اذهب الي المحتوي

Recommended Posts

تلخيص كتاب سرعة البديهة - الحلْقةُ الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

تلخيص كتاب سرعة البديهة - الحلْقةُ الأولى

 

 

سرعة البديهة وإن كانت تعني بالأصل سرعة الإدراك أو سرعة التفكير ولكنها تعني سرعة الحكم على الشيء الذي واجهك بناء على سرعة الإدراك، فالبديهة تعني الإدراك الفطري أو الإدراك الطبيعي، لأنه لا يحتاج إلى تأن وإعمال ذهن. وسرعة البديهة تأتي من سرعة التفكير بغض النظر عن هذا التفكير، سواء أكان عميقا أم مستنيرا أم عاديا، فالمهم هو السرعة، فسرعة البديهة تنافي التفكير البطيء ولكنها لا تنافي التفكير العميق ولا التفكير المستنير. 

 

إن خوض معترك الحياة يقتضي النجاح فيه أمران، أحدهما: سرعة إصدار الحكم على الأشياء واتخاذ الإجراء المقتضى إزاءها، والثاني هو أن الفرص التي تسنح للمرء في معترك الحياة هي التي تجعله ينتقل من عليٍّ إلى أعلى بسرعة فيقطع بذلك مسافات، فإذا لم يغتنم هذه الفرص ضاعت عليه. وعدم وجود سرعة البديهة يحرم الإنسان من الانتفاع بالفرص، وإذا كان التعليم والتفكير من حيث هو إنما هو من أجل النجاح في معترك الحياة فإن هذا وأمثاله لا قيمة له إذا لم تصحبه سرعة البديهة.

 

لقد شغل الناس جميعا في الثاني (عمق التفكير، والتروي، والانتظار) حتى أخفقوا في معترك الحياة بل أخفقوا في طرد سلطان الاستعمار ونفوذه رغم الثورات. صحيح أن التفكير أمر لا بد منه، والتروي ضروري، ولكن ذلك إنما يكون في الأمور التي تحتاج إلى درس وتمحيص، إذا لم يفت أوانه، أو إذا كان الظرف مواتياً للتفكير، أما إذا كان الظرف غير موات للتفكير، وكان التفكير يضيع الفرصة، أو يؤدي إلى الهلاك فإنه هنا لا ينقذ إلا سرعة البديهة.

 

وهناك أمور كثيرة لا تقضى بسرعة البديهة، بل لا بد فيها من التفكير. فخوض معترك الحياة هو مطابقة التصرفات لمقتضى الحال: فإن كانت تقتضي تفكيراً، استعمل التفكير، وإن كانت تقتضي سرعة البديهة اتبعت سرعة البديهة.

 

وسرعة البديهة هذه فيها ثلاثة أمور: أحدها: تعريفها أي ما هي؟ والثاني واقعها عمليا، وإن كان تعريفها أو معرفة ما هي قد يرشد إلى واقعها عملياً، ولكنه غير الواقع. أما الأمر الثالث، فهو أمثلة من الحياة عن الاثنين.

 

إن الناس قسمان: أحدهما أصحاب البحث العلمي ومن هم على شاكلتهم، وأولئك هم الذين عملهم الاشتغال في التفكير. والثاني هم عامة النّاس. وكل من القسمين يختلف وضعه عن الآخر؛ لأن من هو متعود على التفكير غير من يكون التفكير طارئا عليه، لذلك يختلف العمل في كل منهما. 

 

أما عامة الناس، ومنهم السياسيون التقليديون، فإن العمل لديهم يكفي فيه التعويد أو العادة على سرعة البديهة، فتصبح طبيعة لديهم. والمهم هنا هو سلوك التربية عن طريق طرح الأفكار على الناس بشكل جماهيري، والبعد عن التربية الفردية، والمهم كذلك مادة الحديث أو مادة الكتابة، بأن تكون فكراً، ليس محل نقاش بين السائل والناس، لأنه ليس المراد إقناعه بالفكر، بل المراد هو معرفة تصرفه. وإذا كان من المستحسن التفصيل في الطرح للأفكار فإنه مع الناس ليس مهماً، لأن الناس يأخذون الأمور ببساطة، ويفهمون ما يفهمون من الغامض والمبهم، والمهم هو جوابهم. وكثرة طروء الأشياء التي تحتاج إلى سرعة بديهة، والتمرين والعادة يساعدان على إيجاد سرعة البديهة، ولكنهما أو أيا منهما لا يوجدها.

