الناقد الإعلامي 2 قام بنشر February 22 ارسل تقرير Share قام بنشر February 22 بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة رمضانية - رمضان وبناء الأمة من جديد رمضان هذا العام يجب أن ﻻ يكون مجرد أيام صيام عابرة، ولا ليالي روحانية منفصلة عن واقعنا. هذا البرنامج الرمضاني الذي نقدمه لكم على حلقات هو محاولة صادقة لربط الإيمان بالحياة، والعبادة بالمسؤولية، والقرآن بالواقع الذي نعيشه في مصر وفي سائر بلاد المسلمين. هو رحلة تمتد لأكثر من ثلاثين حلقة، ننتقل فيها من الفكرة إلى الفهم، حتى تتحول الأفكار إلى مفاهيم مؤثرة في السلوك ومقاييس للأعمال وقناعات راسخة تحدد كيفية قيامنا بكل الأعمال وضابطا لكل تصرفاتنا في هذه الحياة، حينها ننتقل من الفهم إلى الوعي، ومن الوعي إلى الشعور بالمسؤولية تجاه أنفسنا وأمتنا. في هذه الحلقات لن نتحدث عن الصيام كعبادة سنوية فقط، بل كمدرسة تربي الإرادة. لن نتحدث عن القيام كركعات تؤدى ثم تُنسى، بل كمعنى يزرع الثبات في النفوس. سنسأل سؤالاً بسيطاً لكنه عميق: ماذا يريد الله منا في هذا الشهر؟ وهل يقتصر دورنا على تحسين أخلاقنا الفردية فقط، أم أنه سبحانه يريد منا أكثر من ذلك؟ الحلقات ستناقش قضايا نعيشها يومياً: الظلم، الغلاء، ضياع الحقوق، فقدان الأمل عند كثير من الشباب، تراجع القيم، الخوف من التغيير. لكننا لن نتوقف عند وصف الألم، بل سنحاول فهم جذوره، وكيف عالج الإسلام هذه القضايا عندما كان منهجاً مطبقاً في الحياة. سنعود إلى سيرة النبي ﷺ في إقامة الدولة وبناء المجتمع، إلى تجربة الصحابة في مواجهة الأزمات، إلى نماذج العدل التي عرفها تاريخنا، لا لنحلم بالماضي، بل لنعرف أن التغيير ممكن حين يكون مبنياً على وعي ومنهج. سنناقش فكرة المسؤولية: هل نحن مجرد متفرجين على ما يحدث حولنا؟ أم أن لكل واحد منا دوراً؟ ماذا يعني أن تكون مسلماً في زمن الاضطراب؟ كيف نوازن بين إصلاح أنفسنا وإصلاح واقعنا؟ كيف يتحول رمضان من موسم عبادة فردية إلى نقطة انطلاق لوعي جماعي؟ البرنامج موجّه لأهل مصر خاصة، لأن مصر بتاريخها ومكانتها ليست بلداً عادياً؛ ما يحدث فيها يؤثر في محيطها، وأي نهضة فيها تفتح أبواب الأمل لغيرها. لكنه موجّه أيضاً إلى الأمة عامة، لأن همومنا واحدة، وأزماتنا متشابهة، ورغبتنا في التغيير مشتركة، وطموحنا في العدل والكرامة مشترك. الأسلوب سيكون بسيطاً، بعيداً عن التعقيد، قريباً من القارئ والمشاهد. كل يوم ستكون هناك رسالة واضحة، مثال عملي، وربط مباشر بين النصوص الشرعية والواقع الذي نعيشه. لن تكون الحلقات خطاباً عاطفياً فقط، بل محاولة لفهم سنن التغيير: كيف تتغير الأمم؟ لماذا تسقط أنظمة قوية رغم سلاحها ومالها؟ ولماذا تنهض شعوب كانت تبدو ضعيفة؟ في نهاية الحلقات، نريد أن يخرج القارئ والمشاهد بشيء مختلف: فهم أعمق لدينه، ووعي أوسع بواقعه، وشعور حقيقي بأنه جزء من أمة لها رسالة، وأن رمضان ليس محطة مؤقتة، بل بداية طريق. هذا التقديم هو دعوة مفتوحة لك أن ترافقنا في هذه الرحلة؛ أيام وأفكار ومفاهيم، وقفات مع النفس والواقع. لنجعل رمضان هذا العام نقطة تحول، لا في عبادتنا فقط، بل في وعينا ومسؤوليتنا، ولنجعل من هذا الشهر بداية حقيقية لطريق طويل نحو نهضة تستحقها أمتنا، نحو استعادة مجدها من جديد في ظل الإسلام ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
الناقد الإعلامي 2 قام بنشر February 22 الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر February 22 بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد الحلقة الأولى رمضان ليس شهر الصبر على الظلم رمضان لم يُفرض ليكون موسماً للتكيّف مع القهر، ولا ليُدرَّب الناس فيه على احتمال الباطل، بل شُرع ليصنع إنساناً مختلفاً؛ إنساناً يملك وعياً، وإرادة، وشعوراً بالمسؤولية أمام الله عن نفسه وأمته. غير أن الواقع في مصر، وفي غيرها من بلاد المسلمين، يشهد قلباً للمعاني؛ إذ يُستدعى رمضان كل عام ليُقال للناس: اصبروا على الغلاء، اصبروا على الفقر، اصبروا على الظلم، وكأن الصبر غاية بحد ذاته، لا خُلُقاً في طريق التغيير! فالصيام الذي يُفرغ من معناه السياسي والمجتمعي، ويُختزل في الجوع والعطش، هو صيام منزوع الأثر، لا يبني أمة ولا يقيم حقاً. الصبر في الإسلام ليس صبر العاجز، بل صبر العامل. وليس صبر الرضا بالباطل، بل صبر مقاومته. وقد كان رمضان في تاريخ المسلمين شهر قرارات كبرى، لا شهر تهدئة مؤقتة. فيه نزل القرآن، وفيه وقعت الفتوحات، وفيه تغيّر مسار الأمم. إن ما يعيشه أهل مصر اليوم ليس قدراً محتوماً، ولا بلاءً بلا سبب، بل نتيجة منظومة حكم لا ترعى شؤونهم، ولا تحتكم إلى شرع الله، ولا ترى فيهم إلا مورداً للجباية أو عبئاً يجب التخلص منه. رمضان يوقظ في المسلم سؤالاً خطيراً: هل أؤدي العبادات لأهرب من الواقع، أم لأغيّره؟ إن أعظم ما يقدمه رمضان للأمة هو إعادة وصل الإيمان بالعمل، والعبادة بالمسؤولية، والصيام برفض الظلم، لا التعايش معه. والمسؤولية لا تقع على الحكّام وحدهم، بل على الأمة كلها، كلٌّ بقدر استطاعته، وأعظمها تقع على أهل القوة والمنعة الذين بيدهم تغيير الواقع. رمضان يذكّرنا: أن الإسلام لم يجئ ليُسَكِّن الألم، بل ليُزيل سببه. رمضان يذكرنا أننا بحاجة لدولة الإسلام؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
الناقد الإعلامي 2 قام بنشر February 23 الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر February 23 بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد الحلقة الثانية لماذا فشل الإصلاح في مصر؟ منذ عقود، يُطرح على أهل مصر خطاب الإصلاح: إصلاح اقتصادي، إصلاح سياسي، إصلاح إداري. تتغير الوجوه، وتُستبدل الشعارات، لكن النتيجة واحدة: مزيد من الأزمات، ومزيد من الإفقار، ومزيد من القهر. والسبب الجوهري لهذا الفشل أن ما يُسمى إصلاحاً لا يمس أصل الداء، بل يجمّل أدواته. فكيف يُصلَح واقع بُني على غير أساسه؟ وكيف تُرجى العدالة من نظام لا يجعل السيادة لشرع الله، ولا يرى الحكم أمانة، بل غنيمة؟ الإصلاح الحقيقي في الإسلام لا يبدأ من القوانين الفرعية، بل من أساس الدولة والدستور والتشريع، ولا ينطلق من ترقيع النظام، بل من تغييره. ولهذا فشلت كل محاولات الإصلاح الجزئي، لأنها تجاهلت السؤال الأكبر: من يحكم؟ وبماذا يحكم؟ ولصالح من؟ إن أهل مصر لم يُخذلوا لقلة صبرهم، بل لكثرة خداعهم بشعارات الإصلاح، بينما الواقع يُدار لمصلحة قلة، وتُحمَّل الأمة تبعات الفشل. رمضان يعيد طرح السؤال بلا مواربة: هل نريد إصلاحاً داخل المنظومة نفسها، أم تغييراً جذرياً يرد الحكم إلى مرجعيته الصحيحة؟ إن الإصلاح الحقيقي يكون بإقامة البديل الحضاري الوحيد الذي ينسجم مع عقيدة الأمة وفطرتها؛ دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
الناقد الإعلامي 2 قام بنشر February 25 الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر February 25 بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد الحلقة الثالثة الإسلام دين حكم لا وعظ فقط يُراد للإسلام في واقعنا أن يبقى حبيس المساجد، محصوراً في زاوية الوعظ الفردي، منفصلاً عن الحكم والسياسة والاقتصاد. يُراد له أن يكون علاقة روحية خاصة بين العبد وربه، لا تتجاوز حدود الصلاة والصوم والأخلاق الشخصية. لكن هذا التصور ليس من طبيعة الإسلام الذي نزل به الوحي، بل هو اقتطاع لجزء منه وترك جوهره. فالقرآن لم يقتصر على آيات تزكية القلوب، بل فيه أيضاً تشريع البيع والربا، وأحكام القضاء، وتنظيم العلاقات الدولية، وأحكام الجهاد والسلم، وقواعد الحكم والشورى والمحاسبة. بل إن عدد الآيات المتعلقة بالأحكام العملية يفوق بكثير ما يتعلق بالعبادات المحضة. وهذا يدل على أن الإسلام جاء لينظم الحياة، لا ليكون مجرد تجربة روحية. عندما هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة، أقام مجتمعاً ودولة. كتب صحيفة المدينة (الدستور) وعين شكل الدولة، ونظم العلاقات بين مكونات المجتمع، وعقد المعاهدات، وأرسل الرسل، وقاد الجيوش، وعيّن القضاة والولاة، وجبى الزكاة، وأنفق على الفقراء من بيت المال. هذا كله جزء من سنته الثابتة المعلومة في كتب السيرة الموثوقة. فإذا قيل اليوم إن الإسلام لا علاقة له بالحكم، فإن ذلك يصطدم مباشرة بالوقائع التاريخية الثابتة من سيرة النبي ﷺ والخلفاء من بعده. خذ مثالاً من واقع مصر المعاصر: الناس يصلون ويصومون، المساجد ممتلئة في رمضان، حلقات القرآن قائمة، لكن في الوقت