبد والالتزام بالأحكام الخاصة والعامة، فإن حُمِل على المعنى اللغوي فيكون القيام بالعبادات الخاصة بعلاقة المسلم بربه، فيجب عليه أن يظهر أنه يلتزم بما يقرب العبد إلى ربه، ويقوم بالأعمال التي فرضها الله تعالى عليه، من القيام بأفعال يظهر فيها الشكر والتعبد والتقرب له، وعلى رأسها الصلاة، وإن حُمِل الأمر على المعنى الإجمالي وهو ذكر الشيء وقصد به الأحكام؛ وهذا الأمر مُحتَمَل في النص؛ بحيث إن الصلاة كناية عن الأحكام التي شرعها الله تعالى للإنسان فيجب على المرء أن لا يقتصر على القول بالإيمان، بل يجب أن يتبعه العمل بمقتضيات الإيمان وهو تنفيذ الأحكام التي جاء بها الإيمان وطلبها منا الله تعالى، وعلى هذا يفهم هذا النص على الأمرين وكلاهما صواب، وعليه يجب علينا نحن المسلمين الالتزام بالأحكام الخاصة بالعبادات والمعاملات على السواء، ولا يستوي التصديق الجازم بالله تعالى وعدم التنفيذ العملي لهذا التصديق، وهو التنفيذ للأحكام التي جاء بها الله تعالى. فاللهَ نسألُ أن يجعلنا من الذين يؤمنون بالله ربا ويداومون على الإيمان بالالتزام الكامل كما جاء في الشرع على أنفسنا، وأن يحييَنا مسلمين ويميتنا مسلمين فاللهم آمين. اللهمَّ عاجلنا بخلافةٍ راشدةٍ على منهاجِ النبوةِ تلمُّ فيها شعثَ المسلمين، ترفعُ عنهم ما هم فيهِ من البلاء، اللهمَّ أنرِ الأرضَ بنورِ وجهِكَ الكريم. اللهمَّ آمين آمين. أحبتَنا الكرام، وإلى حينِ أنْ نلقاكم مع حديثٍ نبويٍّ آخرَ، نتركُكم في رعايةِ اللهِ، والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ. كتبه للإذاعة: د. ماهر صالح (رحمه الله)
  9. جريدة الراية حمل الإسلام إلى العالم فرض غائب قبل وبعد انطلاق مونديال قطر 2022، ادعى المدعون أن هذا الاجتماع الهائل للمشجعين والسواح من شتى بلاد العالم بما فيها الفرق بلاعبيها وطواقمها الفنية والإدارية، لهو فرصة عظيمة لعرض الإسلام على غير المسلمين منهم. إن الدولة القطرية صرفت 220 ملياراً من الدولارات في هذا اللهو المنظم، وأوضحت التقارير أن العائد المتوقع هو فقط 9 مليار دولار، فهكذا تهدر أموال الأمة، عندما يبعد الإسلام عن الحكم. ولم تكتف قطر بذلك بل التزمت بمعايير السياحة العالمية، والمعلوم أن الكفار غير ملتزمين بدين بل هم أهل لكل أنواع الفجور. وأين ذلك؟ في بلد إسلامي حكمه الصحابة الكرام ورفعت فيه راية الحق! وكم كان الوضع مخالفا لفطرة الإسلام عندما استاء صبي مسلم في قطر من الوضع قائلا، "اللي يجي هنا يدخل جهنم سبّاحي"، وما كان تعليقه هذا إلا تعبيرا عن إيمان الأمة العميق الذي يمنع الفجور، بل يعمل على نشر الطاعة والتقوى، فلا زنا ولا شذوذ أكرمكم الله ولا تعري ولا خمور ولا اختلاط، ولا غيرها من المنكرات. هذه الكيفية التي ادعى فيها المدعون بأنها تساعد على نشر الإسلام بسماع غير المسلمين للأذان والقرآن وللدعاة، هو قول هراء، بل هو سلب على فهمهم للإسلام الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، لأن الذي أمرنا به الإسلام والكيفية الصحيحة هو أن نجعلهم يعيشون في كنف الإسلام وعدله وطهره ونقائه حتى يكون العيش طيبا لا خبيثا كما يحدث في قطر، ففكرة أن يكون الفجور إلى جانب الطاعة، والمسجد بجوار الكنيسة، والباطل مجاورا للحق بل مسنودا بالقانون، هي فكرة غربية، فكرة كفر، وليست فكرة إسلامية. بل هي التي يدعو لها الغرب الكافر، وتتبجح بها أنظمة الحكم في بلاد المسلمين من تركيا شمالا ومرورا بلبنان ووصولا إلى قطر وغيرها. إن إخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام فرض غاب عن أمتنا سنين طوالا، وله كيفية شرعية لا يجوز تعديها، فقد قال الله عز وحل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ وقال ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». إن فرضية حمل الإسلام رسالة إلى العالم قام بها رسول الله ﷺ ومعه الصحابة الكرام على سبيل الوجوب. فقد منح الله عز وجل هذه الأمة فضلا عظيما بأن جعلها شاهدة على الأمم، وحتى تقوم بهذه المهمة جعلها الله أمة عدلا خيارا، حتى يتسنى لنا الشهادة على الناس، فالشاهد لا بد أن يكون عدلا، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾. وكان من خيرية هذه الأمة أن بعض الأنبياء السابقين لم يكن لهم شهود أنهم أبلغوا أقوامهم بدعوة الإسلام فتشهد أمتنا، أمة محمد ﷺ، لهم أنهم بلغوا الرسالة، لأننا جزمنا بالقرآن وبأن الأنبياء أبلغوا رسالات ربهم، وبعد هذه الشهادة تستحق هذه الأمم التي كذبت العذاب والعقاب. وهذا منتهى العدل، فلا بد من بينة لتثبيت العقوبة، يقول سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. إن الرسول عليه الصلاة والسلام هو النبي الخاتم، وبعده فإن مهمة تبليغ الرسالة مستمرة فنحن داخلون في قوله تعالى، ﴿حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ فالامر واجب أن يستمر بعد انتقال الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، ولنتفكر في قول ربعي بن عامر رضي الله عنه لرستم قائد جيوش الفرس، عندما سأل من أنتم وما الذي أتى بكم؟