 

أما إيجادها لدى الذين يعملون الفكر، وذلك أن يُحث هؤلاء على سرعة البديهة، فسرعة البديهة مع كونها من الأمور العميقة والتي يصح أن تدخلها الفلسفة والتفكير، ولكنها في نفس الوقت من الأمور الآلية أي تدخل في الفلسفة الآلية (الفلسفة الآلية أو التفكير الآلي: هي فلسفة الشيء الظاهر ، وتعريف الواضح غير المحتاج للتوضيح)، ولأن هؤلاء يعملون بالفكر، فتنشأ لديهم من هذه العادة اللجوء إلى التفكير في حل كل مشكلة، ولذلك ينشأ عندهم بطء التفكير، فإذا قيل لهم لا بد أن تكون لديهم سرعة البديهة، يسرعون في التفكير. ولا يحتاج منهم إلى معاناة أو أشياء جديدة، بل هم أنفسهم يعملون بالفكر وفي الفكر، فلا يحتاجون إلى شيء.

 

فهذه السرعة في التفكير هي نفسها سرعة البديهة، وهذه السرعة نفسها حين لا تصطدم بحائط، أو بمعوق تنتج فوراً الحكم على الشيء بسرعة، فيعرف حينئذ أن ذلك هو سرعة البديهة، وحين تصطدم بحائط أو بمعوقات يعرف حينئذ أنها من النوع الذي يحتاج إلى درس وتمحيص.

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تلخيص كتاب سرعة البديهة - الحلْقةُ الثانية

 

 

الذكاء وسرعة البديهة

 

الذكاء وإن احتاج إلى تعريف، ولكنه مثل كلمة سرعة البديهة، فإنه قد يكون من النوع الذي يحتاج إلى تعريف، وقد يكون من النوع الآلي. وجعله كله من النوع الآلي أفضل، وإن كان يستحسن تعريفه لأنه قد يكون مفيداً. لهذا فإننا ولو عرفنا الذكاء، ولكننا نبقى عند حد كونه آلياً، وأكثر الناس يميزون الذكي من غير الذكي.

 

والذكاء هو سرعة الإحساس وسرعة الربط. فالعقل هو نقل الواقع إلى الدماغ بواسطة الحس، ومعلومات سابقة تفسر هذا الواقع. فسرعة الحس تعني سرعة نقل الواقع إلى الدماغ، والمعلومات السابقة تعني الربط، وعلى هذا فالذكاء هو سرعة البديهة. لهذا فلا حاجة لعلاج بالغي الذكاء. فيبقى العلاج لباقي الناس أي لعامة الناس وأكثر الناس، وهؤلاء لديهم الذكاء الكافي لسرعة البديهة، والأمر معهم يحتاج إلى علاج، وعلاج سرعة البديهة يعالج سرعة الإحساس وسرعة الربط، فوجود الذكاء من حيث هو ضروري لإيجاد سرعة البديهة، وانعدام الذكاء ينعدم معه العمل لإيجاد سرعة البديهة. 

 

والذين يطلب إليهم في العلاج أن يكونوا سريعي البديهة، والذين يدربون على سرعة البديهة بالأسئلة، كل منهم لديه ذكاء، فيستعمل هذا الذكاء في العلاج، إما باستعمال الشخص نفسه لذكائه، أو بجعل الأسئلة التي تلقى على الشخص من النوع الذي يمس الذكاء. والحقيقة أنه في كلا الحالين يكون الشخص نفسه استعمل ذكاءه، إلا أنه قد يستعمل هذا الذكاء دون مؤشر أو مؤثر، وقد يستعمله بمؤشر أو مؤثر. واستعمال الذكاء هو الأساس في سرعة البديهة.

 

كيف يمكن استعمال الذكاء؟ الجواب عليه هو لما كان الذكاء هو سرعة الإحساس وسرعة الربط، فالخطوة الأولى نحو استعمال الذكاء، ألا وهو الإحساس، وسرعة هذا الإحساس إنما تأتي من الانتباه إلى الشيء المحس. أما سرعة الربط، آتية من استعمالك لمعلوماتك السابقة، فسرعة الإحساس التي جاءت من الانتباه هي السبب في إيجاد الربط، وبالتالي سرعة الربط.

