اذهب الي المحتوي

مقالات من المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير - متجدد


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ما الذي يخفيه ترامب؟ وهل أُجبر على السلام مع إيران؟

 

في السياسة الدولية، لا تكون الحروب دائماً وسيلةً لتحقيق نصر عسكري حاسم، بل قد تتحول في أحيان كثيرة إلى أداة لإعادة ضبط موازين القوى وفرض شروط تفاوضية جديدة. ومن هذا المنظور يبرز سؤال جوهري بعد الاتفاق الأمريكي-الإيراني الأخير: إذا كانت الملفات التي اندلعت المواجهة بسببها ما تزال مفتوحة، فما الذي حققته واشنطن فعلياً؟ وهل كان الاتفاق تعبيراً عن انتصار استراتيجي أم مخرجاً اضطرارياً فرضته حسابات الداخل الأمريكي؟

 

عند بدء التصعيد، طُرحت أهداف واضحة تمثلت في منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، وتقليص نفوذها الإقليمي، والحد من برنامجها الصاروخي، ودفعها نحو تغيير سلوكها السياسي. غير أن متابعة المشهد بعد إعلان الاتفاق تكشف أن أياً من هذه الملفات لم يُحسم بشكل نهائي. فالبرنامج النووي الإيراني لم يُعلن عن إنهائه، والقدرات الصاروخية ما تزال قائمة، والنفوذ الإقليمي لطهران لم يتراجع بصورة حاسمة، فيما بقيت الملفات الكبرى معلّقة بانتظار جولات تفاوضية لاحقة.

 

هذا الواقع يطرح سؤالاً مباشراً: إذا كانت الحرب أو الضغوط القصوى لم تحقق أهدافها المعلنة، فلماذا جرى الانتقال إلى اتفاق، ولو مؤقتاً؟

الإجابة لا تكمن في طهران وحدها، بل في واشنطن أيضاً.

 

فالسياسة الخارجية الأمريكية كثيراً ما تكون امتداداً لحسابات الداخل. فالرئيس الأمريكي، أياً كان، لا يستطيع تجاهل الاقتصاد، والرأي العام، والانقسامات السياسية الداخلية. ومع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، بدأت تتزايد المخاوف من انعكاساته على الاقتصاد العالمي، خصوصاً عبر ارتفاع أسعار الطاقة وما يسببه ذلك من ضغوط تضخمية داخل الولايات المتحدة. وهي ملفات شديدة الحساسية لأي إدارة سياسية.

 

إلى جانب ذلك، خرجت الولايات المتحدة من تجربتي العراق وأفغانستان وهي أكثر تحفظاً تجاه الحروب الطويلة والمكلفة. كما أن جزءاً من القاعدة السياسية الداعمة لترامب يتبنى رؤية تقوم على تقليص الانخراط العسكري الخارجي والتركيز على الداخل الأمريكي، ما يجعل أي تصعيد واسع مع إيران مغامرة سياسية عالية الكلفة.

 

من هنا يمكن قراءة الاتفاق الأخير بوصفه محاولة لاحتواء التصعيد وإدارة الوقت أكثر من كونه تسوية نهائية. فأمريكا تحتاج إلى تهدئة الجبهة الخارجية وتجنب استنزاف اقتصادي وسياسي قد ينعكس داخلياً، فيما تحتاج إيران بدورها إلى مساحة من الهدوء لإعادة ترتيب أوضاعها الاقتصادية والسياسية بعد سنوات من الضغوط المتصاعدة.

 

وبهذا المعنى، لا يبدو الاتفاق نصراً كاملاً لأي من الطرفين، ولا هزيمة حاسمة لأحدهما، بل أقرب إلى هدنة سياسية مؤقتة فرضتها توازنات القوة والظروف الداخلية للطرفين معاً.

 

لكن السؤال الأهم يظل قائماً: هل نحن أمام تسوية حقيقية أم مجرد تأجيل لجولة صراع جديدة؟

 

التجربة التاريخية تشير إلى أن كثيراً من الاتفاقات الكبرى بدأت كحلول مؤقتة لوقف التصعيد وفتح مسارات التفاوض. بعضها تطور لاحقاً إلى تسويات مستقرة، بينما تحوّل بعضها الآخر إلى مجرد استراحة بين جولات صراع أشد.

 

لذلك قد يكون من المبكر الحديث عن منتصر أو مهزوم في هذه المرحلة. فما جرى لا يبدو نهاية للأزمة بقدر ما هو انتقال من المواجهة المباشرة إلى ساحة التفاوض السياسي. أما الحكم النهائي على النتائج، فلن يتضح إلا مع ما ستسفر عنه المراحل اللاحقة من تفاوض، وما إذا كانت القضايا الجوهرية قد عولجت فعلاً أم جرى فقط تأجيلها.

 

إذا كانت الضغوط الداخلية الأمريكية قد أسهمت في دفع الإدارة الأمريكية نحو اتفاق مؤقت مع إيران، فإن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى الطرف المقابل؛ أي تلك الدوائر التي كانت ترى أن اللحظة مناسبة لحسم الملف الإيراني بصورة نهائية، وليس الاكتفاء بإدارة الأزمة.