، فرد قائلا: "إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام". فنحن أمة مبعوثة من الله عز وجل لنشر الإسلام، فمن استجاب فهو خير له، ومن لم يستجب فهو خزي له ونحن شهود عليه معتمدون من الله عز وجل، ولكن، لقد جعل الشرع القيام بهذه المهمة أمرا منضبطا ودقيقا لا تجوز مخالفته، وذلك أننا مأمورون أن نفتح هذه البلاد وأن نحكم أهلها بعدل الإسلام حتى يروا الإسلام وشعائره وعدله وخيره فيدخل الناس في دين الله أفواجا. نعم لقد كان رسول الله يحزن لموت الكفار إذا لم يدخلوا في الإسلام، بل قال جل في علاه عن همّ المصطفى عليه السلام في سورة الكهف: ﴿فلعلك باخع نفسك على اثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث اسفا﴾. يكاد رسولنا عليه الصلاة والسلام أن يقتل نفسه من شدة الهم على الذين لم يؤمنوا، هذه النفسية والعقلية يجب أن تكون نفسيتنا وعقليتنا، فالآن يوجد في العالم 6 مليار كافر يجب أن ندعوهم إلى الإسلام بشكل لافت، ويجب أن تكون قضيتنا في الحياة هذه القضية، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾، ومن الطبيعي أن تقوم الدول المبدئية بنشر مبدئها، فهذا الرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون عندما تولى الحكم قال "رسالتي نشر الرأسمالية والديمقراطية في العالم"، وجورج بوش الابن عندما بدأ حرب احتلال أفغانستان، قال "إنهم يريدون تغيير طريقتنا في العيش"، إذن فهم لهم رسالة ولكنها في الباطل، أما عملنا إلى العالم فهو فرض ولكنه غائب! وسبب الغياب هو أن كل الأنظمة الحالية في بلاد المسلمين ليست قضيتها نشر الإسلام بل نشر الرأسمالية والعلمانية، ولننظر إلى هذا الحدث قبل سنوات عدة؛ مدير قناة الجزيرة وضاح خنفر عندما قامت المذيعات في القناة بارتداء الزي الشرعي تم فصله من إدارة القناة، وما زالت القناة تنشر العلمانية وتطبع مع كيان يهود وتبث سموم الغرب بإعلامها الزائف من قطر تعطي الطاقة المحركة لكيان يهود لضرب المسلمين، ومن قاعدة السيلية ضربت العراق وغيرها، وهذا ينسحب إلى كل بلاد المسلمين حيث توالي الأنظمة الكافر المستعمر ولا تحمل الإسلام إلى العالم. ومن ذلك ما قاله ملك السعودية الأسبق عبد الله "إن رسالة آل سعود هي تحقيق الرفاه للشعب السعودي"!! إن هذا الفرض غاب لغياب الدولة التي تطبقه وتحمله، والقاعدة الشرعية (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، فهذه الأنظمة ليست رسالتها الإسلام، وإنما الدولة التي رسالتها حمل الإسلام بعد تطبيقه ليست هي دولة أميرية ولا ملكية ولا ديمقراطية جمهورية ولا ديكتاتورية عسكرية، بل دولة هدمها الكافر المستعمر بعد تأسيس الرسول عليه الصلاة والسلام لها مع الصحابة الكرام، دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا»، وقال عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزّاً يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلّاً يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ». بقلم: الأستاذ عبد الله عبد الرحمن تنديلي – ولاية السودان
  10. ألمانيا واليمين المتطرف أعلنت السلطات الألمانية، في 7 كانون الأول/ديسمبر 2022، عن تفكيك شبكة من أنصار جماعة يمينية متطرفة كانت تهدف للاستيلاء على السلطة عبر تنفيذ هجوم مسلح على مبنى البرلمان الألماني والسيطرة عليه، مؤكدة أنها عملية يتم التخطيط لها منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2021. وأعرب الرئيس الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، عن قلقه البالغ من وصول أفكار المتطرفين إلى هذا المستوى غير المسبوق داخلياً. فيما وصفت وزيرة الداخلية الألمانية، نانسي فيزر، النشطاء الذين كانوا وراء هذا العمل بأنهم "متحدون في كراهيتهم للديمقراطية وللدولة الألمانية". وقد أُلقي القبض على 25 من أصل 52 مطلوباً من اليمينيين المتطرفين في عملية تمشيط واسعة شملت جميع أنحاء ألمانيا. وقد أعلن المدعي العام الاتحادي الألماني، بيتر فرانك، أن المشاركين في عملية التخطيط للانقلاب هم من أتباع الأفكار الأيديولوجية لمجموعة "كيو أنون" التي تؤمن بنظرية المؤامرة، وهم من المنتمين إلى تيار "مواطني الرايخ"، وهو تيار ظهر في الثمانينات ولا يعترف بشرعية الدولة الألمانية الحالية، ويرفض أنصاره دفع الضرائب أو الانصياع للشرطة، ويُقدر عددهم الإجمالي بحوالي 20 ألفاً، من بينهم مجموعة صغيرة تُقدر بحوالي ألف شخص أصبحت منظمة للغاية منذ نهاية عام 2021، حيث تمتلك هيكلاً تنظيمياً مركزياً وجناحاً عسكرياً لدى أعضائه تراخيص بامتلاك الأسلحة. وقد ضمّت هذه الشبكة نبلاء وجنود نخبة سابقين وامرأة روسية ونائبة سابقة من اليمين المتطرّف. وأضاف مدير مكتب الشرطة الجنائية الفيدرالية لشبكة "آ ار دي" الإعلامية العامة إن المجموعة "تتكون من مزيج خطير من الأشخاص الذين يتبنون معتقدات غير