نفسه تُدار المنظومة الاقتصادية على أساس ربوي، وتُبنى الموازنات على القروض، وتُسن القوانين بعيداً عن الشرع. ما يظهر التناقض بوضوح: تدين في الشعائر، وأزمة في النظام العام. هذا الانفصال يخلق حالة ازدواجية في الوعي؛ فالفرد يشعر أن الإسلام أخلاق شخصية فقط، بينما السياسة والاقتصاد مجالات أخرى لها قوانين مختلفة. والنتيجة أن المسلم يعيش بشخصيتين: شخصية عابدة في المسجد، وشخصية متكيّفة مع نظام لا يستمد أحكامه من عقيدته. لو نظرنا إلى مسألة الربا مثلاً، نجد أنها من أوضح المحرمات بنص القرآن: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. ومع ذلك، فإن البنية المالية في معظم بلاد المسلمين قائمة على ربا البنوك. هذا ليس خللاً فردياً، بل خلل في النظام نفسه. فالموظف في بنك ربوي قد يكون رجلاً صالحاً يصلي ويصوم، لكن الإطار الذي يعمل داخله إطار غير منضبط بالحكم الشرعي. هنا يتبين أن المشكلة ليست في أخلاق الأفراد بقدر ما هي في طبيعة النظام العام. وأن الأزمة الحقيقية ليست في تعاطي الربا مع كونه كبيرة ولا حتى في تعاطي أي من المحرمات التي تبيحها الدولة وترعاها، وإنما في الترخيص لها وحمايتها، بل وربما إجبار الناس على تعاطيها، أي تشريعها مع كونها محرمة. في السياسة كذلك، الإسلام لم يترك الحكم بلا ضوابط. فقد أوجب المحاسبة، وجعل الأمة مسؤولة عن مراقبة الحاكم. قال ﷺ: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». هذا الحديث يدل على أن محاسبة الحكام ليست عملاً مذموما ولا من خارج الدين، بل واجب أصيل يأثم تاركه. لكن حين يُختزل الإسلام في العبادات الفردية، تُصبح السياسة "مجالاً دنيوياً" لا علاقة له بالتكليف الشرعي، ويُنظر إلى المطالبة بالعدل أو تغيير السياسات الجائرة كأنه شأن حزبي لا ديني. وهنا يُفرغ الإسلام من بُعده الحضاري وتفرغ العقيدة من كونها عقيدة عملية سياسية. مفهوم الدولة في التاريخ الإسلامي لم يكن كياناً علمانياً يدير شؤون الدنيا فقط، بل كان جهازاً لتنفيذ أحكام الإسلام في الواقع. القاضي يحكم بالإسلام، والوالي يُلزم الناس بالأنظمة المنبثقة عن النصوص، والخليفة يُسأل أمام الأمة عن تطبيقه للشرع. هذه صورة مغايرة تماماً لما يُراد اليوم من حصر الإسلام في نطاق الفرد. قد يُقال إن الزمن تغير، وإن الدولة الحديثة لها تعقيداتها. وهذا صحيح من حيث الوسائل، لكن من حيث أساس الدولة والنظام الذي يطبق فيها ودستورها وقوانينها، يبقى السؤال قائماً: من أين تُستمد القوانين؟ من إرادة بشرية مطلقة؟ أم من نصوص يُعتقد أنها وحي من الله؟ هنا جوهر الخلاف الفكري. إن فصل الإسلام عن الحكم لا ينعكس فقط على القوانين، بل على الشعور العام بالكرامة والسيادة. حين تُدار شؤون البلاد وفق نظام فكري غربي، يفقد المجتمع ثقته بمرجعيته الذاتية. أما حين تكون العقيدة التي يؤمن بها الناس هي نفسها مصدر النظام العام، يوجد الانسجام الداخلي. رمضان يكشف هذا الخلل بوضوح. في هذا الشهر، تلتزم الدولة نفسها - ولو شكلياً - ببعض مظاهر الاحترام للشعائر: تخفيف ساعات العمل، بث البرامج الدينية، الحديث عن القيم. لكن بعد انقضائه، تعود الحياة إلى مسار منفصل عن تلك الروح. وكأن رمضان استثناء، لا قاعدة! الإسلام، دين شامل، ينظم علاقة الإنسان بربه في العبادات، وينظم علاقته بنفسه في الأخلاق، وينظم علاقته بغيره في المعاملات، وينظم علاقة الأفراد والمجتمع بالدولة والدولة بغيرها من الدول عبر نظام حكم محدد المعالم حكم بلاد المسلمين ما يزيد على ثلاثة عشر قرنا من الزمان. المشكلة الآن في طبيعة الإطار الذي تُدار فيه الحياة. فإذا بقي الإسلام محصوراً في المسجد، فستظل الفجوة قائمة بين الإيمان والواقع. أما إذا نُظر إليه كمنهج حياة شامل، فإن النقاش سيتحول من "هل نصلي ونصوم؟" إلى "كيف نُنظّم حياتنا كلها وفق ما نعتقده حقاً؟". وهنا يكمن التحدي الحقيقي: ليس في زيادة مظاهر التدين الفردي فحسب، بل في إعادة التفكير في العلاقة بين العقيدة والنظام العام، بين الإيمان والتشريع، بين المسجد وأجهزة الدولة وأركانها. ذلك هو السؤال الذي يطرحه رمضان كل عام، ويظل معلقاً حتى يُجاب عنه في واقع الناس، لا في كلماتهم فقط. متى يسود الإسلام من جديد؟ متى تقام دولة الإسلام الرائدة؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة؟ المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
الناقد الإعلامي 2 قام بنشر February 26 الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر February 26 بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد الحلقة الرابعة من أين تُستمد السيادة؟ أخطر سؤال في أي نظام حكم ليس هو من يحكم؟ بل: من يملك حق التشريع؟ فالحاكم - أيّاً كان اسمه أو صفته - لا يصنع الشرعية من ذاته، وإنما يستمدها من الجهة التي يُحتكم إليها في إصدار القوانين. فإذا كانت المرجعية بشرية خالصة، أصبح التشريع تعبيراً عن إرادة أغلبية، أو توازن قوى، أو مصالح طبقة نافذة. أما إذا كانت المرجعية هي الوحي، فإن وظيفة الحاكم تتحول من صانع قانون إلى مُنفِّذ حكم. في النظم السياسية المعاصرة، السيادة - نظرياً - للشعب، وتمارس عبر البرلمان أو الدستور. البرلمان يسنّ القوانين، ويعدلها، ويلغيها. ما كان محرماً بالأمس قد يصبح مباحاً اليوم إذا صوّتت الأغلبية، والعكس صحيح. المرجعية هنا متحركة، نسبية، تخضع للظروف والمصالح والضغط الإعلامي والاقتصادي. أما في الإسلام، فالأمر محسوم: السيادة للشرع، أي أن مصدر الأحكام هو النصوص القطعية من القرآن والسنة، وما يُستنبط منهما بأدوات الاجتهاد المعتبرة. والسلطان للأمة، بمعنى أن الأمة تختار من يطبق هذه الأحكام وتحاسبه عليها. هذا التفريق بين السيادة والسلطان هو تفريق جوهري؛ فالسيادة تحدد من يضع القواعد، والسلطان يحدد من يُنفذها. ولفهم خطورة المسألة، يكفي أن ننظر إلى مثال عملي: الربا هو حرام قطعا بنص القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. هذا الحكم ليس محل تصويت أو تفاوض. لا يملك حاكم ولا مجلس نيابي - وفق هذا التصور - أن يبيحه. لكن في النظام الوضعي، سعر الربا أداة من أدوات السياسة النقدية. قد يُرفع أو يُخفض وفق اعتبارات اقتصادية. بل قد يُعتبر ضرورة لاستقرار السوق. هنا يظهر التباين: في الأول، النص يقيّد الإرادة السياسية؛ في الثاني، الإرادة السياسية تعيد تعريف الحلال والحرام القانوني. مثال آخر: الملكية العامة. في الإسلام تقسيم الملكية إلى ملكية خاصة، وملكية عامة، وملكية دولة. والملكية العامة هي الموارد الدائمية وشبه الدائمية التي لا يستغني عنها الناس كالماء والكلأ والنار، وفق الحديث: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ» وهي ثروات لا يجوز احتكارها. أما في النظام الرأسمالي، فالأصل هو الخصخصة، واعتبار السوق المرجع في توزيع الموارد، ما لم يمنع القانون. وبالتالي يمكن بيع الملكية العامة أو إدارتها بمنطق الربح، إذا رأت السلطة التشريعية ذلك مناسباً. في الحالة المصرية، تظهر آثار اختلاف المرجعية بوضوح. حين تُدار السياسة الاقتصادية وفق اشتراطات مؤسسات مالية دولية، وتُبنى الموازنات على القروض بالربا، فإن ذلك ليس قراراً فنياً بحتاً، بل نتيجة تبني إطار فكري معين يرى في الربا أداة طبيعية، وفي الاقتراض وسيلة مشروعة لإدارة العجز. أما في إطار الإسلام، حيث الربا محرم قطعاً، فإن البحث سيتجه إلى أدوات تمويل أخرى، وإلى إعادة هيكلة الإنفاق والملكية العامة بطريقة مختلفة جذرياً. القضية إذن ليست أخلاقية سطحية، بل بنيوية. عندما تُنتزع السيادة من الشرع يصبح القانون قابلاً لإعادة الصياغة بحسب ميزان القوى. قد تُسن قوانين تقيد الحريات، أو توسع سلطات الأجهزة التنفيذية، أو تعيد توزيع الثروة بطريقة تخدم فئات محددة، وكل ذلك يكتسب شرعيته من كونه صدر عن السلطة المختصة. لكن في النموذج الذي يجعل السيادة للشرع، لا يملك الحاكم تغيير الأحكام القطعية. بل إن مخالفته لها تُسقط مشروعيته. لهذا كان الحديث عن وجوب محاسبة الحاكم إذا خالف الشرع، واستدلوا بأحاديث مثل: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ...»