 

ففي الصراعات الكبرى، لا يوجد اتجاه واحد داخل مراكز القرار، بل تتنافس رؤيتان دائماً: رؤية تميل إلى إدارة الصراع، وأخرى تسعى إلى إنهائه جذرياً. ويبدو أن الملف الإيراني يجسد هذا التناقض بوضوح.

 

منذ سنوات، تنظر قطاعات مؤثرة داخل المؤسسة الأمنية والسياسية في كيان يهود إلى إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأبرز. ومن هذا المنطلق، لم يكن الهدف بالنسبة لهذه الدوائر مجرد احتواء البرنامج النووي، بل إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية بما يضمن لكيان يهود تفوقاً طويل الأمد.

 

ولهذا يعتقد عدد من المحللين أن بعض الدوائر في كيان يهود كانت تفضل استمرار الضغط إلى أقصى مدى ممكن قبل العودة إلى طاولة التفاوض، باعتبار أن إطالة أمد الاستنزاف قد تفرض لاحقاً شروطاً أكثر قسوة على طهران.

 

لكن المسألة لا تتوقف عند إيران وحدها. ففي الرؤية الاستراتيجية لأمريكا وكيان يهود، يُنظر إلى نفوذ إيران بوصفه جزءاً من منظومة إقليمية مترابطة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. وبالتالي فإن إضعاف إيران يُعد خطوة ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة.

 

ومن هنا برزت خلال السنوات الماضية مشاريع متعددة تحت عناوين مثل "الشرق الأوسط الجديد" أو "إعادة هندسة المنطقة"، والتي تشترك جميعها في هدف تقليص قدرة القوى الإقليمية الكبرى على تحدي النفوذ الأمريكي وكيان يهود.

 

غير أن هذه الرؤية تصطدم دائماً بعامل حاسم: الكلفة.

 

فإنهاء الملف الإيراني عسكرياً بشكل كامل ليس عملية محدودة النتائج، بل قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية واسعة، واضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، وتدخل قوى دولية أخرى، فضلاً عن استنزاف اقتصادي وعسكري قد يتجاوز قدرة الولايات المتحدة على الاحتمال في ظل التحديات العالمية المتصاعدة.

 

وهنا يظهر جوهر الانقسام داخل دوائر القرار؛ فريق يرى أن اللحظة التاريخية مناسبة لمواصلة الضغط حتى تحقيق تحول استراتيجي جذري في المنطقة، وفريق آخر يرى أن إدارة الصراع وتخفيف كلفته خيار أكثر واقعية واستدامة.

 

وقد يعكس الاتفاق الأخير، في جوهره، انتصاراً مؤقتاً للرؤية الثانية، لكنه لا يعني انتهاء الصراع بين الاتجاهين. فما تزال الملفات الأساسية مفتوحة، والأهداف الاستراتيجية لم تتحقق بصورة نهائية، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى هدنة سياسية منه إلى تسوية نهائية شاملة.

 

ويبقى السؤال مفتوحاً: أي الرؤيتين ستفرض نفسها في المرحلة المقبلة؟ رؤية إدارة التوازنات والاحتواء، أم رؤية الحسم وإعادة تشكيل الشرق الأوسط من جديد؟

 

الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل المنطقة لعقود قادمة، أكثر مما تحدده نتائج أي مواجهة عسكرية منفردة.

 

وفي خضم هذا المد والجزر قد تستفيق شعوب المنطقة وتنتفض على حكامها وتقلب الطاولة على المخططات الغربية، فتتحرك الشعوب الإسلامية تجاه قضاياها المصيرية وتسقط زمرة الحكام الخونة الذين باعوا دينهم بعرض من الدنيا، وتغير وجه التاريخ بإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي وعدنا بها رسول الله ﷺ.

 

فيا أبناء أمة الإسلام هُبوا إلى نصرة الدين وغذوا السير مع العاملين لإقامة دولة الخلافة، فإن الأجواء مواتية، ورياح الخلافة اقتربت، فاغتنموا الفرصة أن تكونوا من رجالها وأن تكونوا من المستخلفين لا من المستبدلين.

 

قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

  • الردود 647
  • Created
  • اخر رد

Top Posters In This Topic

  • الناقد الإعلامي 2

    648

بسم الله الرحمن الرحيم

بين واشنطن وتل أبيب وطهران

هل يكشف الاتفاق حدود الخلاف أم يعيد تعريف عمق التحالف؟

 

مقدمة

 

يُقرأ الاتفاق الأمريكي-الإيراني الأخير في دوائر المراقبة والسياسة على أنه حدث يعيد ترتيب أوراق المنطقة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس حول مضامين الاتفاق بقدر ما هو حول تداعياته على العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فهل نحن أمام شرخ وشيك بين الحليفين العريقين كما تصوره عديد وسائل الإعلام؟ أم أن الخلاف المتنامي بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو ليس سوى فقاعة عابرة في بحر استراتيجي لا تتزعزع قواعده بفعل العواصف؟

 

الكيان: رهان أمريكا الاستراتيجي

 

إن هذا السؤال، في حقيقته، ليس سوى فخّ معرفي. فمن يقرأ التاريخ السياسي للعلاقة بين واشنطن وتل أبيب، يدرك أن هذه العلاقة كانت دوماً أعمق من أن تُحكم بشخص رئيس، وأطول من عمر أي حكومة عابرة. إنها ليست علاقة صداقة، ولا حتى تحالفاً عسكرياً تقليدياً؛ إنها رهان استراتيجي لم تصنعه أمريكا وحدها، بل ورثته عن التصورات الاستعمارية الغربية التي سبقتها، وخاصة عن بريطانيا التي زرعت بذور كيان يهود في فلسطين عبر وعد بلفور، ومن قبله عبر مؤتمر كامبل الذي حدد آليات تجسيد الحلم الصهيوني القاضي بإقامة "الدولة اليهودية" كما جاء على لسان تيودور هرتزل خلال مؤتمر بازل في سويسرا سنة 1897م، ثم سهلت ولادته على مدى عقود من الانتداب.