 

 قد يقال أن الخطر هو الذي يسرّع بالربط، والجواب على ذلك هو أن الخطر يدفع للإجراء الذي ينبغي أن تتخذه وليس دافعاً لسرعة الربط، فالإسراع في الربط سببه أن الواقع الذي أمامك يحملك على الربط، وهذا هو الذي أوجد الإسراع. ولذلك يقال أن سرعة البديهة هي استعمال الذكاء أو هي نتيجة لاستعمال الذكاء.

 

إن المفاجآت لا بد من اتخاذ إجراء تجاهها، وهذا الإجراء يتوقف نفعه أو ضرره، أو مجيئه في وقته ومحله، أو تأخيره عن وقته ومحله، على واقعه، فلأجل تصحيح هذا الإجراء وجعله إجراء سليماً كان لا بد من إيجاد سرعة البديهة.

 

 سرعة البديهة لدى الناس تختلف باختلاف ما لديهم من ذكاء قوة وضعفاً، بل يختلف إيجاد سرعة البديهة لديهم باختلاف ما يتمتعون به من ذكاء، فالذكاء هو الأصل، ولكن نفس الإجراء وإن كان الدافع إليه هو سرعة البديهة، أو استعمال الذكاء، فإنه بحاجة ماسة إلى الذكاء، فكما أنه ضروري في سرعة البديهة (وضروري في استعمال الذكاء) فكذلك هو ضروري في اتخاذ الإجراء. 

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تلخيص كتاب سرعة البديهة - الحلْقةُ الرابعةَ

 

 

المشكلة: 

 

المشكلة الآن ليست كيف نوجد التفكير، فإن التفكير موجود عند الناس فطرة بشكل طبيعي، يبقى موضوع المعلومات السابقة، وموضوع وجود الواقع الذي ينقله الإحساس إلى الدماغ.

 

أما الوقائع فهي كثيرة ومتوفرة، فأولا بفضل الحياة، ذلك أن المعلومات السابقة التي تفسر هذا الواقع ثرة وكثيرة، واستعمالها أمر متوفر ومتيسر، فالتفكير موجود ولا يسبب ذلك أية مشكلة، بل المشكلة كلها هو الاستعمار الغربي، ذلك أن الغرب وقد عرف من دراسته ووعيه أن التفكير موجود فصار همه أن يعطله، أو كيف يجعله غير منتج.

 

فالمشكلة هي أن التفكير أصبح ضاراً، فالإنسان غير الغربي يفكر ولكنه يسرف في التفكير ويفرط فيه، فنشأ عن ذلك أمران: أحدهما: أنه صار يفكر في الآليات يفلسفها، فيخرج هذه الأشياء عن طبيعتها، هذا في الماديات وكذلك في المعنويات، فالضرر في التفكير هنا إنما أتى من شموله وجعله يشمل كل شيء، ويشمل مما تشمله الآليات. أما الثاني، فهو أن شمول التفكير كل شيء، شمل ما شمل سرعة البديهة، أو أوجد فيما أوجد التفكير البطيء، وهو الأصل، وهو الذي تبلور الذوق عليه، وما دام كذلك فإن كل شيء لا بد له من الدراسة والتمحيص، لذلك صارت سرعة البديهة مكروهة.

 

فالمشكلة هي كيف نزيل الضرر عن هذا التفكير؟ والجواب على ذلك هو أولا وقبل كل شيء أن نعرف أن الغرب هو عدو، وأن أفكاره، جميع أفكاره، فيها شك، فالشك في كل ما أتى من الغرب هو الأصل، لذلك فإن الخطوة الأولى التي يجب أن نخطوها هي الشك في الغرب، وفي كل ما يصدّره لنا، حتى لو كان يصدّره لنفسه، لأنه قد يضحي بنفسه في سبيل تضليلنا. 

 

فلا بد أن نشك في هذا الحث على التفكير، فلماذا يحث عليه وهو - أي التفكير- أمر طبيعي وفطري في الإنسان؟ إن المراد من الحثّ قدسية التفكير، وجعله غاية، وتجريده من العاطفة، مع أن الإنسان هو عقل وعاطفة، إلا أن قائد المسيرة هو العقل وليس العاطفة، ومتى وصلنا إلى ذلك عرفنا القصد من حثه على التفكير، ففوتنا عليه غرضه، ولم ننبذ العاطفة والمشاعر، بل أبقيناها، ولكن جعلنا مكانها حيث هي. 