، وحديث «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». المحاسبة هنا ليست تفضّلاً من السلطة، بل حق وواجب نابع من أن أحكام الشرع أعلى من الحاكم نفسه. عندما تكون السيادة للبشر، يصبح البرلمان أو من يهيمن عليه قادراً على إعادة تشكيل حياة الناس بقانون واحد. تعديل مادة دستورية قد يغيّر شكل الحكم، وقانون اقتصادي قد يبدل مصير ملايين. أما عندما تكون السيادة للشرع، فإن المجتهد يتحرك أثناء استنباط أحكام الإسلام داخل إطار مرسوم سلفاً، لا يتجاوزه. في مصر، كثير من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية يُعزى إلى هذا الانفصال بين عقيدة المجتمع ونظامه وقوانينه. الناس يؤمنون بأن القرآن كلام الله، ويقرؤون فيه أحكاماً واضحة، ثم يعيشون في ظل نظام يستمد قواعده من فلسفات أخرى. هذا التناقض يولّد شعوراً بالاغتراب: فالقانون لا يعبر عما يعتقده الناس حقاً. السؤال عن مصدر التشريع ليس سؤالاً نظرياً معزولاً، بل هو الذي يحدد شكل الاقتصاد، وحدود السلطة، وطبيعة الحقوق، وآليات المحاسبة. حين يُقال إن "السيادة للشرع والسلطان للأمة"، فالمقصود خلال هذا الإطار أن القانون لا يُنتج في غرف السياسة وفق موازين القوة، بل يُستمد من نصوص ثابتة، وأن الأمة تنيب عنها من يلتزم بتنفيذها. وفي المقابل، حين تُجعل السيادة للشعب عبر مؤسساته التمثيلية، يصبح الشعب - نظرياً - مصدر الحلال والحرام القانوني، حتى لو تعارض ذلك مع نص ديني عند فئة من المجتمع. بين هذين التصورين يتحدد شكل الدولة، وطبيعة الصراع الفكري فيها، ومستقبلها التشريعي. ولذلك كان سؤال من يملك حق التشريع؟ أخطر من سؤال من يجلس على الكرسي؟ لأن الكرسي قد يتبدل، لكن الأساس إذا استقر، رسم مسار الأمة لعقود طويلة. وأي أساس أفضل من عقيدة الإسلام وما انبثق عنها من أحكام. وأي سيادة أفضل من سيادة الشرع حين تعانق سلطان الأمة وتطبق ما انبثق عن الوحي من أحكام في ظل الإسلام ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة؟ المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
الناقد الإعلامي 2 قام بنشر February 27 الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر February 27 بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد الحلقة الخامسة الخلافة حكم شرعي وليس حنينا تاريخيا حين يُطرح موضوع الخلافة في النقاش العام، يُقدَّم غالباً على أنه حنين إلى الماضي، أو استدعاء لصور تاريخية مضت وانتهت. ويُختزل في مشهد رمزي: رايات، وفتوحات، وأمجاد. لكن في التصور الصحيح، لم تكن الخلافة مجرد صفحة تاريخية، بل كانت الإطار التنفيذي لتطبيق الأحكام الشرعية في الواقع. الفكرة الجوهرية هنا ليست "الاسم"، بل "الوظيفة". ما هي وظيفة الدولة في الإسلام؟ إن وظيفتها هي رعاية شؤون الناس بأحكام الشرع، داخلياً وخارجياً. أي أن الدولة ليست كياناً محايداً تشريعياً، بل جهاز لتنفيذ منظومة قانونية مصدرها الوحي. عند وفاة النبي ﷺ، لم يكن أول نقاش بين الصحابة حول تفاصيل الطقوس أو توزيع الغنائم، بل كان حول من يتولى أمر الحكم. اجتماع سقيفة بني ساعدة كان نقاشاً سياسياً بامتياز. الأنصار رشحوا سعد بن عبادة، والمهاجرون قدموا أبا بكر، وانتهى الأمر ببيعته. هذا الحدث استُدل به على أن تنصيب من يتولى الحكم بعد النبي ﷺ لم تُعتبر مسألة هامشية، بل من أوجب الواجبات وضرورة لا تحتمل التأجيل. الإمام الماوردي في "الأحكام السلطانية" تحدث عن الإمامة باعتبارها "موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا". وابن خلدون وصفها بأنها "حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها". هذه التعريفات لا تتحدث عن رمز روحي، بل عن نظام حكم له صلاحيات كل الصلاحيات في إطار الوحي والاجتهاد المنضبط على أساسه. حين تعرضت بلاد الشام للحملات الصليبية، لم تكن المواجهة بين مدن متناثرة، بل في إطار كيان سياسي أوسع، حتى مع ما شابه من صراعات داخلية. وحين اجتاح المغول بغداد سنة 656هـ، كان سقوط العاصمة حدثاً مفصلياً لأنه مثل انهيار مركز الحكم العام. قد يُقال إن التاريخ الإسلامي لم يكن مثالياً، وفيه ظلم وصراعات. وهذا صحيح؛ فلم يدّع أحد أن التجربة التاريخية كانت معصومة. لكن وجود أساس ورابط واحد حتى مع اختلاف الدول المتعاقبة خلق إطاراً قانونياً مشتركاً. الفقه الإسلامي كان يُدرّس ويُطبّق في ولايات الدولة المختلفة، وكانت هناك وحدة نقدية في فترات طويلة، وشبكة تجارة تمتد من الأندلس إلى الهند دون حواجز قومية بالمعنى الحديث. قارن ذلك بالواقع المعاصر: أكثر من خمسين دولة ذات أغلبية مسلمة، لكل منها حدود وجواز سفر وعلم ونشيد، وسياسات قد تتناقض جذرياً مع جارتها. النزاعات البينية ليست نادرة، والتحالفات كثيراً ما تُبنى على اعتبارات مصلحية آنية. في هذا السياق، يَعتبر أنصار فكرة الوحدة السياسية أن التجزئة أضعفت القدرة على اتخاذ قرار سيادي مستقل، سواء في الاقتصاد أو الدفاع أو السياسة الخارجية. فلو كانت الثروات الطبيعية في بلاد المسلمين من النفط والغاز والمعادن والممرات البحرية تُدار بوصفها ملكاً عاماً للأمة، ضمن رؤية سياسية موحدة منبثقة عن عقيدتها، لكان ميزان القوة في مواجهة الدول الكبرى مختلفاً تماماً. أما في ظل التجزئة السياسية والحدود المصطنعة، فإن كل كيان يتصرف منفرداً، فيفاوض من موقع مجزأ، وتُستنزف موارده ضمن منظومة دولية لا تعكس مصالح الأمة ولا تعبّر عن سيادتها الحقيقية. وفي الجانب العسكري التصنيع الحربي يحتاج إلى سوق واسعة، واستثمارات ضخمة، وتكامل في الخبرات. التشتت يجعل كل دولة منفردة ضعيفة تحاول بناء قدراتها بشكل محدود، فتظل معتمدة على غيرها. في الرؤية الإسلامية وفي ظل دولة الخلافة التي توحد الأمة المسألة ليست فقط مسألة قوة مادية، بل مسألة سيادة الشرع. حين تُحكم دولة بقوانين مستمدة من نظام وضعي، بينما غالبية سكانها يؤمنون بعقيدة مختلفة، ينشأ توتر داخلي دائم وانفصام طبيعي. أما حين يكون النظام والقوانين منبثقة من النصوص التي يعتقدها الناس، فإن الإطار القانوني يكتسب انسجاما طبيعيا وشرعية أعمق في الوعي الجمعي. غير أن التحدي الأكبر ليس في استحضار النموذج التاريخي، بل في كيفية تصوره في عالم الدولة القُطرية الحديثة، والنظام الدولي القائم على سيادة الدول القومية. فإقامة كيان سياسي عابر للحدود يتطلب إعادة تعريف مفاهيم السيادة والهوية ونفي المواطنة. ثم إن أي نظام مهما كان عنوانه لا ينجح بمجرد الإعلان عنه. العبرة بأساس النظام وأجهزته والأصل الذي انبثق عنه، وبآليات المحاسبة، وبضمان عدم تحول السلطة إلى استبداد باسم الدين. التاريخ نفسه يقدم أمثلة على حكام رفعوا شعارات دينية ومارسوا ظلماً سياسياً. ولذلك شدد الإسلام على إحسان تطبيق أحكامه وأوجب محاسبة الحكام المقصرين في التطبيق، وأعطى الأمة الحق في عزل الحاكم إذا أخلّ بشروطه. إن الحديث عن الخلافة عند من يتبناها كنظام سياسي ليس حنيناً عاطفياً، بل طرحٌ لسؤال عميق: هل يمكن للأمة أن تعيش بهوية سياسية موحدة تنبثق من عقيدتها، أم أن التجزئة والمرجعيات المتعددة أصبحت قدراً نهائياً؟ هذا السؤال سيظل حاضراً في النقاش الفكري ما دام هناك من يرى أن الإسلام ليس مجرد منظومة عبادات، بل إطار حكم شامل. والإجابة عنه لا تكون بالسخرية من التاريخ، ولا بتقديسه دون نقد، بل بفهمه، وتحليل الواقع، وموازنة المعطيات المعاصرة بوعي ومسؤولية. ما يحيلنا في النهاية إلى ضرورة حتمية وهي عودة الخلافة الراشدة ليس لإنقاذ الأمة فحسب بل لإنقاذ البشرية بعمومها من الغرق مع الرأسمالية العفنة التي تَغرق وتُغرق العالم معها. اللهم نجنا بالإسلام ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة واجعلنا من جنودها وشهودها. المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