عقلانية، بعضهم لديه الكثير من المال، والبعض الآخر يمتلك أسلحة ولديهم خطة أرادوا تنفيذها... وهذا هو سبب الخطورة ولذلك تدخلنا". من جهته، قال الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير إنه "قلق للغاية" بشأن المؤامرة واعتبر أن الموضوع وصل إلى "مستوى جديد". وقد شارك في العمليات التي نُفذت في ساعة مبكرة صباح الأربعاء أكثر من ثلاثة آلاف عنصر بينهم وحدات النخبة لمكافحة الإرهاب، قاموا خلالها بتفتيش أكثر من 130 عقاراً، قالت بشأنها وسائل إعلام ألمانية إنها واحدة من أكبر عمليات الشرطة التي شهدتها البلاد. ولا زالت الكثير من القضايا طي البحث والكتمان إذ تتعلق هذه القضية بالأمن القومي وتتجاوز آثارها حدود ألمانيا فلا زال الحديث حول بعض النقاط سابقا لأوانه، ولكن هناك نقاط يمكن إلقاء الضوء عليها: أولا: أثبتت هذه الحادثة أن الأفكار لا تموت إلا من خلال العملية الفكرية ببيان فسادها وخطئها ولا يكون التغيير من خلال الخوف والاعتقالات كما تفعل الدول حاليا فهذه الأفكار بحاجة إلى معالجة وصراع فكريين ويتطلب أيضا وجود فكرة بديلة صحيحة يُراد إيجادها عند الآخرين خاصة وأن هذه الأفكار هي متجذرة في عقلية الألمان وتفوّق العنصر الآري والنظرة النازية التي سببت الحروب العالمية وتحمل نظرة إكبار في عقلية هؤلاء لذا كان تغيير سلوك الإنسان متعلقاً بتغيير مفاهيمه وأفكاره وإيجاد مفاهيم أخرى بديلة له. ورد في كتاب نظام الإسلام (والطريقُ الوحيدُ لتغييِر المفاهيمِ هُوَ إيجادُ الفكرِ عَنِ الحياةِ الدنيا حتَّى تُوجَدَ بواسطتِهِ المفاهيمُ الصحيحةُ عَنْهَا. والفكرُ عَنِ الحياةِ الدنيا لا يتركَّزُ تَرَكُّزاً مُنْتِجاً إِلاّ بعدَ أَنْ يُوجَدَ الفكرُ عَنِ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، وعمَّا قبلَ الحياةِ الدنيا وعمَّا بعدَها، وعَنْ عَلاقتِها بما قبلَهَا وما بعدَهَا، وذَلِكَ بإِعطاءِ الفكرةِ الكُلِّيَةِ عمَّا وراءَ هذَا الكونِ والإنسانِ والحياةِ. لأنَّها القاعدةُ الفكريةُ التي تُبْنَى عليْهَا جَميعُ الأفكارِ عَنِ الحياةِ. وإِعطاءُ الفكرةِ الكليةِ عَنْ هذِهِ الأَشْيَاءِ هُوَ حَلُّ العُقْدَةِ الكُبْرى عِندَ الإنسانِ. ومتى حُلَّتْ هذه العقدةُ حُلَّت باقِي العُقَدِ، لأنها جزئيةٌ بالنِسْبَةِ لَهَا، أَوْ فُروعٌ عَنْها. لَكِنَّ هذا الحلَّ لا يُوصِلُ إِلى النَّهضةِ الصحيحةِ إلا إذا كانَ حلاً صحيحاً يوافِقُ فِطْرَةَ الإنسانِ، ويُقْنِعُ العقلَ، فَيَمْلأُ القَلبَ طُمَأْنِينَةً.) ثانيا: ما حدث في ألمانيا أمر خطير جدا لأن هذه الأفكار مفاهيم أعماق تثور وتطفو إلى السطح بشكل كبير إذا أثيرت من خلال الأحداث أو إثارتها مع الناس بالحديث، فالقضية ليست في كم عدد أفراد هذه المنظمات وإنما القضية هي وجود هذه الأفكار في حاضنة مجتمعية قابلة لها، بل بنمو اليمين المتطرف في كل أوروبا، فالحاضنة ليست داخل ألمانيا بل داخل أوروبا قاطبة صاحبة فكرة الدولة القومية، ومن تربتها نشأت تلك الأفكار المنحطة والروابط الفاسدة، فكيف إذا كانت هذه الأفكار لم تعالج فكريا ولها عمق تاريخي في وجدان بعض الشعوب ولها من يثيرها بشكل واضح وكبير فضلا عن الأحداث السياسية وتداعياتها على أوروبا والعالم كله، فأحداث روسيا وحرب أوكرانيا زادت من أثرها على تنامي اليمين المتطرف، وأحداث ضعف كيان الدول الأوروبية وانكشاف عورتها وضعفها والوضع الاقتصادي المتردي ونسب البطالة والوضع المعيشي الصعب والخطير وكلفة المعيشة، كلها جعلت من هذه الأفكار لها أذن في الشعوب الأوروبية. والأمر الأخطر من هذا كله هو انعدام السياسيين والمفكرين وانعدام وجود فكرة مبدئية إنسانية جامعة بل الأفكار القومية ذات الصراع المرير والحروب والطائفية العرقية، وتاريخ أوروبا شاهد على كل هذا؛ فأوروبا هي والعالم كله لا تملك فكرة مبدئية صحيحة تستطيع أن تجتث الأفكار القومية والعرقية والأنانية وتعظيم الذات لشعب دون شعب ونظرة الفوقية اللهم إلا الإسلام المبدأ الرباني الصحيح الذي آخى بين بلال الحبشي وصهيب الرومي وحمزة العربي وسلمان الفارسي، لذا كانت معضلة أوروبا ومنها ألمانيا خطيرة وكبيرة وإن استطاعت ألمانيا بالاعتقالات والخوف تخفيف حدة الآثار لكن المستقبل القريب لا يبشر لها بخير طالما أن هذه الأفكار متجذرة في قلوب الألمان وطالما الوضع السياسي القاسي واضطرار ألمانيا لمحاولة وقف الرعب الروسي متناغمة مع أهداف أمريكا لكبح جماح روسيا لا بد لليمين من استحضار التاريخ القريب ولا بد من إثارة القوميات والنعرات والتي أثيرت فعلا وخرجت من جحورها، وما تنتظره ألمانيا وأوروبا من مستقبل غامض ومخيف لا قدرة لهم على آثاره لذا كانت هذه الأحداث لا تقرأ بمعزل عن محيطها وتاريخها وأثرها وتأثرها بما يثيرها وهي كثيرة. والخلاصة، إن البشرية لن تنعم بالأمان والسلام إلا من خلال مبدأ إنساني صحيح رباني المصدر ليخرج البشر من ذواتهم إلى عدالة السماء، وهذا لن يكون إلا بالإسلام ممثلا بدولته دولة الخلافة الراشدة.