 

غير أن الولايات المتحدة، حين التقطت هذا الرهان، لم تتعامل معه بوصفه إرثاً استعماريّاً يجب حفظه، ولا كآلية لضمان استمرارية مكاسب مؤتمر كامبل فحسب، بل أعادت صياغته من جذوره، وجعلت منه مشروعاً أمريكياً خالصاً، يخضع لمنطق مصالحها، ولمشروع هيمنتها، فحوّلته إلى ركن أساسي في سياستها الشرق أوسطية، وأضفت عليه شرعية سياسية وعسكرية جعلته أكثر من مجرد كيان يفت في عضد الأمة؛ ثم مدّته بكل أسباب القوة والبقاء، حتى غدا ذراعاً أمريكيّاً فتّاكا في وجه أي مشروع إقليمي بديل، وبخاصة إذا كان أساسه الإسلام.

 

وهذا الإدراك هو ما يجعل الخلافات حول الاستيطان أو الملف الفلسطيني أو حتى البرنامج النووي الإيراني، تبقى دائماً ضمن حدود المناورة التكتيكية، لا ضمن صراع القرارات المصيرية. فالولايات المتحدة قد تختلف مع سياسات نتنياهو، وقد تنتقد توسع المستوطنات، لكنها، في اللحظة الحاسمة، تقف إلى جانب كيانها المدلل، ليس حباً فيه، بل دفاعاً عن مشروعها الحضاري نفسه في المنطقة، وهو مشروع راهنت عليه أمريكا كأحد ثوابتها الاستراتيجية ما دامت متزعمة لقيادة الحضارة الغربية الرأسمالية المحاربة لعودة الإسلام في معترك الحياة. والأعقد من ذلك في المعادلة الأمريكية، أن إيران نفسها التي ظلت لعقود تدور في فلك أمريكا وتخدم مصالحها في المنطقة، شكلت قوة موازنة قادرة على كبح جماح الكيان، ولذلك تسمح لها أمريكا كلما اقتضت مصالحها الاستراتيجية بردعه بالقدر الذي لا يشكل خطرا على وجوده.

 

كيان يهود: ليس حليفاً، بل ركيزة وجودية

 

لقد تعاقب على البيت الأبيض ديمقراطيون وجمهوريون، ومرّ الكيان بحكومات يمين ويسار، ومع ذلك، ظل في موقعه، ليس لأنه محبوب، بل لأنه ضرورة جيوسياسية. وحتى في ذروة الخلاف بين أوباما ونتنياهو حول الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، حين بلغت حدة الخطاب مستوى غير مسبوق، لم يمسّ ذلك الجوهر الاستراتيجي للعلاقة. فالجوهر لا يتزعزع بفعل العواصف السطحية.

 

ففي نظرة واشنطن العميقة، لا يمثل كيان يهود مجرد شريك عسكري، بل هو العمود الفقري لهندسة إقليمية رسمتها أمريكا بعد الحرب الباردة. إنه الحارس الأمين لحدود النفوذ الغربي، والعين الساهرة على مضيق النفط، والسد المنيع أمام أي مشروع إقليمي بديل. إنه، باختصار، النموذج الغربي المسلح في قلب الشرق الأوسط والقاعدة العسكرية المتقدمة للغرب في بلاد الإسلام.

 

إيران: إدارة الأزمة، لا إنهاء التهديد

 

في هذا السياق، يمكن قراءة الاتفاق الأخير مع إيران كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من محاولات إدارة التهديد، لا القضاء عليه. فالإدارة الأمريكية لا تعتقد - ولن تعتقد - أن إيران ستتخلى طوعاً عن طموحاتها النووية أو الإقليمية. لكنها تراهن على أن الخطر يمكن احتواؤه وتنظيمه ضمن قفص من المراقبة الدولية، خاصة وقد منيت بفشل عسكري ذريع في احتواء الأزمة أضر بصورتها وعرّض هيبتها للتآكل.

 

وهنا يتجلى جوهر التباين مع الكيان. ففي حين ترى واشنطن أن التخصيب الخاضع للرقابة والتغاضي عن بعض الصواريخ الباليستية لفترة قادمة، قد يكون ثمناً مقبولاً لتجنب حرب إقليمية، يرى قادة الكيان في ذلك خيانة للمعيار الأخلاقي، وتهديداً وجودياً لا يمكن التهاون فيه. إذ لا يكمن الخطر (في نظرهم) في امتلاك إيران السلاح النووي فحسب، بل في امتلاكها القدرة التقنية التي تسمح لها بالقفز نحو السلاح في أي لحظة تختارها. من هنا، كان البند الثامن من الاتفاق، الذي يسمح باستمرار التخصيب المدني، بمثابة شوكة في خاصرة الأمن الصهيوني؛ يُقرأ كفرصة لإيران، وتهديدٍ مبطنٍ للكيان، وبالتالي نقطة خلاف مستقبلي مع أمريكا.