الناقد الإعلامي 2 قام بنشر February 28 الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر February 28 بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد الحلقة السادسة كيف فُرضت الدولة الوطنية على مصر؟ لم تنشأ الدولة الوطنية في بلاد المسلمين بصيغتها الحديثة في سياق تطور داخلي طبيعي يعكس اختياراً حراً للأمة في شكل حكمها، بل تشكّلت في لحظة تاريخية مضطربة أعقبت هدم آخر كيان سياسي جامع كان يعبر عن الأمة وهويتها وعقيدتها. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، أُعيد رسم الخرائط، وقُسمت البلاد، وثُبتت حدود لم تكن تعكس بالضرورة امتدادات اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية متجذرة، بل استجابت إلى توازنات قوى دولية واتفاقات سياسية معروفة في كتب التاريخ. في الحالة المصرية، لم تكن الدولة الحديثة امتداداً بسيطاً لنموذج تقليدي سابق، بل خضعت لعمليات إعادة تشكيل قانوني وإداري عميقة. استُبدلت المرجعيات القضائية تدريجياً، وأُدخلت القوانين المدنية والجنائية المستمدة من مدارس قانونية غربية، وأُعيد تعريف مفهوم السيادة ضمن الإطار الدولي الحديث القائم على الدولة القُطرية. لم يعد الانتماء السياسي الأوسع للعقيدة وللأمة هو المحدد، بل أصبحت الحدود المرسومة هي الإطار الأعلى للحركة السياسية. هذا التحول لم يكن شكلياً فقط، بل مسّ جوهر وظيفة الدولة. ففي الإسلام، كانت وظيفة السلطة هي رعاية شؤون الناس بأحكام الإسلام. الرعاية هنا مفهوم يتجاوز الإدارة التقنية؛ فهو يعني أن التشريع ذاته منبثق عن عقيدة ثابتة، وأن الحاكم مقيّد بنصوص لا يملك تغييرها. أما في الدولة الوطنية الحديثة، فالبرلمان أو الجهة التشريعية مصدر القوانين، يسنّ ويعدل وفق اعتبارات المصلحة كما يراها. قوانين الأحوال الشخصية في مصر على سبيل المثال، ظل هذا المجال أكثر ارتباطاً بالفقه الإسلامي مقارنة بغيره من المجالات، لكن بقية المنظومة القانونية من قانون العقوبات إلى القانون التجاري تأثرت بمدارس وضعية. هذا التعايش بين مرجعيتين خلق حالة ازدواجية قانونية: جزء يستند إلى الشريعة، وجزء يستند إلى فلسفات قانونية أخرى. ومع مرور الزمن، أصبح الإطار العام للدولة أقرب إلى النموذج القانوني الحديث منه إلى النموذج الفقهي. أما على المستوى الاقتصادي، فيتجلى التحول بوضوح أكبر. حين تُبنى السياسات المالية على الاقتراض الخارجي بالربا، وتُربط العملة المحلية بآليات سوق عالمية فوق كونها ورقة بلا قيمة ذاتية، وتُصاغ الموازنات وفق توصيات مؤسسات مالية دولية، فإن القرار الاقتصادي يصبح مرتبطاً بشبكة علاقات تتجاوز حتى الحدود الوطنية المزعومة. فتتحول الدولة - تدريجياً - من كيان يسعى لتحقيق اكتفاء واستقلال نسبي، إلى طرف في منظومة عالمية تحدد له هوامش الحركة. مثال واقعي: برامج الإصلاح الاقتصادي التي تُشترط مقابل قروض. غالباً ما تتضمن هذه البرامج إعادة هيكلة الدعم، وخصخصة بعض الأصول، وتحرير أسعار معينة. قد تكون لهذه السياسات مبرراتها في التوازنات المالية، لكن السؤال الذي يجب طرحه: هل تنبع هذه الخيارات من تصور اقتصادي مستقل يعكس هوية المجتمع ومرجعيته، أم من اشتراطات خارجية تضبط المسار؟ في البعد السياسي، أدت الدولة القُطرية إلى تضييق مفهوم الانتماء السياسي في حدود جغرافية محددة. القضايا التي تمس شعوباً مسلمة في مناطق أخرى تُعامل رسمياً كقضايا خارجية، تخضع لحسابات المصالح الوطنية الضيقة، لا لمنطق الانتماء الأوسع للعقيدة والأمة الواحدة. هذا الإطار يعزز منطق السيادة المنفصلة لكل دولة، لكنه يضعف أي تصور لوحدة قرار سياسي جامع. أما من حيث إدارة الأزمات، فقد تحولت الدولة الحديثة إلى جهاز يتعامل مع تداعيات أزمات متلاحقة: عجز في الموازنة، تضخم، بطالة، ديون، أزمات طاقة... بدلاً من أن تكون الرؤية طويلة المدى مؤسسة على فلسفة اقتصادية حقيقية، ويصبح الجهد منصباً على احتواء آثار مشكلات متراكمة. هنا ينتقل التركيز من "رعاية شاملة" إلى "إدارة أزمة". رمضان، بوصفه شهر نزول القرآن، يعيد طرح سؤال. القرآن ليس كتاب عبادات فحسب، بل تضمن آيات في الحكم والاقتصاد والعلاقات الدولية. فإذا كان هذا النص يُتلى في المساجد، بينما تُستمد القوانين من مصادر أخرى، فإن الفجوة بين الإيمان والنظام العام تبقى قائمة. من هنا، فإن الأزمات المتكررة ليست فقط نتيجة سوء إدارة، بل نتيجة غياب نظام موحد ينبثق من العقيدة نفسها. وبالمقابل، يرى أنصار الدولة الوطنية الحديثة أن التعدد المرجعي وتبني النظم الوضعية هو جزء من التكيف مع النظام الدولي المعاصر. مهما كان الموقف، يبقى التساؤل من أين تُستمد القوانين؟ ولمن تكون السيادة؟ هو السؤال الذي يحدد مسار الدولة، وحدود استقلالها، وطبيعة علاقتها بأمتها وبالعالم. وما دام هذا السؤال مفتوحاً، سيظل النقاش قائماً حول شكل الحكم الأمثل، وهو نقاش يتجدد كلما عاد الناس إلى النصوص وتأملوا واقعهم في آن واحد. إن الرؤية الإسلامية لا تنظر إلى هذه الأسئلة بوصفها جدلاً فكرياً مجرداً، بل باعتبارها مسألة مبدأ وهوية. فالإسلام حين يجعل السيادة للشرع، لا يقصد مجرد شعارات دينية تُرفع، بل نظاماً متكاملاً تُستمد منه القوانين، وتُضبط به العلاقات، ويُحكم به في السياسة والاقتصاد والاجتماع وسائر شؤون الحياة. فالسيادة هنا ليست اختياراً ثقافياً من بين خيارات متعددة، بل التزام نابع من الإيمان بأن الوحي هو الأعلم بمصالح العباد، والأقدر على تحقيق العدل والاستقرار. ومن هذا المنطلق، فإن الإسلام يدعو إلى إعادة وصل ما انقطع بين العقيدة والنظام، بحيث لا يبقى الدين حبيس المجال الفردي، ولا تُدار شؤون الأمة بمنأى عن قيمها وعقيدتها. إنه طرح يقوم على سيادة الشرع، ووحدة الأمة، ويرى في ذلك أساساً للخروج من دوائر الاضطراب والتبعية والتناقض. إن الدعوة إلى هذا التصور ليست دعوة صدام أو انعزال، بل دعوة مراجعة جادة لسؤال: كيف نعيش على أساس الإسلام؟ وكيف نجعل ما انبثق عنه من أحكام علاجا لمشكلات الناس ونمط عيش حقيقي لهم يعالج أزماتهم، لا مجرد تراث يُستحضر في المناسبات؟ حين يُعاد طرح هذه الأسئلة بوعي وصدق، يصبح الطريق نحو نظام منبثق من الإسلام نفسه خياراً أوحد في ساحة الفكر والعمل، وقادراً على أن يمنح الأمة وضوحاً في الرؤية وثباتاً في الاتجاه، حتى تقام للأمة دولتها من جديد؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
الناقد الإعلامي 2 قام بنشر March 1 الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر March 1 بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد الحلقة السابعة مصر قبل وبعد غياب الحكم بالإسلام عندما يُقال إن مصر حين كانت جزءاً من دولة الإسلام كانت فاعلاً مركزياً في القرار ومورداً للقوة، لا ساحة للاستنزاف، فالمقصود ليس رسم صورة مثالية خالية من الأخطاء، بل توصيف طبيعة الدور الذي لعبته ضمن إطار سياسي أوسع. فمصر، منذ فتحها في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم تكن إقليماً معزولاً، بل أصبحت جزءاً من كيان سياسي ممتد، يربط بين أطراف متعددة بعقيدة ونظام حكم مشتركين. في العهد الراشدي ثم الأموي والعباسي، كانت مصر من أهم البلاد إنتاجاً للغذاء والموارد. خراجها كان عنصراً أساسياً في بيت المال، لكنه لم يكن يُستنزف، بل كان يُعاد توظيفه ضمن شبكة مترابطة من الولايات. حين احتاجت المدينة المنورة أو الكوفة إلى إمدادات، كانت مصر تمدّها. وحين تعرضت أطراف الدولة لتهديد خارجي، كانت موارد الولايات ومنها مصر تُسخّر ضمن رؤية واحدة. حين واجهت المنطقة الحملات الصليبية، لم تكن مصر مجرد متلقٍ للأحداث، بل تحولت إلى قاعدة انطلاق استراتيجية. صلاح الدين الأيوبي، الذي وحّد مصر والشام تحت قيادة واحدة، لم يكن يتحرك ضمن حدود وطنية ضيقة، بل ضمن تصور لوحدة الأمة، حتى استعاد سيادة الأمة وحرر الأقصى بجند مصر والشام، فمصر كانت درع الأمة وحاميتها. وبعد سقوط بغداد على يد المغول، أصبحت القاهرة مركز الثقل السياسي في دولة الخلافة. معركة عين جالوت لم تكن حدثاً عسكرياً محلياً، بل لحظة فارقة أوقفت الزحف المغولي غرباً. مصر لم تكن ساحة مستباحة، بل مركز قرار يحدد مصير المنطقة. هذه المكانة لم تنبع فقط من القوة العسكرية، بل من كونها جزءاً من كيان سياسي يرى نفسه ممثلاً لوحدة أوسع. حتى في العهد العثماني، ورغم ما شابه من ضعف إداري في مراحله المتأخرة، بقيت مصر ضمن إطار سياسي جامع. صحيح أن بعض الفترات شهدت استبداداً أو فساداً، لكن السيادة ظلت للشرع، وكانت العلاقة بين الولايات محكومة بمنطق الانتماء لدولة واحدة، لا لعلاقات دول متنافسة. المفارقة الكبرى ظهرت مع تشكل الدولة القُطرية الحديثة. بعد الحرب العالمية الأولى وهدم الخلافة العثمانية سنة 1924م، دخلت المنطقة مرحلة إعادة رسم الحدود. أصبحت مصر دولة ضمن نظام دولي جديد. من حيث الشكل، بدا ذلك تقدماً نحو الاستقلال الوطني، لكن من حيث البنية العميقة، دخلت في شبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والسياسية التي حدّت من هامش قرارها المستقل. في المجال الاقتصادي، لم تعد الموارد تُدار ضمن رؤية تكاملية مع أقاليم أخرى، بل ضمن منطق سوق عالمي تحكمه مراكز مالية كبرى. مع توسع الاقتراض الخارجي في العقود الأخيرة، أصبح جزء معتبر من الموازنة يُوجَّه لخدمة الدين. هنا يتجلى الفرق بين إدارة الثروة بمنطق داخلي قائم على موارد ذاتية، وإدارتها بمنطق ارتباط مستمر بالدائنين. حين ترتفع أسعار الربا عالمياً، تتأثر الموازنة محلياً؛ وحين تتغير شروط الإقراض، تُعاد