  11. جريدة الراية كلمة العدد كيف تتجاوز ثورة الشام النظام التركي؟ نقلت وكالة رويترز عن الرئيس التركي أردوغان حديثه عن إمكانية لقائه بالأسد معللاً ذلك بأنه لا توجد خلافات أبدية في السياسة، وأضاف أردوغان في لقائه مع الصحفيين عقب قمة العشرين التي عقدت بمدينة بالي في إندونيسيا "يمكننا إعادة النظر في العلاقات مع سوريا بعد انتخابات 2023". تأتي هذه التصريحات في ظل الحديث المتعاظم عن عملية عسكرية برية شمال وشمال شرق سوريا، وفي ظل القصف الجوي والمدفعي الكثيف على مواقع المليشيات الكردية الانفصالية بعد عملية التفجير في شارع الاستقلال في إسطنبول، التي تتهمها تركيا بضلوعها فيه رغم أن مصادر أمنية ووسائل إعلام تركية كشفت عن خلية مؤلفة من ثلاثة أشخاص سوريين مسؤولين عنه، وهم أحلام البشير وعمار جركس وبلال الحسن، حيث قالت صحيفة حرييت التركية المقربة من النظام أن جركس وهو تابع لمخابرات النظام الأسدي هو المخطط للهجوم وأن أحلام حصلت على القنبلة منه، حيث اعترفت بأنها نفذت الهجوم بعد مراقبة المكان لثلاثة أيام برفقة بلال الحسن، والذي لاذ بالفرار برفقة عمار جركس بعد تنفيذ العملية إلى بلغاريا وقامت المخابرات التركية بمطالبة بلغاريا بتسليمه. وهذا يدفع إلى السؤال لماذا أدلى أردوغان تصريحه حول لقائه بالأسد رغم علمه بأنه وراء تفجير إسطنبول؟ ولماذا أصرّ أردوغان على إلصاق التفجير بالمليشيات الكردية، رغم النفي القاطع لقائد المليشيا مظلوم عبدي لعلاقة مليشياته بالتفجير؟ وهل هناك عملية عسكرية بالفعل شرق الفرات؟ وما هو الموقف الأمريكي والروسي من هذه العملية؟ لقد أظهر النظام التركي وجهه الحقيقي منذ طالب جاويش أوغلو وزير خارجيته من المعارضة مصالحة النظام السوري المجرم بتاريخ الحادي عشر من آب الفائت، وتوالت بعدها تصريحات المسؤولين الأتراك حول التطبيع مع طاغية الشام ورفع مستوى الاتصالات بين الجانبين من المستوى المخابراتي، إلى المستوى الدبلوماسي والسياسي، والذي فجّر المظاهرات الرافضة للمصالحة في المناطق المحررة شمال سوريا، ورغم ذلك لم يتراجع النظام التركي عن خطواته بل دفع أدواته من قادة المنظومة الفصائلية لفتح معابر مع النظام المجرم وهو ما يعني الاعتراف بشرعية النظام، وخطوة للتطبيع معه، لكن إصرار الحاضنة الثورية على رفض فتح معابر المصالحة أفشل المخطط التركي مرحلياً، وكشف عن حقيقة موقف الحاضنة من النظام رغم الحصار والتجويع الذي تمارسه المنظومة الفصائلية أداة النظام التركي، الذي ما زال مصراً على السير بخطة المصالحة وعدم الانتظار أكثر كما قال جاويش أوغلو: "هل سنبقى 50 سنة على هذا الحال؟"، ما يدل على إصراره على السير بخطوات حقيقية نحو حل أمريكا السياسي الذي هندسته في القرار الأممي رقم 2254 وجوهره الحفاظ على النظام العلماني العميل في سوريا والقضاء على الثورة ومنعها من تحقيق أهدافها. إن استعجال النظام التركي للسير في خطوات التطبيع مع بشار نابعة من أسباب عدة على رأسها أن النظام السوري شارف على السقوط، ويريد النظام التركي إنعاشه، ولاحقاً إعادة تسليمه جميع المناطق المحررة. والسبب الآخر المهم لاستخدام هذه المصالحة ورقة انتخابية يضمن بها أصوات العلويين في تركيا، وهذا هو الجواب على إصرار أردوغان على اتهام المليشيات الكردية بالتفجير، وعدم اتهام النظام السوري وإصراره على مصالحة الأسد، الذي اعتبرت أبواقه أن التصريحات التركية تأتي في سياق الدعاية الانتخابية التركية لا أكثر، وهو ما يفسر رفض النظام الأسدي إعلاميا للمساعي التركية لإدراكه أن الوقت المناسب لم يحن بعد. أما الحديث عن العملية العسكرية التركية شرق الفرات وما يرافقها من تحشيد إعلامي فإنها تحتاج لموافقة أمريكية بالمقام الأول، رغم محاولات النظام التركي الادعاء أنه ليس بحاجة لموافقة من أحد من أجل حماية الأمن القومي التركي، وهي تأتي في هذا الوقت لتحقيق مكاسب سياسية عدة لأردوغان وحزب العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة، وفي الوقت نفسه تحقيق خطوة مهمة على طريق تنفيذ الحل السياسي في سوريا، ما يعني إسدال الستار على ثورة الشام، بمعنى أن الهدف من الضغط الكبير الذي يمارسه النظام التركي عبر شروطه في إبعاد المليشيات الانفصالية 30 كيلومتراً عن الحدود السورية التركية وتسليمها للنظام السوري، وهو ما تُفهم منه الأهداف الحقيقية للعملية العسكرية التي تمكّن النظام السوري من استعادة مناطق مهمة شرق سوريا حيث النفط والغاز والقمح، وهو ما يعتبر عربون المصالحة مع نظام بشار الذي سيستعيد نشاطه باستعادة مناطق الثروات ويُخرجه من العجز الذي وصل له، وخصوصاً بعد فشل النظام التركي حتى الآن في تسليم إدلب عقب فشل هيئة تحرير الشام في السيطرة على بقية المناطق المحررة شمال حلب بعد انتفاض الحاضنة الشعبية ورفضها لدخول الهيئة، وهو ما يعتبر وعياً سياسياً للحاضنة الشعبية على ما يخطط له النظام التركي وفصائله. حيث ردّ النظام بقصف مخيم مرام غرب إدلب وارتكاب مجزرة مروعة، في رسالة واضحة أن النظام السوري لن ينتظر سنوات حتى يتم تسليمه جبل الزاوية، فكانت مساعدة النظام التركي للنظام المجرم بدفع قوات سوريا الديمقراطية أكثر فأكثر إلى داخل أحضان النظام، وكل ذلك عبر الأدوات وهي فصائل الدعم والارتباط التي أصبحت بخضوعها للنظام التركي وتنفيذ أوامره تساعد النظام السوري على التمدد واستعادة عافيته بانتظار المصالحة الكبرى لهذه الفصائل والعودة هي الأخرى لأحضان النظام. رفضت أمريكا إعطاء الضوء الأخضر للنظام التركي للقيام بعملية برية ليس حباً في قوات سوريا الديمقراطية والأكراد، ولكن لأنها ترى أن الوقت لم يحن بعد لفرض حلها السياسي ومن أجل