 

لكن هذا الخلاف التكتيكي لا ينفي وحدة الهدف الاستراتيجي بين الطرفين: منع إيران من التحول إلى قوة نووية عسكرية. وهكذا، يبدو الخلاف في سرعة الانطلاق التي تراعي العوامل الاقتصادية وتكاليف الحرب، لا في الوجهة النهائية.

 

نتنياهو بين مطرقة الردع وسندان التحالف

 

في مواجهة هذا الواقع، يجد نتنياهو نفسه في مربع سياسي معقد. فهو لا يستطيع القبول باتفاق يرى فيه خطراً وجودياً، لكنه في الوقت نفسه يدرك تمام الإدراك أن الدخول في مواجهة مع واشنطن هو انتحار سياسي واستراتيجي. لذلك يحاول مجددا مسايرة غضب الإدارة الأمريكية وقد تعود على سيل من الانتقادات مع كل محنة من هذا النوع. إلا أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار ما يمكن تسميته بسياسة الاعتراض المحسوب: رفع سقف التصريحات، وتكثيف الضربات الأمنية ضد النفوذ الإيراني والتي قد لا تقف عند لبنان، وتكثيف نشاط الموساد في اختراق إيران وأدواتها، والتأكيد على حق (إسرائيل) في الدفاع عن نفسها، مع تجنب الوصول إلى قطيعة حقيقية مع واشنطن، وبالتالي إلى قطع حبل المساعدات العسكرية.

 

إنه نموذج نتنياهو الأثير: الصراخ في العلن، والعمل في الظل، وهو نموذج أتقنه خلال عقدين من الزمن في مواجهة الإدارات الأمريكية المتعاقبة. أما ترامب الذي وبخه ووصفه بالمجنون إثر استهداف ضاحية بيروت عشية توقيع الاتفاق مع إيران، فهو نفسه الذي أكد بعد ذلك في تصريحات لهيئة البث في كيان يهود، أن لديه علاقة جيدة مع نتنياهو، لكنه يحتاج إلى أن يكون أكثر عقلانية، مؤكدا استعداده للقائه، كما أضاف قائلا: "من المرجح أن أدعم نتنياهو في الانتخابات القادمة". (الأناضول، 2026/06/18)

 

هل يمكن لكيان يهود أن يتحرك منفرداً؟

 

هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا لو قرر الكيان توسيع عملياته ضد إيران أو ضد حزبها في لبنان بطريقة تعيد خلط الأوراق وتضع الاتفاق تحت ضغط لا يحتمل؟

 

هذا السؤال طُرح على ترامب على هامش أشغال قمة مجموعة السبع في فرنسا، فكان الجواب جاهزاً، يتضمن مقترحاً بأن يترك كيان يهود لسوريا بقيادة الشرع مهمة التعامل مع حزب إيران في لبنان، بحجة أن دمشق "ستقوم بالمهمة على نحو أفضل".

 

هذا المقترح تزامن مع صدور تقرير يتحدث عن إمكانية استئناف المفاوضات بين سوريا وكيان يهود، وبحسب هيئة البث العام "كان 11"، فإن المحادثات المرتقبة ستُدار عبر قناة موازية للمسار التفاوضي المباشر القائم بين كيان يهود ولبنان. ووفقاً للتقرير، فإن ترامب يدفع باتجاه استئناف الحوار بين دمشق وتل أبيب، انطلاقاً من رغبته في إشراك الرئيس السوري، أحمد الشرع، في جهود تستهدف إضعاف حزب إيران في لبنان. وهنا نعود إلى طرح السؤال نفسه: هل يمكن للكيان أن يتحرك منفرداً في سوريا أو لبنان؟

 

الجواب كان واضحاً في تصريح وزير حربه كاتس بتاريخ 12/06/2026، أي أياماً قبل توقيع الاتفاق بين أمريكا وإيران، حيث دعا إلى ضمان قدرة كيانه على التحرك منفردا ضد إيران، كما توعد بمواصلة احتلال مناطق في سوريا ولبنان وغزة، واستمرار العمليات العسكرية في مخيمات شمالي الضفة. (الأناضول، 2026/06/12)

 

للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر وكأنه تحدي كيان يهود لإرادة أمريكا. لكن الحقيقة أن نتنياهو ليس فاعلاً مستقلاً، بل لاعب في مسرح رسمت أمريكا أبعاده، وهو يتحرك في هامش الحركة المسموح، مهما رفع صوته أو غلّظ لهجته.