صياغة السياسات. مثال ذلك برامج الإصلاح الاقتصادي المرتبطة باتفاقات تمويلية، والتي غالباً ما تتضمن إعادة هيكلة الدعم أو تحرير أسعار. هذه القرارات قد تُقدَّم باعتبارها ضرورات مالية، لكنها تعكس أيضاً درجة الارتباط بمنظومة مالية دولية تحدد الإطار العام للحركة. هنا يتحول الاقتصاد من عنصر قوة سيادي إلى مجال تأثر دائم بعوامل خارجية. أما في البعد الأمني والسياسي، فقد تغير مفهوم "الحماية". في الكيان السياسي الجامع، كان التهديد يُنظر إليه باعتباره تهديداً للأمة ككل، فتعبأ الموارد المشتركة. أما في الدولة القُطرية، فلكل دولة حساباتها وتحالفاتها. الأمن قد يُدار أحياناً بمنطق داخلي يركز على الاستقرار السياسي على حساب الرعاية، ما يخلق توتراً بين السلطة والمجتمع. إن غياب السيادة الحقيقية للشرع يعني أن النظام السياسي حين يفقد الأساس العقدي الجامع، يصبح أكثر عرضة للتأثر بالتوازنات الدولية. فحين تكون التشريعات وسن القوانين خاضعة بالكامل لإرادة بشرية ضمن إطار وطني ضيق، تتبدل القوانين وفق تغير الحكومات أو الضغوط. أما في نظام أساسه الوحي ويجعل السيادة للشرع، فإن مساحة التبدل إن لم تنعدم فإنها تكون أضيق في القضايا الأساسية. رمضان، يعيد تسليط الضوء على هذا السؤال: هل العلاقة بين النص والواقع علاقة تلاوة وشعور روحي فقط، أم علاقة تشريع نمط عيش وتنظيم حياة؟ حين يُقرأ التاريخ في ضوء هذا السؤال، لا يكون الهدف البكاء على ماضٍ مضى، بل فهم السنن التي تحكم صعود الأمم وهبوطها. فالوحدة تعزز الوزن الاستراتيجي، والاستقلال في القرار الاقتصادي يعزز المناعة، والأساس الواضح المبني على أساس العقيدة الصحيحة كرابطة مبدئية وسيادة الشرع، يعزز الانسجام الداخلي. لكن من الضروري أيضاً الاعتراف بأن أي نموذج تاريخي أو معاصر لا ينجح بمجرد رفع الشعارات. فالقوة ليست مجرد وحدة جغرافية، بل قدرة على إدارة الموارد بعدل وفاعلية. إن المقارنة بين مرحلتين ليست مجرد سرد تاريخي، بل نقاش حول طبيعة المرجعية، وحدود السيادة، وكيف تتحول الدولة من فاعل مؤثر إلى ساحة تأثر. والسؤال المفتوح أمام الأجيال المعاصرة ليس كيف تستعيد صورة الماضي حرفياً، بل كيف تبني إطاراً سياسياً واقتصادياً يعيد للقرار استقلاله، وللمجتمع انسجامه، وللدولة دورها كراعية لا كمدير أزمة دائم. نسأل الله أن يعيد لنا الدولة الراعية دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
الناقد الإعلامي 2 قام بنشر %s في %s الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر %s في %s بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد الحلقة الثامنة من ينهب ثروات مصر؟ مصر بلد وافر الموارد: أرض زراعية خصبة على ضفاف نهر فريد، موقع جغرافي يتحكم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، غاز وفير مكتشف في البحر، سوق كبيرة بعدد سكان يتجاوز المئة مليون، تاريخ صناعي وتجاري ممتد. ومع ذلك، يتكرر السؤال على ألسنة الناس في القرى والمدن: لماذا يزداد الغلاء؟ ولماذا يضيق العيش رغم هذا الغنى؟ المشكلة ليست في قلة الموارد، بل في طريقة إدارتها. فالثروة حين تُدار وفق رؤية غير عادلة ولا مستقلة، تتحول من عنصر قوة إلى مصدر ضغط. فمصر على سبيل المثال من أقدم البلاد التي عرفت الزراعة المنظمة، لكن الفلاح اليوم يشتكي من ارتفاع تكلفة الأسمدة والبذور والمياه، ومن تقلب أسعار المحاصيل. حين ترتفع تكلفة الإنتاج ويظل هامش الربح ضعيفاً، يخرج صغار المزارعين من السوق، وتزداد سيطرة كبار الموردين أو الشركات الكبرى. هنا لا تختفي الأرض، لكنها تخرج من يد من يعيش عليها إلى يد من يتاجر بها وبهم. مثال آخر قناة السويس كمورد استراتيجي عالمي، يدر مليارات الدولارات سنوياً. لكن السؤال الذي يتردد بين الناس كيف تُوظف هذه العوائد؟ هل تنعكس مباشرة على رعاية شؤون الناس وتحسين الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم وغير ذلك؟ أم تُستهلك في سد عجز متراكم، أو خدمة ديون متزايدة؟ حين يشعر الناس أن موارد البلاد لا تغير واقعهم وﻻ تستخدم في رعايتهم، تتولد فجوة ثقة بينهم وبين إدارة المال. ثم هناك ملف الديون. فعلى مدى السنوات الأخيرة، ارتفع حجم الاقتراض الخارجي. وقد برر النظام ذلك بالحاجة إلى تمويل مشروعات أو سد فجوات مالية، لكن النتيجة العملية أن جزءاً كبيراً من الموازنة يُخصص لخدمة الدين، أي لسداد أقساط وربا. ما يعني أن موارد الدولة لا تُنفق بالكامل على تحسين معيشة الناس، بل يُقتطع منها نصيب كبير لسداد التزامات سابقة. ومع ارتفاع أسعار الربا عالمياً، تزيد الكلفة، ويزداد الضغط على العملة والأسعار. في مثل هذا السياق، تُطرح سياسات الخصخصة وبيع بعض الأصول باعتبارها حلولاً لجذب استثمارات وتوفير سيولة. لكن التجربة في بلدان كثيرة أظهرت أن الخصخصة تؤدي إلى احتكار جديد بدلاً من احتكار الدولة. فالمصنع الذي كان مملوكاً للشعب عبر الدولة، يصبح في يد مستثمر واحد أو مجموعة محدودة. فيتحول النقل من ملكية عامة إلى ملكية خاصة ضيقة، وﻻ يشعر الناس بتحسن في الخدمة أو انخفاض في السعر، بل يزداد حالهم سوءاً. هنا يظهر السؤال الجوهري: ما هو دور الدولة؟ الدولة في الإسلام راعية، كما في الحديث: «الْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». الرعاية لا تعني السيطرة المطلقة، بل تعني تحمل المسؤولية عن ضمان الحاجات الأساسية للفرد في المأكل والملبس والمسكن وللمجتمع في الأمن والتعليم والرعاية الصحية على أن يكون ذلك على أعلى مستوى ممكن وبالمجال. والمال العام في هذا الإطار ليس مورداً سياسياً يُدار بمنطق الربح، بل أمانة يجب توجيهها لرعاية شؤون الناس وضمان حاجاتهم الأساسية كأفراد وكمجتمع. عندما يغيب هذا الميزان، تتغير الأولويات. قد تُعطى الأولوية لمشروعات ضخمة ذات طابع استعراضي، بينما تبقى المستشفيات في القرى تعاني نقصاً في الأطباء والمعدات. قد تُرفع أسعار خدمات أساسية بحجة التوازن المالي، بينما لا تُغلق منافذ الهدر أو الفساد بالصرامة نفسها. فيشعر الناس أن عبء الإصلاح يقع عليهم وحدهم. في رمضان، يُذكَّر الناس بالصوم كتهذيب للنفس وضبط للشهوة. لكن الصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل تدريب على مراقبة الله في السر والعلن. فإذا كان الموظف الصغير مطالباً بالأمانة في عمله، فكيف بمن يتولى إدارة مليارات من أموال الناس؟ وحين تُهدر الموارد أو تُدار بفساد ويتم التفريط فيها وتمكين الغرب من نهبها، لا يكون الضرر مالياً فقط، بل فكرياً أيضاً، لأنه يضعف الثقة ويغذي الإحباط. ليس المطلوب خطاباً عاطفياً، بل إعادة ترتيب أولويات واضحة: أن تُقدَّم الحاجات الأساسية ورعاية شؤون الناس على غيرها. أن تُدار الموارد الاستراتيجية كملكية عامة وأمانة يجب الحفاظ عليها لا كأداة للتربح وجباية أموال الناس ونهب ثروتهم. مصر ليست فقيرة بالموارد، لكنها قد تضعف حين تُدار ثرواتها بلا إرادة واعية وإدارة مستقلة غايتها رعاية الناس حقا. والغنى الحقيقي لا يُقاس بحجم الاحتياطي أو عدد المشروعات، بل بمستوى الفكر المحرك والدافع للقيام بالأعمال وأساسه النابع من الوحي الثابت، ما يؤدى حتما إلى شعور الناس بالأمان في معيشتهم، وبأن نصيبهم من خيرات بلدهم محفوظ. حين تُستعاد الأمانة في إدارة المال، يتحول الغنى من عبء إلى نعمة، ومن رقم في تقرير إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية. اللهم أظلنا بدولة العدل التي تحفظ أمانات الناس وثرواتهم دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