إظهار أنها تتمسك بمن قدم لها خدمات كالمليشيات الكردية، ولسوقها فيما بعد فعلياً للدخول في طاعة النظام المجرم والانضمام إليه وتسليمه ما بين أيديها بعد انتهاء المهمة التي أوكلت لها بذريعة محاربة الإرهاب، ما يكشف عن سوء ارتباطها بالدول الخارجية وتحولها لأداة لخدمة السياسات الدولية. فالموقف الأمريكي هو الذي يتحكم بالسياق العام الذي تم تحديده لمواجهة الثورة وإضعافها وتحويلها من ثورة شعبية إلى حراك عسكري يتم احتواؤه بالمال السياسي القذر وتحويل التنظيمات المسلحة إلى حارس لمصالح الدول في أحسن الأحوال. إن ثورة الشام انطلقت شعبية واستمد حملة السلاح فيها الشرعية من الحاضنة الشعبية فهي الغطاء السياسي الذي يحميها، لكن عندما ارتبطت هذه التنظيمات بالدول وقبضت المال منها تحول ولاؤها لمن يدفع رواتب عناصرها! فأصبحت تحقق مصالح داعمها، بل تحولت لعدو للحاضنة الشعبية تمارس عليها كل أشكال التضييق الممنهج والحصار وتفرض عليها الضرائب والمكوس، بل إن بعض التنظيمات تحولت من هدف إسقاط النظام إلى مساعدته ومده بالمقاتلين كما هو حال الفيلق الثامن في درعا الذي هاجم درعا البلد وأخضعها للنظام المجرم، وكل ذلك بذريعة تنظيم الدولة الذي بات شماعة لهذه التنظيمات لمحاربة الأحرار الرافضين لمصالحة النظام المصرّين على متابعة مسيرة الثورة وتحقيق هدفها الأساس في إسقاط النظام المجرم. إن تحركات الدول المتدخلة في سوريا ليس لها سوى هدف واحد وهو الحفاظ على النظام السوري المجرم الذي يخدم مصالح المنظومة الدولية، وعلى ذلك فإن المراقب للدور التركي والخط البياني لمسيرته يعلم أنه لم يخرج عن الأهداف الأمريكية والدولية في سوريا، بل كان دوره من أخطر الأدوار وحقق لهم ما لم يكونوا يحلمون بتحقيقه، وما كان للنظام التركي أن يفعل أفاعيله بالثورة لولا فئة قليلة خرجت من عبودية بشار للبحث عن سيد جديد فوجدوا ضالتهم في أردوغان، ولن يصحوا إلا وهم في سجون بشار أو تحت سكاكين شبيحته، ولذلك فإن العودة والرجوع لمسار الثورة والاعتماد على الداعم الحقيقي ونبذ ما دونه هو خير سبيل لانتصار الثورة، وهذا لا يكون إلا بإعادة تجميع القوى تحت قيادة سياسية واعية صادقة تحمل مشروعاً سياسياً من صميم عقيدة الإسلام القادرة وحدها على مواجهة التحديات التي تقف في مواجهة الثورة حتى إسقاط نظام الإجرام وإقامة حكم الإسلام؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
  12. بسم الله الرحمن الرحيم فشل الديمقراطية: هل فقد الأمريكيون إيمانهم بالانتخابات؟ مع اختتام الانتخابات النصفية لعام 2022م أثيرت أسئلة كثيرة حول البيئة السياسية ووضع الديمقراطية في البلاد، حيث أظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة نيويورك تايمز وسيينا كوليج أن 71٪ من الناخبين قالوا إن الديمقراطية في خطر ورأى معظم المشاركين في الاستطلاع أن أخطر تهديد للديمقراطية ناتج عن الفساد الحكومي. واللافت للنظر أن الذين شملهم الاستطلاع أفادوا بوجود مخاوف على المدى الطويل بشأن الأداء الأساسي للديمقراطية، كما عبرت عن ذلك صحيفة نيويورك تايمز بقولها: "هل الحكومة تعمل بالنيابة عن الشعب؟". كما أظهر استطلاع آخر أن غالبية الناخبين في كلا الحزبين اعتبروا الحزب الآخر "تهديداً رئيساً للديمقراطية". وكذلك أظهر استطلاع آخر أجرته NPR / Ipsos في كانون الثاني/يناير 2022م أن 64٪ من الأمريكيين يعتقدون أن الديمقراطية الأمريكية "في أزمة وهي معرضة للفشل"، بينما عبر 70٪ منهم أن أمريكا نفسها في حالة فشل. إن من يتابع السياسة الأمريكية على مدى العقود القليلة الماضية يلاحظ أن المشاعر التي تم التعبير عنها في هذه الاستطلاعات تعكس الحقيقة على أرض الواقع، وأن هناك تشاؤماً عميقاً لدى المواطنين العاديين حول السياسة في البلاد. لقد أصبحت البيئة السياسية في البلاد متقلبة للغاية والدليل على ذلك حوادث العنف السياسي على مدى السنوات القليلة الماضية، بما في ذلك الانتخابات النصفية الحالية والعنف السياسي "أو التمرد" الذي وقع في مقر الكونجرس في 6 كانون الثاني/يناير 2021م والهجوم على زوج نانسي بيلوسي والتهديدات ضد أعضاء الكونجرس والانقسام على أسس سياسية حول قضايا مثل الإجهاض وقضايا السلاح والجريمة والهجرة والولاء للأحزاب السياسية. إن الثقة في المؤسسات الحكومية في أدنى مستوياتها على الإطلاق، فمن فقدان الثقة في المؤسسات الحكومية وعدم نزاهة العملية الانتخابية وقمع الناخبين إلى فساد التعيينات السياسية، كل ذلك ظهر في استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب حيث أظهر الاستطلاع أن 27٪ فقط من الأمريكيين لديهم قدر من الثقة في المؤسسات الأمريكية الكبرى وأن هناك تراجعاً حاداً في الثقة بالفروع الثلاثة للحكومة الاتحادية: الرئاسة والمحكمة العليا والكونغرس، ومن المثير للاهتمام أن مثل هذه الاتجاهات قد ظهرت أيضاً في دول غربية أخرى كمثل التساؤل إن كانت الديمقراطية تعمل من أجل الناس فعلا، وهل هناك ثقة في مؤسسات الدولة وهل يعمل النظام لمصلحة الشعب أم لا. إن صعود التيار الشعبوي والقومية وانتخاب شخصيات مثل بولسونارو وترامب يبين مدى الإحباط لدى الناس من الوضع الراهن وفقدان الثقة في النظام الديمقراطي بأسره. إن الصراعات الثقافية في أمريكا والجدل الدائر حول قضايا مثل الإجهاض وحقوق الشواذ والمتحولين جنسياً وفساد التعيينات السياسية في المحكمة العليا هي أكبر دليل على انقسام الشعب وتفكك المجتمع. لقد تجاوز هذا الصراع مسألة الاستقطاب السياسي بين الأحزاب وتعداه إلى أن وصل إلى الشك في جوهر الديمقراطية ونزاهة العملية الانتخابية كما عبر عن ذلك الرئيس بايدن عندما علق على قضية المرشحين الذين يتنافسون على المناصب في أمريكا بقوله: "..