 

وناحية أخرى من حثه على التفكير ومن جعله شاملا هو أن نفكر في كل شيء، وهذا يعني أن نفكر في كل شيء تفكيرا بطيئا، وبالتالي إلى ترك سرعة البديهة، وحينئذ تقع المشاكل السريعة، فلا نستطيع حلها، ونفوت الفرص النادرة. أما شمول التفكير، فإنه علاوة على كونه يذهب سرعة البديهة، فإنه كذلك يجعل التفكير الآلي أو الفلسفة الآلية محل بحث.

 

لذلك كانت المشكلة ليست في التفكير، بل المشكلة هي إزالة الضرر عن التفكير، وذلك بجعله تفكيراً عاديا يسرع حين يحتاج الأمر إلى السرعة، مثل سرعة البديهة، ويبطئ حين يحتاج الأمر إلى إبطاء مثل معنى العقل. 

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تلخيص كتاب سرعة البديهة - الحلْقةُ الخامسة

 

 

حقيقة المشكلة:

 

حقيقة المشكلة هي أن التفكير صار بطيئاً بشكل طبيعي، والعلاج هو الخلاص من هذه المشكلة، فالتفكير البطيء هو المشكلة، وكونه صار عادة، وصار طبيعياً، أصبح هو المشكلة في حقيقتها. فالتفكير البطيء هو الأصل عند الناس، حتى فقدوا سرعة البديهة، وإذا جاءت إنما تأتي ساعة الخطر، ولا يتأتى أن تتخذ إجراء بناء على سرعة البديهة، وقد نحتاج إلى إجراء، وقد لا نحتاج. لذلك فإن سرعة البديهة لا بد أن تكون دائمية وفي كل شيء، فلا يصح أن تكون ساعة الخطر فقط، بل يجب أن تشمل جميع الحالات. 

 

لهذا صار التفكير البطيء هو المشكلة، أو هو حقيقة المشكلة، فالمشكلة ليست سرعة البديهة، وإن كانت هي أبرز ما ترتب وما بلي به الناس. 

 

وما دام قد ثبت أن المشكلة ليست سرعة البديهة، بل هي نتيجة المشكلة، فيجب أن يكون العلاج منصباً على المشكلة لا على نتائجها، وهي بطء التفكير، وعلاجها يقضي بمعالجة السيطرة على الناس، سواء سيطرة الغرب أو سيطرة أفكاره. صحيح أن سيطرة الغرب على البلاد، وسيطرة أفكاره على الناس هو الأساس، ولكن هذا الأساس لا يحتم أن المشكلة لا تعالج إلا بزواله، بل يمكن أن تعالج وهو موجود، وذلك بمعالجة التفكير نفسه، ونقله من البطء إلى السرعة. فالسيطرة وإن كانت الأساس، ولكن السيطرة لا تكون من غير مفاهيم الشعب، فمفاهيم الشعب هي التي تديم السيطرة أو تقصر أجلها. ويجب أن تسير الأمور نحو المشكلة، وهي إيجاد سرعة البديهة، وذلك عن طريق الشعب، لا عن طريق السيطرة، أي عن طريق تغيير المفاهيم نحو أشياء الحياة، لا عن طريق تغيير السيطرة.

 

علاج المشكلة: 

 

البطء آت من سيطرة الغرب على البلاد، وسيطرة أفكاره على الناس. لذلك يتبادر للذهن أن معالجة الأساس هذا هو علاج المشكلة، لكن عند إمعان النظر يلاحظ أمران: أحدهما: أن هذا تبسيط للمشكلة، والثاني: أن هذا يعني الهروب من حل المشكلة.

فجعل العلاج ينصب على الأساس، يعني أن زواله يزيل البطء، وهذا وإن كان صحيحا على الإجمال، ولكنه يحتاج إلى معاناة، ووجود المعاناة أمر ضروري حتى لو زال الأساس، فالمعاناة هي التي تؤدي إلى زوال ما تركه الأساس، فالمعاناة هي العلاج.

 

أما كيف تنصب هذه المعاناة: 

 

أولاً: لا بد من عرض أشياء كثيرة على الشعب وعلى الأفراد، ليفكروا بها، ومن خلال تفكيرهم يمكن أن يلاحظ البطء في التفكير، فهذه الملاحظة أو الإحساس بالبطء تكون نقطة الابتداء بالعلاج، فهذا البطء في التفكير هو الظاهرة البارزة عليهم جميعاً، نأخذ الظاهرة العامة عليهم جميعاً، ونقبض عليها، ونمسك بتلابيبها فنهاجمها بشكل عنيف، فإذا كرهوا البطء في التفكير، أي كرهوا التحليل البطيء، ظهر عليهم ميل إلى السرعة. 