الناقد الإعلامي 2 قام بنشر %s في %s الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر %s في %s بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد الحلقة التاسعة لماذا يُجوَّع الناس في بلد غني؟! الجوع في مصر لا يرتبط بقلة الطعام في الأسواق. المحال ممتلئة، والمخابز تعمل، والمنتجات الزراعية تُصدَّر أحياناً إلى الخارج. ومع ذلك، هناك أسر تقلل عدد الوجبات، وأخرى تستغني عن البروتين، وثالثة تعيش على الحد الأدنى من السعرات. هذا التناقض يكشف أن المشكلة ليست دائماً في حجم الإنتاج، بل في القدرة على الوصول إليه. حين ننظر إلى المشهد ببساطة، نجد أن المعادلة واضحة: إذا كان دخل الأسرة لا يواكب ارتفاع الأسعار، فإن توفر السلع لا يعني القدرة على شرائها. خلال السنوات الأخيرة، ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل ملحوظ؛ الخبز غير المدعوم، الأرز، الزيت، اللحوم، الدواجن. ومع كل موجة تضخم، تتآكل القوة الشرائية للرواتب الثابتة. الموظف الذي كان راتبه يكفيه بالكاد، أصبح يحتاج إلى ضعف وربما أضعاف المبلغ ليحافظ على المستوى نفسه من المعيشة. في الوقت نفسه، يذهب جزء كبير من الموازنة العامة إلى خدمة الدين، أي سداد أقساط وربا القروض. حين تُقدَّم هذه الالتزامات على بنود الإنفاق الإنساني، يضيق المجال المتاح لرعاية شؤون الناس وضمان كفايتهم. هنا لا يكون الجوع نتيجة كارثة طبيعية، بل نتيجة ترتيب أولويات في الإنفاق العام. حين يُخصص مبلغ ضخم لسداد الربا، ويُخفض في المقابل دعم سلعة أساسية، فإن النتيجة المباشرة يتحملها الفقير. على سبيل المثال الدعم الغذائي رغم كونه لا شيء أمام ما يجب للناس من حقوق، هو وسيلة يزعم أنها لحماية الفئات الأكثر هشاشة من تقلبات السوق. لكن حين تُعاد هيكلته دون رفع موازٍ في الدخول، يتحول العبء مباشرة إلى المستهلك. الأسرة التي كانت تحصل على سلع مدعومة بسعر معين، تجد نفسها مضطرة لشراء جزء منها بسعر السوق. الفارق قد يبدو بسيطاً على الورق، لكنه يتراكم شهرياً ليصنع فجوة حقيقية في ميزانية البيت. مثال آخر هو الضرائب غير المباشرة، مثل ضريبة القيمة المضافة. هذه الضريبة تُفرض على السلع والخدمات بغض النظر عن مستوى دخل المشتري. بمعنى أن الفقير والغني يدفعان النسبة نفسها عند شراء سلعة. لكن أثرها على الفقير أكبر، لأنه يستهلك معظم دخله في الحاجات الأساسية. وهكذا، تصبح سياسات الجباية عامل ضغط إضافي على من هم أصلاً تحت خط الأمان. في الإسلام إشباع الحاجات الأساسية - الطعام والكساء والمسكن - واجب على الدولة تجاه رعاياها. ليس من باب التفضل، بل من باب المسؤولية. الحديث النبوي: «الْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» يضع المسؤولية مباشرة على من بيده القرار. فإذا وُجد في المجتمع من لا يجد ما يسد جوعه، فالمشكلة ليست فردية فقط، بل هي خلل وتقصير في الرعاية. سابقا، كانت هناك آليات واضحة بينها الشرع لرعاية الناس وكفايتهم وكفالتهم، الزكاة تُجمع وتُصرف في مصارف محددة، وبيت المال يُخصص منه للفقراء، وتُتخذ إجراءات عند حدوث مجاعة أو أزمة. المقصود ليس استنساخ الماضي حرفياً، بل استغلال الوسائل والأساليب المباحة مما استجد من أدوات في تنفيذ الأوامر الشرعية التي توجب رعاية شؤون الناس بحق، وتعتبر أموالهم محرمة لا يجوز نهبها تحت أي مسمى، وتنظر للملك العام على أنه أمانة يجب أن تعاد لأصحابها لرعاية شؤونهم بها. رمضان يسلط الضوء على هذا المعنى بقوة. الصوم يُشعر الغني بطعم الجوع لساعات، ليوقظ فيه الإحساس بالآخرين. لكن المفارقة المؤلمة أن هناك من يعيش هذا الإحساس طوال العام، لا اختياراً بل اضطراراً. حين تتحول موائد الإفطار إلى مشاهد فخمة على الشاشات، بينما تعجز أسر عن شراء كيلو واحد من اللحم في الشهر، يظهر التفاوت بوضوح. الجوع ليس أمرا لا مفر منه في بلد غني بالموارد. لكنه قد يصبح واقعاً إذا استمرت السياسات التي تثقل كاهل الأضعف وتمنح الأولوية للأرقام على حساب البشر. وحين تُدار الدولة بروح الرعاية الحقيقية، لا يبقى الجوع مسألة إحصائية، بل يُعامل كجرس إنذار سياسي يستدعي التصحيح الفوري. وحتى نضمن للناس رعاية حقيقية يجب أن نعيد الضامن الحقيقي لغذائهم وجودته؛ دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
الناقد الإعلامي 2 قام بنشر %s في %s الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر %s في %s بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد الحلقة العاشرة الديمقراطية لماذا لا تُنقذ الشعوب؟ تُقدَّم الديمقراطية في الخطاب السياسي الحديث كأنها الوصفة الجاهزة لكل أزمة: إذا أردت عدلاً، فخذ انتخابات. وإذا أردت حرية، فأنشئ برلماناً. وإذا أردت استقراراً، فضع دستوراً يُصوّت عليه الناس. الفكرة في ظاهرها بسيطة وجذابة: الشعب يختار من يحكمه، ومن يحكمه يسنّ القوانين باسمه، فتتحقق الإرادة العامة. لكن حين ننزل من مستوى الشعارات إلى مستوى الواقع، تتعقد الصورة كثيراً. في مصر، كما في غيرها، مرّت البلاد بمراحل مختلفة من التجارب السياسية. تغيّرت دساتير، وأُجريت استفتاءات، وتعاقبت انتخابات، وتبدّلت وجوه في السلطة. ومع ذلك، بقيت أسئلة العدل والسيادة مطروحة بإلحاح. هل يشعر الإنسان البسيط أن صوته غيّر مسار السياسات الاقتصادية التي تمسّ حياته اليومية؟ هل تغيّرت طبيعة العلاقة مع القوى الدولية الكبرى بتغيّر البرلمان أو الرئيس؟ أم أن هناك مسارات أعمق ظلت على حالها؟ المشكلة ليست في فكرة التصويت ذاتها، بل في الإطار الذي تتحرك داخله. حين تكون المنظومة الاقتصادية مرتهنة لقروض خارجية وشروط مؤسسات دولية، فإن هامش القرار الداخلي يضيق. قد ينتخب الناس ممثلين جدداً، لكن هؤلاء يجدون أنفسهم أمام التزامات مالية وسياسية قائمة، لا يمكنهم تجاهلها بسهولة. وهكذا، تتغير الوجوه بينما تبقى السياسات الكبرى متشابهة. الإنسان الذي صوّت أملاً في تحسن معيشته، لا يلمس فرقاً حقيقياً، فيتولد شعور بأن اللعبة تدور في دائرة مغلقة. ثم هناك مسألة التشريع. في النموذج الديمقراطي، البرلمان يملك سلطة سن القوانين وفق ما تراه الأغلبية مناسباً. القيم والقواعد تصبح قابلة للتعديل بحسب التوازنات السياسية. اليوم تُقرّ سياسة، وغداً تُلغى أو تُعدَّل إذا تغيّرت الأغلبية. من جهة، هذا يمنح مرونة، لكنه من جهة أخرى يجعل الأسس عرضة للتقلب المستمر، وهنا يبرز سؤال: هل كل شيء قابل للتصويت؟ وهل تُخضع المبادئ الثابتة لمعادلات المصالح المتغيرة؟ في مصر، كثيراً ما ارتبطت السياسات الاقتصادية الكبرى كتحرير سعر الصرف، ورفع الدعم، وفرض ضرائب جديدة بتوصيات أو شروط خارجية. قد تُبرر هذه الخطوات بضرورات الإصلاح، لكن الإنسان العادي يرى نتيجتها المباشرة في ارتفاع الأسعار وتآكل الدخل. هنا يظهر التناقض حتى لو وُجد برلمان منتخب، فإن القرارات الحاسمة تُتخذ تحت ضغط الحاجة إلى تمويل أو استقرار مالي دولي. فهل السيادة كاملة أم جزئية؟ وهل يكفي وجود آلية انتخابية لتحقيق استقلال القرار؟ الواضح أنه ﻻ توجد أي سيادة بل خضوع وارتهان لقرارات المؤسسات الدولية الاستعمارية المانحة، وأن القرار يأتي من هناك وﻻ عزاء للانتخابات المزعومة وصناديقها فما هي إلا وهم يباع لأهل مصر البسطاء ولكل الشعوب التي يراد خداعها باسم الديمقراطية حتى في الغرب نفسه، فالديمقراطية فكرة خيالية التطبيق وفي حقيقتها المتحكم وصاحب القرار هم أصحاب رؤوس الأموال والنخب وليست الشعوب. من زاوية أخرى، الديمقراطية فكرة خيالية مستحيلة التطبيق في واقعها لا تعمل في فراغ. تحتاج إلى بيئة من الشفافية، وتكافؤ الفرص، وإعلام حر، ومؤسسات قوية قادرة على الرقابة والمحاسبة. إذا اختلّ أحد هذه العناصر وهذا هو الواقع الذي جعلها خيالية التطبيق وجعل الغرب نفسه يبحث عما بعد الديمقراطية، فهي في النهاية تتحول عمليا إلى شكل بلا مضمون. قد تُجرى انتخابات، لكن المال السياسي أو النفوذ الإداري أو ضعف المشاركة الشعبية يجعل النتائج لا تعكس الإرادة الحقيقية للمجتمع. في هذه الحالة، يصبح التركيز على الشكل الإجرائي غطاءً على غياب المضمون. رمضان يعيد طرح المعايير الأخلاقية بعيداً عن الضجيج السياسي. الصوم ليس تصويتاً بالأغلبية، بل التزام فردي بأمر يُعتقد أنه ثابت لا يتغير بتغير الأذواق. في هذا السياق، يبرز تصور مختلف للعدل: العدل ليس ما تقرره أغلبية عابرة، بل ما ينسجم مع قيم عليا لا تخضع للمساومة. حين تُدار الدولة بروح المسؤولية أمام هذه القيم، يصبح القرار السياسي محكوماً بضابط عقدي يتجاوز الحسابات الانتخابية القصيرة. العدل أيضاً يرتبط بالنتائج الملموسة. إذا بقي الفقير فقيراً، وتوسعت الفجوة بين الطبقات، واستمرت التبعية الاقتصادية، فإن كثرة الانتخابات لا تكفي لإقناع الناس بأنهم يعيشون عدلاً حقيقياً. والسيادة بدورها ليست شعاراً يُرفع، بل قدرة فعلية على اتخاذ قرار اقتصادي أو سياسي دون إملاء خارجي. فإذا كان القرار مرهوناً بالمساعدات أو القروض، فالهامش السيادي محدود مهما كان الشكل الدستوري. في النهاية، التجربة المصرية تُظهر أن تغيير الأدوات دون تغيير الأسس لا ينتج تحولاً حقيقياً. العدالة لا تُختزل في صندوق اقتراع، والسيادة لا تتحقق بمجرد نص دستوري. تحتاج إلى استقلال اقتصادي، وسيادة مبدئية واضحة تضبط القرار السياسي. رمضان، بما يحمله من معاني المراجعة والمحاسبة، يذكّر بأن الإصلاح يبدأ من إعادة تعريف ما نعتبره أساساً للعدل، وما نراه مصدراً للسيادة، قبل الانشغال بتبديل الوجوه أو تحديث الشعارات. رمضان يذكرنا أننا بحاجة إلى أن تصبح العقيدة التي نعتنقها أساسا لتفكيرنا وما انبثق عنها من أحكام هو نمط عيشنا، فحينها تكون السيادة للشرع والسلطان للأمة، والأمة تنيب عنها من يطبق عليها الإسلام بعدل وتحاسبه إن قصر أو أساء في التطبيق وأحكامه. فقط هي ضامن العدل لأنها لم تأت عبر التصويت داخل البرلمانات ولم تعززها أغلبية وإنما مصدرها الوحي الثابت فهي عدل محض. نسأل الله أن نراها واقعا متجسدا من جديد في ظل الإسلام ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