أولئك الذين لن يقبلوا نتائج الانتخابات التي يخوضونها... هذا هو طريق الفوضى في أمريكا، إنه أمر غير مسبوق وغير قانوني وغير أمريكي"، والحقيقة هي أن فشل النظام الديمقراطي قد ظهر في دراسة قديمة أجرتها جامعة برينستون الأمريكية عام 2014م بعنوان "اختبار نظريات السياسة الأمريكية"، حيث خلصت الدراسة إلى أن الولايات المتحدة هي في الأساس حكم الأقلية، وبينت أن الناس لا يملكون تأثيراً على السياسة العامة سواء الخارجية أو المحلية، كما ذكرت الدراسة "أن النخب الاقتصادية ورجال الأعمال لهم تأثير كبير على سياسة الحكومة الأمريكية في حين إن الطبقة الوسطى وجماهير الناس لها أثر ضئيل جداً على سياسات الحكومة أو يكاد يكون معدوماً. إن ما جرى خلال الانتخابات النصفية الأخيرة من إنفاق ما يقرب من 17 مليار دولار على الحملات الانتخابية بينما تعاني البلاد من تضخم غير مسبوق أثار المخاوف لدى الرئيس بايدن من زيادة الإحباط وانعدام الثقة لدى الناس لدرجة لا يمكن السيطرة عليها أو الخروج من تبعاتها الأيديولوجية. إن الديمقراطية اليوم - بعيداً عما يروج لها الغرب أنها مثال الحرية والعدالة - آخذة في الانهيار داخلياً، حيث يفقد شعبها إيمانه بها وبنزاهة الانتخابات وقدرة النظام الديمقراطي على حل مشاكل الناس اليومية، وفي مقابل ذلك فإن قلوب وعقول المسلمين في جميع أنحاء العالم تتوق للنظام الإسلامي ليحكمها عمليا ويرعى شؤونهم بالإسلام. إن الإسلام اليوم ينهض ويشكل تحدياً كبيراً للنظام الليبرالي العلماني الفاشل، فالإسلام له نظام الحكم الخاص به والذي يتجلى في نظام الخلافة، لقد طُبّق الإسلام عمليا على مدار ما يزيد على 1300 عام وأثبت أنه يمتلك القدرة على توحيد الناس من شتى الأعراق والمنابت بل وصهر المعتقدات في بوتقة واحدة بشكل منسجم متماسك يحمي الشعوب والمجتمعات. إن العالم يعيش الأزمات والانقسام والبؤس والشقاء منذ سقوط الخلافة عام 1924م، فالسيادة في الإسلام هي حصراً لله سبحانه وليس للبشر حق في التشريع فالمبادئ الأساسية في المجتمع تبنى على العدالة وتطبيق شرع الله سبحانه لا على أهواء الناس المتحيزة والمحدودة والمتغيرة أو حسب رغبات الحاكمين والمتنفذين في البلاد، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 40] التاريخ الهجري :5 من جمادى الأولى 1444هـ التاريخ الميلادي : الثلاثاء, 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2022محزب التحرير أمريكا
  13. الخلافة وفكرتها لم تخرج من التاريخ بل إنها ستصنع التاريخ في مقال نشرته جريدة الشرق الأوسط تحت عنوان: "هل انتهى نموذج الحكم الديني؟" كتب الصحفي توفيق السيف من بلاد الحرمين متسائلا بصيغة استنكارية، ومن خلال مقالته خرج بالنتيجة التي وضعها سلفا وهي أن الخلافة أصبحت فكرة من الماضي الجميل وأن حقها الآن أن تكون في بطون الكتب، وعنوان مقاله ومضمونه يجعلني أضع بعض النقاط على الحروف فأقول: أولا: إن الكاتب كغيره من الكتاب يستقون معلوماتهم عن الخلافة من الواقع، وإن تفكيرهم في هذا الاتجاه لا يعدو تفكير البسطاء من الناس، ولعلي أجد لهم بعض العذر، فإن الثقافة التي تُفرض عليهم بل على الأمة كلها هي ثقافة المنتصر، فهي التي تدرّس في المدارس والجامعات وقلما سلم منها أحد، فالجميع يفكر داخل الصندوق إلا من رحم الله، ولذلك لا أراني أجد في نفسي عداوة للكثير ممن يكتب حول هذا الأمر لأن مصادر المثقفين والعوام هي المصادر نفسها؛ إما الإعلام الموجه، وإما المدارس والجامعات، ولأن الإنسان بطبعه يميل إلى الدعة والراحة فإنه سرعان ما يجعل لنفسه منظومة فكرية صنعها لنفسه ولا يرغب بأن يجري تغييرها أو اللعب بها، والكاتب هنا وضع المقدمة والبرهان وخرج بالنتيجة دون أن يرأف بعقله. ثانيا: عنون الكاتب مقالته بـ"هل انتهى الحكم الديني؟" وكأني به يريد التسوية بين الخلافة من حيث كونها نظاماً يقوم على تطبيقه بشر وبالتالي فإنه لا تقدح بقدسيته أخطاؤهم، وبين النظام الإيراني أو ما سماه الدولة الدينية التي يظن أصحابها أنهم قائمون مقام الإله أو على أقل تقدير أنهم قائمون مقام المعصوم، فدولة الخلافة دولة يقوم على حمل فكرتها وتنفيذ أحكامها بشر، فهي دولة بشرية وليست دولة دينية بالمعنى الثيوقراطي أو بالمعنى الإيراني والتي تستمد سلطتها من الخالق، فإن تطرق لها الخلل تطرق لصاحب الفكرة ومنزِّلها وهو الله تعالى، لذلك فإن هذا القياس من الكاتب لا يصح، وإثبات المقدمة والبناء عليها والخروج بالنتيجة التي خرج بها الكاتب لا تصح، فالخلافة دولة بشرية أساسها القرآن والسنة تقوى وتضعف ليس بسبب ضعف الفكرة وإنما بسبب القائمين على التطبيق، وإذن فهي ليست دولة دينية بالمعنى الكهنوتي ولا تنطق باسم الإله ولا ينوب خليفتها عن المعصوم أو المهدي الغائب. ثالثا: خيرا فعل الكاتب إذ أقر أن الخلافة استمرت ثلاثة عشر قرنا فكانت دولة المدينة المنورة التي أقام قواعدها وأرسى أركانها رسول الله عليه الصلاة والسلام واستمرت حتى سنة 1924م، فهو يوافقنا أن الأمة الإسلامية لم تعرف لثلاثة عشر قرنا إلا نظام الخلافة، وما أنظمة المسارح الآن والكيانات الكرتونية القائمة في بلاد المسلمين ما كانت إلا بعد زوال الإطار الذي كان يجمع المسلمين كافة في مشارق الأرض ومغاربها. رابعا: أنصف الكاتب حزب التحرير الذي قال فيه "لم أجد مخلصا لفكرة الخلافة ويعمل لها في العالم الإسلامي إلا حزب التحرير"، إلا أنه طعَّم كلامه بشيء من السم وكأنه يريد أن يقول بأن حزب التحرير يعمل في خيال وبأنه يعمل كمن ينفخ لبعث الحياة في فكرة ماتت وتم دفنها، ويعبر عن ذلك بقوله "إن فكرة الخلافة لم تعد