 

فمن جهة، يعكس تجانس الرسائل السياسية في التعاطي مع الملف السوري واللبناني نوعاً من تبادل الأدوار بين أمريكا والكيان، بحيث يُسند إلى الكيان دور المستفز الميداني الذي تدفع تحركاته العسكرية في لبنان وسوريا إلى طاولة المفاوضات الأمريكية واليهودية نفسها، ومن جهة أخرى، فالأكيد أن البيت الأبيض لن يسأل في لحظة المواجهة الكبرى: "هل نريد مساعدة نتنياهو؟"، بل سيسأل: "هل يمكننا تحمل تبعات إضعاف هذا الكيان استراتيجياً؟"

 

وهنا تكمن المفارقة التي قد يغفل عنها بعض المتابعين. فالولايات المتحدة، حتى وهي تختلف مع حكومة يهود، تدرك أن أي تراجع في القدرة الردعية لكيان يهود سيفتح الباب على مصراعيه أمام النفوذ الإيراني، ويعيد خلط أوراق التوازن الإقليمي برمته. لأن إضعاف كيان يهود لا يعني خسارة حليف فحسب، بل يعني إعادة تشكيل الشرق الأوسط دون الولايات المتحدة كلاعب أساسي، وهو سيناريو لا يمكن لواشنطن تحمله.

 

عند تلك النقطة، لا يعود السؤال متعلقاً بمساندة الكيان، بل بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على توازن إقليمي يشكل كيان يهود أحد أعمدته.

 

ما وراء الأشخاص: صراع حضاري لا علاقة ظرفية

 

ربما يكون الخطأ الأكبر في قراءة المرحلة الراهنة هو اختزال الصراع في شخص ترامب أو نتنياهو. فما نشهده اليوم ليس مجرد خلاف بين رئيسين، بل فصل جديد في صراع حضاري قديم-جديد بين مشروعين: مشروع غربي رأسمالي، يستند إلى القوة والنفوذ والهيمنة، ومشروع إسلامي نهضوي، يسعى إلى استعادة دوره الحضاري. وتكتسب تصريحات نتنياهو المحذّرة من قيام "خلافة إسلامية" معنى خاصاً، إذ تعكس قناعة راسخة بأن الصراع مع إيران ليس سوى جبهة واحدة في مواجهة مشروع شامل يهدد الأسس الغربية للشرق الأوسط، وأن الكيان ليس مجرد طرف إقليمي، بل حامي حدود الحضارة الغربية.

 

وموقف الغرب، بقيادة أمريكا، من هذا الصراع ليس خياراً تكتيكياً، بل رد فعل وجودي على مشروع حضاري يهدد بإعادة تعريف المنطقة. وما كان من عملية طوفان الأقصى إلا بداية تجلٍّ لهذا الخطر؛ حين استطاعت ثلة مؤمنة، لا تملك طائرات ولا دبابات، أن تزعزع أركان الكيان وتُحدث شرخاً في جدار مناعته. فإذا كانت هذه قدرة جماعة محاصرة في قطاع ضيق، فما بالنا بقيام خلافة إسلامية توحّد الأمة؟ حينها لن يكون التهديد زلزالاً عابراً، بل تحولاً جيوسياسياً يعيد تشكيل الخريطة من أساسها.

 

وفي تناقض صارخ، يصر ترامب على أنه أوجد كيان يهود، وهو ما لا يعنيه حرفياً، بل يعني أنه أعاد تعريفه كـ"إسرائيل المعربدة"؛ بنقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بالجولان، ومزق الاتفاق النووي، وفتح الباب أمام تطبيع غير مشروط، محولاً إياه من حليف مقيّد إلى ذراع جامحة. غير أن مبعوثه هاكابي يقول عكس ذلك: "بدون إسرائيل، لما كانت هناك أمريكا". بين الادعاءين المتناقضين، يتبدى أن ترامب، بنرجسيته، لا يريد أن يكون رئيساً عابراً، بل حامي الحضارة الغربية، وهذه الأسطورة يحتاج أن يكتبها بنفسه. في ضوء ذلك، يصبح الاتفاق الأمريكي-الإيراني مجرد أداة في صراع أكبر، لا يغير حقيقة أن الكيان وأمريكا شريكان في مواجهة وجودية واحدة.

 

خاتمة: الشرق الأوسط على حافة التحول

 

في النهاية، لا يمكن قراءة التطورات الراهنة بمعزل عن السؤال المصيري: هل نحن أمام مجرد إعادة ترتيب للعلاقات التحالفية، أم أمام حسم في صراع الحضارات؟

 

تشير المؤشرات إلى أن المنطقة مقبلة على مرحلة من التململ الجيوسياسي غير المسبوق. وكلما تقدمنا في هذا المسار، أدركنا أن الخلاف بين واشنطن وتل أبيب ليس سوى انعكاس لضغوط الصراع الأعمق الذي يوجب على قادة الكيان تحمل جزء من تبعات هذا الضغط ونتائج الإجهاد الاستراتيجي الذي أنهك الدولة الأولى في العالم بل هز مكانتها المعنوية والسياسية. لكن الثابت في هذه المعادلة هو أن كيان يهود، بأخطائه وصوابه، وبحكوماته اليمينية أو الوسطية، سيظل يشغل موقعاً استراتيجياً في قلب التصورات الأمريكية، ليس لأنه محق، بل لأنه ضروري للحلم الأمريكي بالهيمنة.