الناقد الإعلامي 2 قام بنشر %s في %s الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر %s في %s بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد الحلقة الحادية عشرة الجيش لمن يجب أن يكون ولاؤه؟ حمل الإسلام للعالم رسالة هدى ونور الجيش في أي أمة ليس مجرد مؤسسة عسكرية تحمل السلاح، بل هو عنوان سيادتها وترجمة إرادتها وحارس كرامتها. لذلك فإن السؤال الحقيقي عن أي جيش لا يكون عن عدد دباباته ولا عن تنوع طائراته، بل عن عقيدته: لمن يقاتل؟ ولماذا يقاتل؟ ومن يحدد له عدوه وصديقه؟ هذه الأسئلة هي التي تصنع الفارق بين جيشٍ يحمل رسالة، وجيشٍ يتحرك داخل حدود مرسومة له سلفاً لا يتجاوزها. في التصور الإسلامي، لم يكن الجيش كياناً منفصلاً عن الأمة، ولا أداة بيد سلطة تبحث عن تثبيت حكمها. كان جيشاً منبثقاً من عقيدة، يتحرك بدافع حمل الإسلام للعالم وحماية الدين ورعاية الناس وصون الأرض. ولذلك حين خرجت الجيوش الأولى من المدينة، لم تكن تبحث عن نفوذ قومي ولا عن مجدٍ عرقي، بل كانت تتحرك ضمن رؤية واضحة: إزالة العوائق التي تحول بين الناس وبين سماع رسالة الإسلام، وحماية الكيان السياسي الذي يحتضنها. انظر إلى جيش بدر. لم يكن جيش دولة عظمى، بل بضع مئات من الرجال، بلا عدة مكتملة ولا استعداد كامل. ومع ذلك، صنع لحظة فارقة في التاريخ. لماذا؟ لأن القضية كانت واضحة: دفاع عن كيان ناشئ، وعن عقيدة تتعرض للاستئصال. لم يكن الجيش يومها يحرس نظاماً منفصلاً عن أمته، بل كان هو الأمة نفسها. ثم انظر إلى القادسية واليرموك. الجيوش التي واجهت إمبراطوريتين عظميين، لم تكن تقاتل لتوسيع حدود دولة قومية، بل لحمل الإسلام إلى شعوب تحكمها أنظمة جائرة، ولإقامة حكمٍ يساوي بين الناس في الحقوق والواجبات على أساس الانتماء إلى الدولة الإسلامية. ولذلك دخلت مدناً كثيرة بلا مقاومة تُذكر، لأن الناس رأت فرقاً بين جيشٍ جاء ليستنزفها، وجيشٍ جاء يحمل نظاماً يحقق العدل. هذا التصور يختلف جذرياً عن مفهوم الجيش في الدولة الحديثة القائمة على القومية والحدود السياسية الضيقة. في هذا النموذج، يُعاد تعريف وظيفة الجيش ليصبح حارساً لحدود رسمها الغرب، حتى لو قُطّعت بها أوصال أمة واحدة. يُطلب منه أحياناً أن يكون أداة ضبط داخلي، يواجه أبناء أمته، ويُستخدم في صراعات سياسية داخلية، بينما يُحجَّم دوره في القضايا الكبرى التي تمس هوية الأمة ومصيرها. في واقع مصر مثلاً، الجيش يُقدَّم بوصفه "درع الوطن"، لكن يُعاد تعريف الوطن في إطار جغرافي محدود، مع تجاهل أن مصر تاريخياً كانت جزءاً من كيان أوسع امتد قروناً، وكانت جيوشها تتحرك من منطلق وحدة الأمة. اليوم تُقيَّد الحركة العسكرية باتفاقيات تفرض سقفاً معيناً للقوة والانتشار، وتحدد طبيعة التسليح، وتربط أمن مصر بحسابات إقليمية ودولية. رمضان هو شهر بدر وفتح مكة وعين جالوت؛ في بدر، تجلت حقيقة أن القوة ليست في العدد. وفي فتح مكة، ظهر معنى ضبط القوة حين تُستعمل لإحقاق الحق لا للانتقام. وفي عين جالوت، كان الجيش الذي هزم التتار يستند إلى عقيدة واضحة، وإلى التفاف الأمة حول قيادته، فلم يكن جيشاً معزولاً عن أمته، بل معبّراً عن إرادتها. القوة في رمضان ليست مجرد صيام عن الطعام، بل انضباط للنفس وتحرر من الخوف. هذا المعنى لو نُقل إلى مفهوم الجيش، لأصبح السؤال: هل يملك وضوح الغاية؟ هل يعرف عدوه الحقيقي؟ هل يُربَّى أفراده على أن ولاءهم الأول لعقيدة الأمة، أم لنظام سياسي قابل للتغير وواجب التغيير؟ حين كان الجيش المصري جزءاً من كيان أوسع، كانت معاركه تُخاض باعتبارها معارك أمة. وعندما تغير الإطار السياسي وأصبحت كل دولة تُعرّف نفسها ضمن حدود ضيقة، تغيرت أولويات الجيوش تبعاً لذلك. صار الأمن يُفهم غالباً باعتباره أمن النظام واستقراره، لا أمن الأمة ورسالتها. هذا التحول لا يُناقَش عادة في الإعلام الرسمي، لأنه يمس جوهر العلاقة بين العقيدة والسياسة. لكنه سؤال حتمي إذا أردنا فهم دور الجيش الحقيقي. فالجيوش التي تفقد وضوح عقيدتها قد تبقى قوية تسليحياً، لكنها تفقد بوصلة الاتجاه. أما الجيوش التي تعرف غايتها، وتتحرك على أساس عقيدتها، فإنها حتى في ضعفها المادي تبقى مؤثرة. رمضان يذكر أهل مصر والأمة أن القوة ليست في السلاح وحده، بل في ثبات العقيدة ووضوح الغاية. وأن الجندية في الإسلام ليست وظيفة فحسب، بل جهاد في سبيل الله ومسؤولية شرعية لحماية الدين والناس. وإذا كان كل مسلم يُسأل عن موقعه في نصرة الحق، فإن من يحمل السلاح يُسأل سؤالاً أعظم: في أي اتجاه يوجهه؟ إن إعادة تعريف دور الجيش تبدأ بإعادة تعريف الأمة لنفسها: هل هي مجموعة كيانات منفصلة، لكل منها أولوياته الضيقة؟ أم هي أمة واحدة يجمعها دين واحد ومصير واحد ويجب أن تكون دولة واحدة؟ الإجابة عن هذا السؤال تنعكس مباشرة على وظيفة الجيش، وعلى عقيدته، وعلى نوعية المعارك التي يخوضها. رمضان ليس فقط موسم عبادة فردية، بل موسم مراجعة لمعاني القوة والولاء والسيادة. وإذا كان الصائم يمتنع عن المباح طاعة لله، فإن الأمة مدعوة أن تعيد ترتيب أولوياتها طاعة لله أيضاً. والجيش، بوصفه عنوان سيادتها، سيكون دائماً في قلب هذه المراجعة: إما أداة لحراسة واقع مفروض، أو قوة تحمل رسالة الإسلام وتدافع عن هوية الأمة. وهنا يبقى السؤال مفتوحاً أمام أهل مصر وسائر الأمة: أي نموذج يريدون؟ وأي دور ينتظرونه من جيشهم؟ الإجابة ليست نظرية، بل هي مسار طويل يبدأ بالفكرة، ثم يتجسد في الواقع حين تتوحد العقيدة والغاية والإرادة. فعلى جيش الكنانة أن يحددوا بوصلتهم وأن ينحازوا لأمتهم نصرة لمشروعها الحضاري وعملا لتطبيقه وحمله للعالم رسالة هدى ونور في ظل الإسلام ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
الناقد الإعلامي 2 قام بنشر منذ 23 ساعات الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر منذ 23 ساعات بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد الحلقة الثانية عشرة فلسطين تكشف عار الأنظمة حين ننظر إلى ما يجري في فلسطين، وخصوصاً في غزة، يسهل على البعض أن يقول: "الأمة عاجزة". لكن هذا الوصف ليس دقيقاً. الذي انكشف في هذه الأحداث ليس عجز الأمة، بل عجز الأنظمة. هناك فرق كبير بين شعبٍ يشعر ويتألم ويتحرك، وبين نظامٍ يملك القرار لكنه لا يستخدمه. الأمة حيّة. نراها في الشوارع حين تخرج بالملايين، في الدعاء في المساجد، في حملات التبرع، في الكلمات التي تكتبها بصدق وغضب. نراها في الأم التي تبكي على أطفال غزة وكأنهم أبناؤها، وفي الشاب الذي يشعر أن القضية قضيته هو. هذا ليس سلوك أمة ميتة، بل سلوك أمة تشعر بوحدة الألم والمصير. لكن في المقابل، القرار السياسي في بلاد المسلمين يبدو مكبّلاً. الحدود مغلقة، الجيوش في مواقعها، التصريحات محسوبة، والخطاب يدور غالباً حول "التهدئة، والقلق، والمساعدات الإنسانية". هنا يظهر التناقض: الشارع يغلي، والأنظمة تحسب حسابات أخرى. حين تقع كارثة طبيعية في دولة ما، تتحرك الدول فوراً لإرسال فرق إنقاذ ومساعدات، وتُفتح الأجواء والمطارات بلا تردد. أما في غزة، وهي جزء من أمة واحدة في العقيدة والهوية، فإن إدخال المساعدات يصبح ملفاً معقداً، مرتبطاً باتفاقيات وضغوط دولية وحسابات سياسية. هذا الفرق يوضح أن المشكلة ليست في القدرة، بل في طبيعة القرار. غزة اليوم ليست فقط مأساة إنسانية تُعرض أرقام ضحاياها في نشرات الأخبار، بل هي امتحان أخلاقي وسياسي. حين يُقتل الأطفال وتُدمّر البيوت ويُحاصر الناس، فإن السؤال لا يكون: هل نشعر بالحزن؟ بل: ماذا نفعل؟ الشعور وحده لا يغيّر الواقع إذا لم يتحول إلى موقف. البعض يقول ماذا بيد الأنظمة أن تفعل؟ لكن هذا السؤال يحتاج إلى مراجعة. الدول تملك جيوشاً يجب تحريكها، وتملك أوراقاً سياسية واقتصادية، وتملك القدرة على الضغط والمقاطعة وقطع العلاقات. في عالم المصالح، لا يتحرك أحد إلا إذا شعر أن هناك كلفة حقيقية. أما إذا كان أقصى ما يواجهه هو بيانات استنكار، فلن يتغير شيء. رمضان يضيف بُعداً آخر لهذه القضية. هو شهر يرتبط في الذاكرة الإسلامية ببدر وفتح مكة. في بدر، لم يكن المسلمون يملكون تفوقاً عسكرياً، لكنهم كانوا يملكون وضوحاً في الهدف. لم يقفوا يتفرجون على ظلمٍ واقع عليهم، بل واجهوه ضمن ما يملكون من قدرة. الفكرة هنا ليست في مقارنة ظرف بظرف، بل في استحضار المعنى: نصرة المظلوم ليست مسألة عاطفية، بل واجب ومسؤولية، خاصة إذا كان هذا المظلوم أخا في العقيدة له يعيش على أرض محتلة يجب تحريرها فورا وقطعا. حين نقول إن نصرة المظلوم فرض، فنحن لا نتحدث عن شعار، بل عن مبدأ ثابت في الشريعة. النبي ﷺ قال: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً». وحين سُئل كيف ينصره ظالماً، قال: «تَأْخُذُ عَلَى يَدَيْهِ». أي أن النصرة ليست مجرد تعاطف، بل تدخل لإزالة الظلم أو منعه. لو كان الحكم بالإسلام حاضراً بمعناه الكامل، لما بقيت فلسطين قضية تفاوض طويل بلا أفق. لأن وحدة الأمة في الإسلام ليست عاطفة، بل نظام سياسي يجمعها تحت قيادة واحدة. في هذا الإطار، لا تكون غزة "قضية خارجية"، بل جزءاً من كيان واحد يتألم كله إذا اشتكى منه عضو، لهذا لم تكن فلسطين لتبقى يوما واحدا تحت سيطرة يهود لو كان للإسلام دولة وللمسلمين خليفة، ففلسطين فتحها خليفة، وحررت من الصليبيين في ظل الخلافة ولم يستطع اليهود اغتصابها إلا في غياب الخلافة وبعد هدمها. حين استنجدت امرأة مسلمة في عمورية بالمعتصم، تحرك جيش كامل. المعنى الذي استقر في الوعي الإسلامي واضح: كرامة المسلم ليست أمراً هامشياً. هذا الفهم كان مرتبطاً بوجود دولة ترى نفسها مسؤولة عن حماية كل من ينتسب إليها. اليوم، التقسيم السياسي جعل كل دولة يحكمها عميل للغرب وتنظر إلى فلسطين من زاوية مصالحه لا مصالح الأمة وﻻ حتى تلك النظرة الوطنية الضيقة. وهكذا لا مجال لأي اعتبارات شرعية. ومع ذلك، تبقى الأمة حيّة. في كل مرة تُغلق فيها الحدود، نجد القلوب مفتوحة. في كل مرة تُحاصر فيها غزة، نجد التضامن يتجدد. هذا يعني أن جذوة الانتماء لم تنطفئ، لكنها بحاجة إلى إطار سياسي يترجمها إلى فعل. رمضان فرصة لمراجعة هذا الواقع. ليس فقط بالدعاء والبكاء، بل بالتفكير العميق: لماذا يتكرر المشهد؟ لماذا تبقى المآسي دون تغيير جذري؟ هل المشكلة في قلة الموارد، أم في طبيعة النظام السياسي الذي يحكم علاقات الدول ويحدد سقف حركتها؟ إذا كان ترك نصرة المظلوم إثماً جماعياً، فإن الخروج من هذا الإثم يبدأ بالوعي. وعي بأن القضية ليست إنسانية فقط، بل سياسية. وأن وحدة الشعور يجب أن تتحول يوماً ما إلى وحدة دولة ووحدة قرار. حينها فقط لن تكون فلسطين بنداً في نشرات الأخبار، بل أولوية عملية. غزة كشفت الفجوة بين أمة تشعر، وأنظمة عميلة تحسب. كشفت أن المشكلة ليست في عدد المسلمين، ولا في مواردهم، بل في شكل العلاقة بينهم. وهذا الإدراك، مهما كان مؤلماً، هو الخطوة الأولى نحو التغيير. لأن الاعتراف بحقيقة الداء هو بداية البحث عن الدواء. ودواء الأمة الذين يعيد لها حيويتها ويحقق ارتباطها من جديد ويحرر أرض الإسلام المغتصبة وعلى رأسها فلسطين، هو دولة الإسلام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
الناقد الإعلامي 2 قام بنشر منذ 5 ساعات الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر منذ 5 ساعات بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد الحلقة الثالثة عشرة لماذا لا تُحرَّر غزة؟ غزة ليست محاصَرة لأن الأمة لا تملك رجالاً، ولا لأن السلاح مفقود، ولا لأن الموارد معدومة. الحقيقة أبسط وأقسى في الوقت نفسه: غزة محاصَرة لأن القرار السياسي المستقل غائب. الجيوش في البلاد الإسلامية تعدّ بالملايين، والميزانيات العسكرية تُنفق عليها مليارات الدولارات سنوياً، والمناورات تُقام، والأسلحة الحديثة تُشترى، لكن حين يتعلق الأمر بفلسطين، يتراجع كل ذلك أمام حسابات الاتفاقيات والضغوط الدولية وموازين المصالح. لو كانت القضية قضية ضعف عسكري بحت، لقلنا إن الحل في زيادة التسليح. لكن الواقع يُظهر أن دولاً تملك أحدث الطائرات والدبابات، ومع ذلك تقف عند حدود مرسومة لا تتجاوزها. لماذا؟ لأن القرار ليس قرار مواجهة، بل قرار إدارة أزمة. هناك فرق بين دولة ترى نفسها مسؤولة عن تحرير أرضٍ محتلة، ودولة ترى أن أقصى ما يمكنها فعله هو الوساطة أو إدخال مساعدات إنسانية. حين تريد دولة ما أن تفرض إرادتها في قضية تمس مصالحها المباشرة، تستخدم كل أوراقها دفعة واحدة؛ ضغط سياسي، تهديد اقتصادي، تحرك دبلوماسي سريع، وربما استعراض عسكري. أما في غزة، فنرى غالباً خطاباً حذراً، وتحركات محسوبة بدقة، وكأن المسألة لا تمس واجبا شرعيا يجب القيام به فورا هو تحرير كامل فلسطين ونصرة أهل غزة وكل المستضعفين من أبناء الأمة، وهو ما تستطيع مصر وحدها إنجازه بجزء من جيشها فقط. المشكلة إذن ليست في وجود القوة، بل في فصل القوة عن غايتها. في الإسلام، القوة ليست زينة للدولة، ولا وسيلة لحماية النظام السياسي فحسب، بل أداة لتحقيق مقاصد شرعية، في مقدمتها حماية الأرض والناس ورفع الظلم. قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾. الآية تربط بين القتال ورفع الظلم، لا بين القتال والمصالح الضيقة. حين يُفصل السلاح عن العقيدة والغاية الكبرى حمل الإسلام للعالم وحماية المستضعفين وتحرير أرض الإسلام، يتحول إلى رقم في تقارير عسكرية، أو إلى أداة ردع تُستخدم في ملفات معينة وتُجمّد في ملفات أخرى. وهنا يصبح الاحتلال واقعاً طويل الأمد، لأن كلفته تبقى منخفضة سياسياً. يقال أحياناً إن الظروف الدولية لا تسمح، وإن موازين القوى مختلة. فالعالم تحكمه مصالح كبرى. لكن السؤال الأعمق: هل يُبنى القرار على ما يرضي القوى الكبرى، أم على ما يحقق الواجب الشرعي ويحفظ كرامة الأمة؟ إن تحقيق الواجب الشرعي هو على رأس سلم الأولويات وأعلى قيمة يجب تحقيقها، والإرادة السياسية يجب أن تكون في إطار هذا الواجب، والتاريخ يعلمنا أن موازين القوى ليست ثابتة، بل تتغير حين توجد إرادة سياسية حقيقية. في الإسلام، تحرير الأرض المحتلة واجب، لأنه يتعلق بحماية دار الإسلام وأهلها. وتأخير الواجب مع القدرة عليه ليس أمراً عابراً، بل مسؤولية يُسأل عنها من يملك القرار. والمقصود هنا هو التأكيد على أن الأصل في السياسة الإسلامية هو إزالة الاحتلال، لا التعايش معه كأمر واقع دائم. رمضان يعيد ترتيب المعاني. هو شهر بدر، حيث لم ينتظر المسلمون توازناً مثالياً للقوى. كانوا قلة، لكنهم تحركوا ضمن ما يملكون من قدرة. وهو شهر فتح مكة، حيث استُخدمت القوة لتثبيت الحق ومنع الانتقام. الفكرة ليست في استنساخ أحداث تاريخية، بل في استحضار المبدأ: القوة في الإسلام مرتبطة بالعدل والتحرير وحمل الإسلام للعالم، لا بالإدارة الباردة للأزمات. اليوم نرى فصلاً متعمداً بين القوة وغايتها. تُدرَّب الجيوش على حماية الحدود، لكن تُحصر القضية الفلسطينية في إطار تفاوضي طويل. تُعقد صفقات تسليح ضخمة، لكن لا يُربط ذلك بخطة واضحة لإنهاء الاحتلال. يُرفع شعار الأمن القومي، لكن يُفهم غالباً في إطار حماية الاستقرار الداخلي، لا حماية الأمة من عدوان خارجي مستمر. غزة ليست مجرد مساحة جغرافية محاصرة، بل مرآة تعكس طبيعة النظام السياسي في المنطقة. هل هو نظام يرى نفسه جزءاً من أمة واحدة، أم كيانات منفصلة تحسب كل خطوة بمعيار المصلحة القطرية الضيقة؟ طالما بقيت الإجابة الثانية هي الحاكمة، سيبقى الفصل قائماً بين القوة وغايتها. رمضان فرصة للتذكير بأن الجهاد في الإسلام ليس شعاراً، بل حمل للإسلام رسالة هدى ونور للناس كافة، وسياسة تحرير منضبطة بأحكام الشرع. ليس اندفاعاً غير محسوب، ولا بيانات عاطفية، بل رؤية واضحة تجعل القوة في خدمة الحق. حين تعود الغاية إلى موقعها الصحيح، يصبح للسلاح معنى، وللجيش دور، وللسياسة اتجاه، فالسيادة للشرع والسلطان للأمة والجيوش للجهاد. المشكلة إذن ليست في أن الأمة لا تملك ما تدافع به، بل في أن ما تملكه لم يُربط بعد بهدف واضح لحمل الإسلام وتحرير الأرض وإنهاء الظلم. وحين يتغير هذا الرابط، سيتغير المشهد كله، لأن الإرادة السياسية إذا تحررت، أعادت توجيه كل الإمكانات نحو غاية واحدة: أن لا يبقى احتلال مفروض على أرض إسلامية دون مواجهة حقيقية. هذا ما ستفعله قريبا دولة الإسلام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
Recommended Posts
Join the conversation
You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.