احتمالا جدِّيا أو فكرة جديرة بالعناء من المسلمين". خامسا: إن الخلافة حكم شرعي وهي وحدها النظام السياسي عند المسلمين ولا فرق بين كون الصلاة والصيام والجهاد فروضا بيّنها الشارع وطلبها على كيفية معينة وبين كونه جعل نظام الحكم في الإسلام هو الخلافة وجعلها الطريقة الشرعية الوحيدة لاستئناف الحياة الإسلامية، بل إن الشارع فوق ذلك جعل الفرائض لا تنتظم على وجهها الأكمل إلا في عقد الخلافة، فالخلافة هي السياج الحامي لكل الفرائض من أن ينتقص منها شيء، وحتى الفرائض العينية التي يُظن أنه يقام بها دون الخلافة فإنه لا يقام بها على وجهها الأمثل إلا بالخلافة، فمثلا الصلاة واجب عيني لكننا لا نجد الدولة مثلا تقيم حدودها وأركانها، فمن أراد الصلاة صلّى ومن أراد تركها تركها دون حسيب أو رقيب، وقل مثل ذلك في الزكاة. أما على مستوى الفروض الكفائية التي ترفع عماد الدول وتصان الدول بها مثل الجهاد فإن الدول تمنعه بل وتعتقل وتسجن وتقتل من يطالبها بتنفيذه، فالفروض كلها لا سياج يحميها إلا سياج الخلافة، ولذلك لم يخطئ من قال بأن الخلافة هي أم الفروض ولا يقام بالفروض على وجهها إلا بها، وهي حكم شرعي تعلق برقاب المسلمين لا فرق بينها وبين الصلاة، ولنا أن نستأنس بقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ فانظر كيف جعل الشارع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ثمرة للتمكين تماما كما جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك، مع أن الناظر للوهلة الأولى في شأن الصلاة يقول بأنها (أي الصلاة) علاقة بين العبد وربه يقيمها في دار الإسلام كما يقيمها في دار الكفر، فما بال الشارع قد ربط بين التمكين في الأرض وبين إقامة الصلاة؟ فالجواب هو ما ذكرناه آنفا من أن الشارع أنزل الإسلام وجعل فيه مجموعة من الأحكام الشرعية يدور بعضها مع بعض مثل السن في الدولاب، والخلافة هي بمثابة العقد الذي ينظم هذه الأحكام على شكلها الصحيح، فإذا جاءها الخلل فإن العقد سينفرط لا محالة، وما أجمل تمثيل النبي عليه الصلاة والسلام هذه الصورة بقوله: «لَيُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ» فانظر إلى هذا التوصيف كيف أن الشارع شبّه حال الأمة إذا زال أو انتقض الإسلام بوصفه نظاما للحكم بأن ذلك سيؤثر على الصلاة مع أنها من فروض الأعيان يظن المسلم أنه يقوم بها على وجهها بدولة أو بغير دولة! سادسا: تناول الكاتب أمرا مهما، وهو كون الشباب في إيران انتفضوا على النظام الإيراني، وكون التسخط عمّ الشعب الأفغاني على منع النساء من إكمال تعليمهن الجامعي، فإن النتيجة أن النظام الديني في إيران أو أفغانستان أو غيرها غير مرغوب فيه وبالتالي فإن الناس لا تريد نظام الخلافة... وما زال الكاتب يضع الأصول والفروع ويجري القياس ويضع المقدمات والنتائج على هواه! على كل حال فإننا لا نقره أن حركة طالبان في أفغانستان أو النظام الجمهوري في إيران يمثلان الإسلام أو يحسنان تطبيقه، فالنظام في إيران والدستور في إيران هو دستور وضع لدولة قومية فارسية ولم يوضع دستورا إسلاميا، وما تسمية الثورة بالإسلامية إلا كورقة توت غطى ويغطي بها الملالي ولاءهم للغرب وخدمة أهدافه. أما النظام في أفغانستان فلم يّدّع أو يُدع له أنه دولة خلافة، فليست أفغانستان تحت حكم طالبان أو قبل طالبان بدولة للمسلمين كافة وإنما هي دولة قطرية تحاول أن تطبق بعض أحكام الإسلام. هذا هو التوصيف الصحيح للدولتين، فإذا صح هذا في العقول فلا يصح القول بأن تمرد الناس في هاتين الدولتين هو تمرد على الإسلام أو أحكامه، ونحن إذ نقول بأن الإسلام نعم يتضمن أنظمة وقوانين لا يصح تجاوزها بحال، لكننا بالمقابل نقول إن قوة الجندي وصرامة القانون ليستا هما المعول الذي تضرب به الدولة، وإنما الدولة دائما تزرع في الناس من الأفكار والمفاهيم التي بها يحافظ الناس على دولتهم، فالزكاة عبادة وليست اقتطاعا من أموال الناس، ولباس المرأة عبادة وليس انتهاكا لحرية المرأة، وهكذا... فإذا تم تعديل المفاهيم والأفكار تم تعديل السلوك تلقائيا، فلا يصح القياس مع الفارق، فالدولة الإسلامية غير إيران وغير أفغانستان، فالقيم فيها والأحكام الشرعية ستكون قيما للناس وأحكاما لها، وسيكون دافع التقوى واستحضار الجنة هما الضمانة الفعلية لتطبيق الإسلام، وإذا حصل خروج عن الأحكام الشرعية والقوانين فإن ذلك يكون حالة مرضيّة تستدعي تدخل الدولة. سابعا: إن الخلافة وفكرتها لم تخرج من التاريخ كما يقول الكاتب، بل إنها ستصنع التاريخ قريبا إن شاء الله وستعيد كتابته كما كتبته من قبل في ثلاثة عشر قرنا، بل إننا مطمئنون أنها ستكون خلافة على منهاج النبوة كما بشرنا بذلك رسول الله ﷺ، فكما أننا لم نغير ولم نبدل في صلاتنا أو حجنا فكذلك نحن في العمل لإقامة الخلافة، فليس شأن الخلافة عندنا بأقل من الصلاة والصيام، وإن حزب التحرير الذي ذكره الكاتب بأنه لم يغير أو يبدل وبقي مخلصا لفكرة الخلافة فإن ذلك لعهد أخذه الله عليه وأمانة قَبِل حملها، نعم فإنه لن يغير أو يبدل وهو مطمئن أن الله سينصر دينه ويعلي راية الإسلام خفاقة في جنبات الأرض وستكتسي الأرض بعد الخلافة حلة جديدة ليس فيها ظلم وقتل ودماء، بل سيعم عدلها الدنيا بأكملها. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير أبو المعتز بالله الأشقر