 

ثانياً: لا بد من متابعة هذا العرض، والإمعان في المتابعة، حتى يظهر على الناس أو على الأفراد ملل من هذه المتابعة، فلا يصح أن يبقى متابعاً حتى يمل جميع الناس دون أن يحس أو يشعر بذلك، ولا يقطع المتابعة بمجرد أن صرح بذلك أفراد من الأذكياء، بل يجب أن يتابع حتى يحس أن المتابعة لم تعد تجدي. 

 

ثالثاً: أن ينوع هذه المتابعة، على أن تكون مما فيه تفكير، لا أشياء آلية، كالمغامرة والكرسي. 

 

رابعاً: أن يكون في حالة وعي عند طرح الأشياء عليها، يكون تدبره هذا، أي وعيه وسيلة لصحة الأحكام التي يصدرها. 

 

أما من الذي يعالج؟ فإن كل فرد من الناس يمكنه ذلك، مع الناس أو مع نفسه.

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

تلخيص كتاب سرعة البديهة - الحلْقةُ السادسة

 

 

المعاناة وسرعة البديهة

 

 إن المعاناة تعالج بطء التفكير، أي تعالج سرعة البديهة، إلا أن المعاناة التي تعالج بطء التفكير لا بد أن يضاف لها شيء حتى تعالج سرعة البديهة، ألا وهو بيان ما يطرح من دلائل على وجود سرعة البديهة فيه. فسرعة البديهة ناجمة عن سرعة الإدراك، ولا يمكن أن تأتي إلا من سرعة الإدراك، أما سرعة الإدراك فلا ضرورة لأن تؤدي إلى سرعة البديهة. 

 

ومن هنا كان الجهد منصباً على إيجاد سرعة الإدراك عند الناس، ولكن سرعة الإدراك هذه قد تنتج سرعة البديهة وقد لا تنتج، لذلك لا بد من إضافة أشياء أخرى لإنتاجها ألا وهي إضافة شيء لما يطرح، ألا وهو بيان ما فيما يطرح من أمور تدرك فعلاً. وعلى ذلك فإن المعاناة وإن كانت توجد سرعة التفكير، ولكنها لا توجد سرعة البديهة حتماً.

 

أما في إيجاد سرعة البديهة، وفي جعل سرعة البديهة مثمرة، ومنتجة، لا بد من إضافة شيء آخر إليها، وهو لفت النظر إلى ما يطرح، أما بيان نقصه، أو بما فيه هو من أمور خفية.

 

ما ينبغي فعله أولاً

 

تقديس التفكير أمر مستحب بل واجب، لأنه قيمة من أعلى القيم، ولأجل أن لا نقضي على انشغال الناس بالتفكير، ولا نقضي على تقديسهم التفكير، لا بد من فعل شيء، هو إيجاد أشياء إلى جانب التفكير. فمثلاً نوجد إلى جانب انشغال الناس بالتفكير إعطاء هذا التفكير واقعه، أو واقع ما يفكر فيه، فلا يفكر بالآليات. وبذلك لا نقضي على الانشغال بالتفكير، ولا نقضي على تقديس التفكير كتفكير، بل نضعه في مكانه. 

 

ومثلاً: جعل التفكير سائرا بحسب ما يفكر فيه، فإن كان مما ينبغي السرعة فيه فإنا نوجد السرعة، وذلك بالمعاناة، وإن كان مما يوجب البطء فيه فليكن البطء، فنعطي التفكير أن يسير بحسب ما يفكر فيه، لا بحسب ما نريده منه. أي أن تكون النفوس ليست مشغولة بالتفكير، وليست مقدسة للتفكير، وذلك قبل كل شيء لا بد أن يؤدى بشكل لا يصرف عن التفكير والانشغال به، ولا يخفف أو يقضي على قداسة التفكير.