 

وإذا كان الاتفاق مع إيران بمثابة اختبار لهذا الثبات، فإن ما بعد الاتفاق سيكون الإجابة النهائية على سؤال إشكالي طالما أقلق المحللين: هل الصراع بين واشنطن وتل أبيب حول التكتيك، أم أنه نذير تحول استراتيجي خطير؟

 

حتى هذه اللحظة، تبقى الإجابة تميل نحو الخيار الأول، ومع ذلك نسأل الله سبحانه أن ينفرط العقد من أيدي هؤلاء العابثين بمصير الأمة وأن ينقلب السحر على الساحر عاجلاً غير آجل، وأن تقوم الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي تبعثر أوراقهم وتربك حساباتهم. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

رجلٌ واحد غيَّر مصير أمة!

 

 

ليست الأمم العظيمة تلك التي تمتلك السلاح والمال فحسب، وإنما التي تُحسن صناعة الإنسان. وحين نقرأ صفحات السيرة النبوية نجد أن أعظم التحولات لم تبدأ بجيش جرار، ولا بقصور شامخات، بل بدأت بقلب مؤمن حمل نور الوحي وسار به بين الناس. ومن أعظم الشواهد على ذلك قصة الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه، ذلك الشاب الذي ترك الترف والثراء خلفه، وخرج من مكة لا يحمل ذهباً ولا سلطاناً، وإنما يحمل قرآناً يتلوه، وإيماناً يملأ قلبه، ويقيناً بأن الله ناصر دينه ولو بعد حين.

 

كانت يثرب يومذاك مدينةً تموج بالصراعات القبلية، أنهكتها الحروب وأتعبتها العصبيات، وتوزعت ولاءاتها بين الأوس والخزرج، حتى كأنها أرض يصعب أن تجتمع على كلمة واحدة. لكن النبي محمداً ﷺ رأى فيها مستقبل الدعوة، فأرسل إليها مصعب بن عمير سفيراً ومعلماً وداعيةً.

 

دخل مصعب المدينة بهدوء، فلم يرفع صوته في الأسواق، ولم يفرض رأيه على أحد، ولم يدخل معارك الجدل العقيم، بل جلس إلى الناس يقرأ عليهم القرآن، وكان يعلم أن القلوب التي أرهقتها الدنيا لا يداويها إلا كلام السماء، وأن النفوس التي أظلمتها الجاهلية لا يضيئها إلا نور الوحي.

 

وكان من أعظم مواقف دعوته ما جرى مع سادة القوم. جاء أسيد بن حضير غاضباً يريد طرده، ثم جاء سعد بن معاذ يحمل الموقف نفسه. لكن مصعباً رضي الله عنه لم يقابل الغضب بالغضب، ولا الشدة بالشدة، وإنما قال كلمته الخالدة: "أوَلا تجلس فتسمع؟". إنها ثقة الداعية بربه ورسالته، ويقينه أن الحق إذا وصل إلى القلب السليم استقر فيه.

 

جلس القوم ليستمعوا، فإذا بالقرآن يهدم في لحظات ما بنته سنوات من العادات والتقاليد الجاهلية. وما فرغ مصعب من تلاوته حتى تبدلت النفوس، ولانت القلوب، فأسلم أسيد بن حضير، وأسلم بعده سعد بن معاذ، ذلك الرجل الذي كان إسلامه فتحاً للمدينة كلها. ولم يكن السر في شخصية أسيد وسعد وحدهما، بل في المنهج الذي سلكه مصعب رضي الله عنه؛ فقد أدرك أن تغيير المجتمعات يبدأ بتغيير القلوب، وأن الكلمة الصادقة أقوى من السيف إذا خرجت من قلب صادق.

 

لذلك لم يفتح المدينة بالقوة، وإنما فتحها بالقرآن، ولم ينتصر على الناس، بل انتصر لهم، فنقلهم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان. وهكذا مضت الأيام، فإذا بيوت المدينة التي كانت بالأمس تتنازعها العصبيات تمتلئ بذكر الله، وإذا بالقبائل التي أنهكتها الحروب تجتمع على عقيدة واحدة، حتى أصبح المجتمع مهيأً لاستقبال رسول الله ﷺ مهاجراً إليه.

 

لقد صنع مصعب بن عمير أعظم تحول في تاريخ المدينة؛ لأنه فهم أن الدعوة ليست بكثرة الأتباع، ولا بضجيج الشعارات، وإنما بصدق مع الله، وحكمة في مخاطبة الناس، وصبر على الطريق، وثقة بأن القرآن قادر على أن يغير الإنسان، ومن ثم يغير التاريخ.

 

وما أحوج أمتنا اليوم إلى أن تستعيد هذا الدرس العظيم؛ فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من القصور، بل من القلوب، ولا يصنعه الصراخ، بل تصنعه الكلمة المؤمنة التي تخرج من قلب مخلص، فتبلغ القلوب بإذن الله.

 

لقد رحل مصعب شهيداً يوم أُحد، لكنه ترك للأمة درساً خالداً: أن رجلاً واحداً إذا صدق مع الله قد يكون سبباً في هداية مدينة كاملة، وأن الداعية الذي يحمل القرآن بإخلاص يستطيع أن يصنع من التحولات ما تعجز عنه الجيوش والأموال.