  14. بيان صحفي النّظام التعليمي الرأسمالي لن يحقّق أي تقدّم (مترجم) منحت المؤسّسة الدّولية للتنمية (IDA) مؤخراً مبلغ 50 مليون دولار (حوالي 116.7 مليار شلن) إلى زنجبار، بهدف تعزيز القدرات التعليمية والمساعدة في سدّ الفجوة بين الجنسين في معدلات الانتقال إلى المدارس الأساسية. من خلال المشروع أعلاه، تمّ الادّعاء بأن أكثر من 400 ألف تلميذ في المدارس الابتدائية في زنجبار سيتمكّنون من الوصول إلى بيئة تعليمية مريحة عبر مشروع تحسين جودة التعليم الأساسي في زنجبار الذي يديره البنك الدولي. قامت زنجبار بالعديد من المبادرات بهدف تحسين التعليم كما في عام 2006، حيث صادقت على سياسة تعليمية وتدريبية جديدة تسمى "مشروع تحسين التعليم الأساسي في زنجبار". وفي عام 2015 أيضاً، ألغت الرسوم المدرسية في المدارس التمهيدية وكذلك الابتدائية والثانوية في عام 2018، ما أدّى إلى زيادة كبيرة في الالتحاق بالمدارس العامة، والتي تخدم الآن أكثر من 467000 تلميذ. ومع ذلك، فإن ما تعانيه زنجبار وجميع الدّول النامية من حيث التعليم هو الافتقار إلى الاستقلالية والدّافع العقدي وراء أنظمتها التعليمية. وبالتالي، فإن زيادة التحاق الطلاب وتحسين التدريس وتوفير ما يسمى بالتعليم الجيد لن تكون لها أي فائدة، لأن النظام نفسه هو نظام استعماري رأسمالي علماني بطبيعته يهدف فقط إلى إنشاء طبقة من الوكلاء الغربيين ومجموعة من الأشخاص الذين لديهم هدف واحد فقط، من الاندفاع إلى "الوظائف الكتابية" من أجل المصلحة الشخصية وليس تقدم الدول. إن نظام التعليم الحالي المستخدم في الدول النامية بما في ذلك زنجبار ليس لديه أي شيء جاد من حيث الابتكار والإبداع لمساعدة الناس وتحسين التقدم، وبدلاً من ذلك يتمّ دمجها مع الثقافات الغربية (الحضارة) التي ترهق الطلاب لحفظ المحتويات غير المفيدة من أجل تعزيز الاستعمار الجديد والثقافة الغربية الشريرة. على عكس نظام التعليم الرأسمالي، فإن نظام التعليم في دولة الخلافة سيكون له هدف واحد فقط وهو تكوين الشخصية الإسلامية في الفكر والسلوك. لذلك، يجب اختيار جميع المواد في المنهج على هذا الأساس. أيضاً، ستعلم الدولة كل فرد، ذكراً كان أو أنثى، تلك الأشياء الضرورية لتعميم الحياة والتي يتمّ توفيرها مجاناً في مرحلتي التعليم الابتدائي والثانوي، وبقدر ما تستطيع أن توفّر الفرصة للجميع لمواصلة التعليم العالي مجاناً. علاوةً على ذلك، ستكون للدولة مكتبات ومختبرات وجميع وسائل المعرفة خارج المدارس والجامعات، لتمكين أولئك الذين يرغبون في مواصلة أبحاثهم واختراعاتهم واكتشافاتهم في مختلف مجالات المعرفة لخلق وفرة من المجتهدين المتميزين في الأمة، والعلماء والمخترعين. لقد حان الوقت للعمل من أجل إقامة الخلافة في البلاد الإسلامية، لأنها الدولة الوحيدة التي لديها القدرة على تغيير النظام التعليمي الفاسد الاستعماري الرأسمالي إلى نظام إسلامي. مسعود مسلّم الممثل الإعلامي لحزب التحرير في تنزانيا
  15. بيان صحفي حكومة حسينة تفتري على حزب التحرير بربطه بالتشدد إرضاء للكفار المستعمرين لقد فقدت حكومة حسينة عقلها، حيث تحاول يائسة تشويه دعوة حزب التحرير بالافتراءات المفبركة والمؤامرات الشريرة والتشهير، وهي تثير جنوناً إعلامياً باعتقال الأبرياء واتهامهم كذبا بالتشدد، ففي ليلة الجمعة الماضية، اعتقلت القوة شبه العسكرية البلطجية التابعة للحكومة RAB-2 الشيخ حافظ مأمونور رشيد مأمون ووصفته بأنه السكرتير الإعلامي لحزب التحرير/ ولاية بنغلادش. وتعرف هذه القوة وجميع القوات الحكومية سيئة السمعة جيداً أن الشيخ مأمون ليس من حزب التحرير، وأنه ترك الحزب منذ سنوات لأسبابه الخاصة. ومع ذلك، فقد اعتقلوه أثناء مداهمة منطقة نارايانجانج واختراع قصص كاذبة عن أنشطة تخريبية. هذه العملية الشائنة لحكومة حسينة لم تفكر فيها بشكل جيد، لأن حزب التحرير يعمل لنهضة الأمة، والناس يعرفون أنه لا يتبنى القتال أو العنف. وحتى قوات شرطة حسينة تدرك ذلك جيداً، وتعلم أن الحزب يحمل الدعوة بالعمل الفكري والسياسي لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. ومن الواضح تماما أن حكومة حسينة اختارت هذه المؤامرة الدنيئة لنيل رضا أسيادها في الغرب الكافر المستعمر، وذلك قبل الانتخابات الوطنية المقبلة، فحسينة وحكومتها يريدون البقاء في السلطة من خلال إثبات قدرتهم على سحق "التشدد الإسلامي". وبما أن حزب التحرير هو الحزب الوحيد الذي دأب على فضح المؤامرات الجيوسياسية للقوى الغربية وتدخلاتها في بنغلادش، وتواطؤ السياسيين العلمانيين في هذه الجرائم، فإن حكومة حسينة تحاول ربط هذا الحزب المخلص والشجاع بالتشدد. ومن خلال تشويه صورة الأحزاب الإسلامية المخلصة وتأجيج فتنة الإسلاموفوبيا، تريد حكومة حسينة إبعاد الناس عن الحزب وعن الإسلام لتثبت لأسيادها الغربيين أنها أفضل العملاء الذين يمكن أن يستخدموهم في الخطوط الأمامية في حربهم ضد الإسلام. أيها الضباط في الأجهزة القمعية في حكومة حسينة: إنكم مهما حاولتم تشويه سمعة وصورة حزب التحرير وتلفيق دعاوى جنائية ضد الأبرياء وضد شبابه وسجنهم، فلن نخاف منكم ولا من حكومتكم. وإن مثل هذه الاعتقالات والتعذيب والافتراءات لن تؤدي إلا إلى تقوية عزيمتنا، وتجعلنا أكثر صبرا وثباتا في حمل هذه الدعوة المباركة. وإن كل مؤامراتكم لمنع عودة الخلافة ستفشل بإذن الله تعالى وسينصرنا الله على القوم الظالمين، فتوقفوا عن ضلالكم أيها الضباط، وبما أنكم إخواننا في الإسلام، فإننا نحذركم من دعمكم لنظام الطاغية، ومن عدم خشية الله فيما تفعلونه. واعلموا أنكم بطاعتكم حسينة، فأنتم لا تؤذون فقط حملة دعوة الإسلام المخلصين، بل ترتكبون كبيرة العمل لإبعاد الناس عن الحق بهذه المؤامرات القبيحة؛ لذلك يجب أن تفيقوا من غفلتكم وتنأوا بأنفسكم عن نظام حسينة الفرعوني، وتنقذوا أنفسكم من غضب الله تعالى. يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾. المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية بنغلادش
×
×
  • اضف...