 

فإذا أريد العلاج: علاج التفكير وعلاج سرعة البديهة، فلا بد من التركز على العاطفة وعلى مركزها وعلى أثرها. فانصراف الإنسان إلى العاطفة يجعله سائرا في الحياة دون ضابط، وانشغال المرء بالتفكير وحده، أو بالعقل وحده يفقده القدرة على الصمود في الحياة، لأن العاطفة هي المحرك، والعقل هو الموجه. فالمشكلة ليست بانشغال الناس في التفكير، ولا بتقديسهم له، بل المسألة هي بإرجاع العاطفة إلى مركزها. أي أن إهمال العاطفة: هو إهمال للعقل؛ لأنه بدون العاطفة لا ينتج، فهو وإن لم يهمل ولكنه صار لا ينتج، لذلك كان أول ما يجب فعله هو الانشغال بالعاطفة إلى جانب الانشغال بالتفكير.

 

المعاناة وسرعة البديهة

 

إن سرعة البديهة في الشيء الواحد أو في حادثة معينة، لا بد أن تكون ذاتية، وأن تكون لدى الشخص القدرة على فهم الحوادث والأحداث، لذلك فإن المعاناة توجد فكرة سرعة البديهة، ولا توجد سرعة البديهة نفسها، فسرعة البديهة شيء يتعلق بسرعة التفكير وسرعة الإدراك للشيء وللحادثة مع وجود فكرة سرعة البديهة عند الشخص.

 

سرعة البديهة لا بد أن تكون ذاتية لدى الناس، وحتى تصدر ممن لديه فكرتها، لا بد من ملاحظة أمور وأوضاع معينة في حادثة معينة، فما سبق أن بحثناه من العمل لإيجاد سرعة البديهة، إنما هو العمل لإيجاد فكرتها أو الاستعداد لها. فما نشكوه ليس فقدان سرعة البديهة فقط، بل إن ما نشكوه هو عدم وجود فكرتها كلياً، وعدم وجود الاستعداد لها، فالعمل هو لإيجاد فكرتها وإيجاد الاستعداد لها، ثم بعد ذلك يترك للملاحظة والوقائع والحوادث والصيغ أن تبعث على إيجادها.

 

واقع ما هو موجود فعلاً:

 

الواقع هو وجود التفكير البطيء، وهذا وحده غير كاف لإماتة فكرة سرعة البديهة، فلا بد من إماتة فكرة الدرس والتمحيص بشكل عام. فالتربة هي أن تكون النفس مهيأة للعلاج، مدركة لخطر المرض، والمناخ هو أن يوجَد رأي عام في ذلك. فالموضوع في أساسه هو النظرة إلى أشياء الحياة، فإذا كانت النظرة هي أن كل شيء يحتاج إلى رأي ودراسة وتمحيص، فإن سرعة البديهة، أي سرعة التفكير لا يمكن أن توجد ولا بحال من الأحوال.

 

النفوس لا يصح أن تصرف عن التفكير، بل يجب أن توجه إلى سرعة التفكير. فإن كانت الظروف تقتضي الدرس والتمحيص لا بد من الدرس والتمحيص، وإن كانت الظروف تقتضي ذلك، لا يصح أن يفكر بالدرس والتمحيص، بل ينتقل إلى سرعة العمل من جراء سرعة البديهة في الإدراك، لذلك كانت الظروف هي الحكم. 

 

يجب أن يوجَد عند الأذكياء حب السرعة في التفكير، بل يجب أن يتعودوا على سرعة التفكير، وهم بطبيعة ذكائهم ميالون للسرعة في التفكير والسرعة في الحكم. فيقال لهم أن كل فكر لا بد من السرعة فيه، فهم يعاملون معاملة خاصة. 

 

والحاصل يؤخذ المجتمع ككل وينزع منه فكرة الدرس والتمحيص، وذلك عن طريق ضرب الأمثلة في كل ما يحتاج إلى درس وتمحيص، وما لا يحتاج إليه، وإذا كان ذلك في الشيء الواحد في حالتين مختلفتين يكون أحسن.

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تلخيص كتاب سرعة البديهة - الحلْقةُ السابعة

 

 

حقيقة سرعة البديهة

 

حقيقة سرعة البديهة هي سرعة الإدراك للكلام أو للعمل، أو لأي شيء، وسرعة الحكم عليه بأنه كذا، فهذه السرعة بالإدراك وبالحكم هي سرعة البديهة. وقد يتبادر للذهن أن سرعة الإدراك هي سرعة الحكم، ولكن الواقع هو أن سرعة الإدراك تهيئ للحكم وليست هي الحكم. فإذا حصل الحكم حصل العمل، وحصل كل شيء، فالأصل والنتيجة هو الحكم وليس الإدراك. فحقيقة سرعة البديهة هي سرعة الإدراك وسرعة الحكم، بحيث تكون سرعة الإدراك مهيأة للحكم أو لسرعة الحكم، ولذلك لا بد أن تكون متقدمة عليه ولا تكون متأخرة عنه، ولا يستغني عنها الحكم. فإذا كان لا بد من الإدراك، فكذلك لا بد من الحكم، فإذا وجد الإدراك وجد الحكم حتماً، فالأصل هو الإدراك. 