 

وهكذا يبقى اسم مصعب بن عمير شاهداً على أن أعظم الانتصارات تبدأ بكلمة، وأعظم الفتوح تبدأ بقلب مؤمن، وأن نور الإيمان إذا سكن النفوس صنع من المستضعفين قادةً، ومن المدن المتفرقة أمةً تحمل رسالة السماء إلى العالمين.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما تفرض الوقائع السياسية إيقاعها على صُنّاع القرار

 

 

منذ اندلاع المواجهة بين أمريكا وإيران، سادت لغة التهديد والوعيد، وارتفعت سقوف التصريحات إلى مستويات أوحت بأن المنطقة مقبلة على حرب طويلة قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات. غير أن المشهد لم يلبث أن تغيّر سريعاً، ليظهر ترامب في موقع الساعي إلى إبرام اتفاق عاجل مع طهران، وكأن عجلة التفاوض أصبحت أسرع من طبول الحرب التي كانت تُقرَع قبل أيام قليلة.

 

هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة سياسة أمريكا التي تحكمها المصالح قبل المبادئ. فأمريكا، التي تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم، تدرك أن الدخول في حرب أمر، والخروج منها أمر آخر تماماً.

 

وقد أثبتت تجارب العقود الماضية، من أفغانستان إلى العراق، أن الحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها لا تنتهي دائماً وفق الحسابات التي رسمها أصحاب القرار.

 

لقد اكتشفت واشنطن أن أي مواجهة مفتوحة مع طهران لن تكون نزهة عسكرية كما يتصورها البعض، وأن اتساع دائرة الصراع قد يهدد مصالحها في المنطقة، ويضع الاقتصاد العالمي أمام اختبارات صعبة، خصوصاً في ظل حساسية أسواق الطاقة وارتباطها المباشر باستقرار الشرق الأوسط. لذلك بدا أن خيار التفاوض لم يعد مجرد بديل دبلوماسي، بل ضرورة سياسية واقتصادية وأمنية.

 

أما ترامب، الذي طالما قدّم نفسه بوصفه رجل صفقات لا رجل حروب، فإنه يدرك أن الناخب الأمريكي يهتم بالنتائج أكثر من الشعارات؛ فالحروب الطويلة تستنزف الأموال والموارد، وتُفاقم الأزمات الداخلية.

 

لكن المراقب للمشهد يلاحظ أن هذا الاستعجال الأمريكي يطرح أسئلة كثيرة. فإذا كانت واشنطن واثقة من قدرتها على تحقيق أهدافها عبر التصعيد العسكري، فلماذا سارعت إلى طاولة التفاوض؟ وإذا كانت الضغوط قد حققت غاياتها كاملة، فما الحاجة إلى تقديم التنازلات والبحث عن تسويات؟

 

إن هذه الأسئلة تكشف أن لغة القوة، مهما بلغت حدّها، تبقى خاضعة في النهاية لحسابات الواقع وموازين المصالح.

 

ولعل الحقيقة الأبرز التي كشفتها هذه الأزمة أن الشرق الأوسط ما زال يمتلك القدرة على فرض معادلاته على القوى الكبرى. فالدول العظمى قد تمتلك التفوق العسكري والتكنولوجي، لكنها لا تستطيع تجاهل تعقيدات المنطقة وتشابك ملفاتها وحساسية موقعها الاستراتيجي بالنسبة إلى العالم كله.

 

وفي خضم هذه التطورات يبقى السؤال الأكبر: هل سيكون هذا الاتفاق نهاية الأزمة، أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التوتر؟ فالتاريخ يعلمنا أن الاتفاقات التي تُعقد تحت ضغط اللحظة قد تنجح في إخماد النيران، لكنها لا تضمن إزالة أسباب اشتعالها.

 

إن ما يجري اليوم يؤكد أن السياسة ليست ساحة للشعارات بقدر ما هي فن إدارة المصالح؛ فحين تتعارض الأهداف، في ظل النظام الرأسمالي، مع كلفة تحقيقها، تصبح التسوية خياراً لا مفر منه، حتى بالنسبة إلى أقوى دول العالم.

 

ولهذا يبدو أن ترامب لم يندفع نحو الاتفاق حبّاً بطهران، ولا حرصاً على السلام المجرد، بل لأن الوقائع على الأرض أقنعته بأن كلفة استمرار الحرب أكبر بكثير من مكاسبها المحتملة.

 

وهكذا، بين لغة الصواريخ ولغة المفاوضات، تتجدد حقيقة قديمة مفادها أن الحروب تبدأ حين يظن الجميع أن النصر قريب، لكنها تنتهي عندما يدرك الجميع أن ثمن الاستمرار أصبح أثقل من أن يُحتمل.

 

لقد آن الأوان لشعوب هذه المنطقة أن تدرك حجم ما تمتلكه من مقومات القوة والتأثير، وأن تتحرر من حالة الارتهان التي جعلت مصيرها رهناً بقرارات القوى الكبرى وصراعاتها.

 

فهذه الأرض ليست مجرد ساحة تتنافس عليها الدول، بل هي قلب العالم النابض، ومفترق طرق التجارة الدولية، وممرات الملاحة التي تعبر من خلالها ثروات الأمم واقتصاداتها.

 

وإن الشعوب التي تتحكم بمضائق وبحار وممرات استراتيجية يعبر من خلالها جزء كبير من تجارة العالم لا ينبغي أن تبقى متفرجة على الآخرين وهم يرسمون مستقبلها ويحددون مصيرها. فالقوة ليست دائماً في امتلاك السلاح وحده، بل في امتلاك الإرادة والسيادة وحسن استثمار الموقع والثروة والإمكانات.