 

أثر سرعة البديهة في الأمة

 

الأمة عبارة عن مجموعة من الناس تجمعها عقيدة واحدة انبثق عنها نظامها. والشعب وإن كانت القومية أو القبلية تجمع أفراده، والكيان الذي لهم هو خير جامع، فإن سرعة البديهة وإن كانت توجد بين أفراده، ولكنها لا توجد للشعب ولا للكيان، لأنه لا مفهوم للشعب، إذ لا مفهوم للقومية ولا للقبلية حتى تكون لها أشياء تنبثق عنها؛ لأن الذي لا ينبثق عنه مفاهيم، تكون نظاماً للحياة، لا يمكنه أن يعطي جميع الناس بأسلوب واحد، لأنه يختلف فهمهم للشيء، ولذلك لا أثر لسرعة البديهة لدى الشعوب، ولا لدى الكيانات، لأنّه وإن كان لها نظام، ولكنه لا ينبثق عن المفهوم العام. ذلك أن الكلام أو العمل يتجه نحو مفهوم لرفع الضيم أو التخلص من الخطر، وهذا المفهوم هو الذي تحصل فيه سرعة الإدراك وسرعة الحكم، فالمفهوم هو الذي يحمل على الإدراك، وهو الذي يوجد له أثر، لهذا لا بد لتربية سرعة البديهة وإيجاد أثر لها، أن يكون ذلك في أمّة وفي أفراد من الأمة، أي لا بد أن يرجع إلى مفهوم منبثق عن عقيدة جازمة.

 

أما ما يشاهد مما يطلق عليه البعض سرعة البديهة، في كيانات مثل الأقاليم المنفصلة، فإنه سرعة ملاحظة، وليس سرعة بديهة؛ لأن سرعة البديهة هي سرعة الإدراك وسرعة الحكم على شيء مرتبط بمفهوم منبثق عن عقيدة جازمة. 

 

والغرب حين أدرك أن الأمة الإسلامية تجمعها عقيدة، فإنه حاول فصل المفاهيم عن العقيدة، ومع الزمن فصل بعض المفاهيم، فصارت سرعة البديهة غير معني بها. فحتى نعيد للنفوس سرعة البديهة، لا بد من إحياء المفاهيم ووصلها بالعقيدة، أي لا بد من ربط العقيدة بمفاهيم الحياة، وحينئذ توجد سرعة البديهة عند النّاس. 

 

فسرعة البديهة، وهي سرعة الإدراك وسرعة الحكم، يكون أثرها في الأمة بمقدار فهم الأمة للمفهوم، وفهم الأمة للمفهوم وتركيزه في نفسها يكون بربطه بالعقيدة. لذلك فإن هذه الأشياء فيها سرعة الإدراك، وسرعة الملاحظة، أي فيها سرعة البديهة، وهي إذا لم تربط في الأساس الذي تقوم عليه الحياة، أي إذا لم تربط بالعقيدة، كان فيها سرعة الملاحظة فقط، فحتى توجد فيها سرعة البديهة لا بد أن تربط بأساس الحياة.

 

إنّ تأثير سرعة البديهة إنما يكون في الأمة التي تجمعها عقيدة واحدة، ولا يكون بالشعب، وفي الشعب، لأنه يكون سرعة ملاحظة فقط لا سرعة بديهة، وعلى هذا فإن تأثير سرعة البديهة إنما يكون في الأمة لا في الشعب، وإذا كان في الشعب، أي لم يربط بالعقيدة التي تجمع الناس، فإنه يكون سرعة ملاحظة فقط ولا يكون سرعة البديهة، وعلى ذلك فإنه إذا أريد التأثير في إيجاد سرعة البديهة لدى الناس، فيجب أن يكون ذلك في الأمة لا في الشعب، ولا يكون له أي تأثير إذا لم يكن هناك جامع.

 

وهذا هام جدا من ناحيتين: الناحية الأولى، هي كونه يلزم عند العمل لإيجاد سرعة البديهة، والناحية الثانية: ناحية التأثير في الناس، ذلك أن التأثير إنما يكون بإدراك شيء قد أملاه الجامع في الأمة، أو انبثق عنه، أي أملته العقيدة التي تجمع الناس.

 

لكل هذا كان الإدراك سرعة ملاحظة لا سرعة بديهة، لأنه لم يربط بالعقيدة وما ينبثق عنها لتعرف قصده، وإنما نجم عن معرفتك قصده من واقع الحال، لذلك كان سرعة ملاحظة لا سرعة بديهة. هذا علاوة على أن معرفة القصد من غير العقيدة وما ينجم عنها أو ينبثق عنها هو معرفة ناقصة؛ لأنها خالية من الربط بما يجمع بينك وبينه من عقيدة. 

 

والحاصل أن تأثير سرعة البديهة في الناس تأتي من سرعة إدراكهم للواقع مع ربطه بالعقيدة، وما ينبثق عنها، فإدراكهم للواقع وحده يعطي سرعة الملاحظة، ولكن ربطه بالعقيدة هو الذي يعطي سرعة البديهة. 

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تلخيص كتاب سرعة البديهة - الحلْقةُ الثامنة والأخيرة

 

 

الفرق بين سرعة البديهة وسرعة الملاحظة

 

سرعة الملاحظة هي أن تفهم قصد القائل أو الفاعل بسرعة، وسرعة البديهة هي أن تفهم قصد القائل أو الفاعل بسرعة. ولكن الفرق بين الاثنين هو أنك في سرعة البديهة تفهم قصد القائل من كلامه، ولكن كلامه أو فعله فيه عدة دلالات، فتفهم واحدة منها، فهذه سرعة البديهة. أما سرعة الملاحظة فإن القائل أو الفاعل يعمي كلامه، ولكن لا يقصد إلا شيئاً واحداً فتفهمه، ففهمك له هو سرعة ملاحظة وليس سرعة بديهة. فتعمية الكلام أو الفعل يؤدي إلى سرعة الملاحظة، أما تعمية القصد فإنه يؤدي إلى سرعة البديهة. فكلا الأمرين: سرعة البديهة، وسرعة الملاحظة، لا يمكن أن يوجدا إلا من سرعة التفكير، ولذلك لا يوجدان إلا عند الأذكياء.

 

كيفية إيجاد سرعة البديهة

 

سرعة البديهة إما أن يعمل لإيجادها بالأفراد، أو يعمل لإيجادها في الأمة. فالعمل لإيجادها بالأفراد يوجدها فيهم ولكن لا يوجدها في الأمة، أما العمل لإيجادها في الأمة فإنه يوجدها في الأفراد حتماً، لأن الأمة في مجموع الأفراد بجامع العقيدة التي ينبثق عنها نظام للحياة. 

 

وإيجاد سرعة البديهة في الأمة، يبدأ بنقل العقيدة من كونها مجرد بحث أساس، إلى كونها فكرة سياسية، أو فكرا سياسياً، ويسير حتى يصل إلى أن ما ينبثق عنها من أحكام وما يبنى عليها من أفكار، إنما هو فكر سياسي، ومتى وصلنا إلى هذا نبدأ بسرعة الإدراك. 

 

فأولا لا بد من البدء بجعل العقيدة فكراً سياسياً، ثم بجعل الأفكار التي تبنى عليها فكراً سياسياً. لذلك كان إيجاد سرعة البديهة من الأحكام الشرعية، أي مما ينبثق عن العقيدة أسهل وأقرب منالاً. فما عليك إلا أن تجعل لديهم الفكرة أن هذا حكم شرعي، وأن ما ينبثق عن العقيدة يجب التقيد به، كما يجب التقيد بالعقيدة، لأن الإيمان والكفر إنما يكون بالتقيد بأحكام الشرع أو عدم التقيد بها. يبقى الأمر الثاني، وهي إيجاد سرعة الملاحظة، أو الإدراك السريع للواقع وما يدل عليه. فسرعة البديهة لا بد من إيجادها، ولا بد أن يكون هذا الإيجاد على أساس الإسلام، فالرأي الإسلامي أولاً، ثم جعله رأيا سياسيا ثانياً. ثم إيجاد سرعة البديهة. فنحن نقبل فقط الرأي الإسلامي، وما عداه لا نقبله ولا نشتغل به.

رابط هذا التعليق
شارك

  • 2 weeks later...

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل
×
×
  • اضف...