 

ولعل ما تشهده المنطقة اليوم من تنافس دولي محموم يؤكد أن العالم يدرك أهمية هذه الجغرافيا أكثر مما يدركها أبناؤها أحياناً.

 

ولذلك فإن استعادة القرار المستقل وبناء القوة الاقتصادية والسياسية لم يعودا ترفاً فكرياً ولا شعاراً عاطفياً، بل أصبحا ضرورة وجودية لحماية الأوطان وصون الكرامة. فإذا كانت الأمم العظمى تتسابق من أجل النفوذ في هذه المنطقة لما تمتلكه من أهمية استراتيجية، فالأجدر بأبنائها أن يتسابقوا نحو استعادة مكانتهم الحضارية التي فيها عزهم وكرامتهم.

 

عندها لن تكون شعوب المنطقة مجرد رقم في معادلات الآخرين، بل رقماً صعباً يصنع الأحداث ويؤثر في موازين العالم، كما كانت صفحات التاريخ يوم كانت تملك زمام أمرها، وتدرك قيمة ما بين يديها من مقدرات ومواقع لا يضاهيها مكان على وجه الأرض.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

هل اقتربت ساعة الحسم؟

ليبيا بين خارطة الطريق الجديدة واستحقاق الانتخابات

 

في عالم السياسة لا تموت الأزمات دفعة واحدة، بل تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، حتى تنضج ظروف التسوية أو تنفجر مجدداً في صورة صراع مفتوح. ومنذ سقوط معمر القذافي عام 2011، تعيش ليبيا داخل دائرة انتقالية طويلة تحولت مع مرور الزمن إلى حالة دائمة من الانقسام السياسي والمؤسسي، حيث تعددت الحكومات، وتداخلت الشرعيات، وتشابكت المصالح المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية.

 

وخلال السنوات الماضية، بدت الانتخابات الليبية وكأنها مشروع مؤجل إلى أجل غير معلوم، خصوصاً بعد انهيار مسار انتخابات كانون الأول/ديسمبر 2021 بسبب الخلافات حول القوانين الانتخابية وشروط الترشح وتقاسم السلطة. غير أن الأشهر الأخيرة شهدت عودة ملف الانتخابات إلى صدارة المشهد السياسي الليبي، مدفوعاً بخارطة طريق أممية جديدة تسعى إلى كسر الجمود وإعادة البلاد إلى مسار الشرعية الشعبية.

 

لكن السؤال الأهم لا يتعلق بموعد الانتخابات فقط، بل بمن أعادها إلى الطاولة، ولماذا الآن تحديداً، وما هي القوى التي تدعم هذا المسار أو تعارضه؟

 

طرحت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بقيادة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه، رؤية جديدة للحل السياسي تقوم على إعادة إطلاق العملية الانتخابية ضمن إطار زمني يتراوح بين 12 و18 شهراً، بهدف إنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة. (الجزيرة، 2025/8/22)

 

وتستند الخارطة إلى مجموعة من البنود الرئيسية، أبرزها معالجة الإشكالات القانونية والدستورية التي عطلت الانتخابات السابقة، وإعادة بناء التوافق حول القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، وتوحيد المؤسسات المنقسمة، وتهيئة بيئة أمنية وسياسية تسمح بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تحظى بقبول داخلي وخارجي.

 

كما تسعى الأمم المتحدة إلى تجاوز حالة الشلل التي أصابت المؤسسات السياسية القائمة بعد سنوات من المفاوضات غير المثمرة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، واللذين أصبحا في نظر كثير من الليبيين جزءاً من الأزمة وليسا جزءاً من الحل.

 

لماذا عادت الانتخابات إلى الواجهة الآن؟

 

لم تكن عودة الانتخابات نتيجة توافق ليبي داخلي بقدر ما كانت نتاج مجموعة من المتغيرات السياسية والاستراتيجية.

 

أول هذه المتغيرات يتمثل في تآكل شرعية الأجسام السياسية الحالية بعد سنوات طويلة من التمديد غير المباشر، الأمر الذي خلق حالة متزايدة من السخط الشعبي تجاه النخب الحاكمة في الشرق والغرب على حد سواء.

 

أما العامل الثاني فيرتبط بتصاعد الضغوط الدولية، خصوصاً من جانب الأمم المتحدة وأمريكا، اللتين باتتا تنظران إلى استمرار الانقسام الليبي باعتباره مصدراً دائماً لعدم الاستقرار في جنوب المتوسط وشمال أفريقيا، فضلاً عن تأثيره على ملفات الطاقة والهجرة والأمن الإقليمي.

 

ويتمثل العامل الثالث في الخشية من تحول الانقسام المؤسساتي إلى واقع دائم، خاصة مع استمرار وجود حكومتين متنافستين ومؤسسات أمنية واقتصادية منقسمة، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج نموذج الدول المنقسمة على المدى الطويل.

 

أما العامل الرابع، فمن منظور استراتيجي، فقد أحدثت وفاة اللواء محمد الحداد في أنقرة ثلاثة آثار مهمة:

 

- فراغ داخل معسكر الغرب الليبي، إذ فقدت حكومة الوحدة الوطنية شخصية عسكرية كانت تشكل نقطة توازن بين القوى المسلحة المختلفة في غرب ليبيا.

 

- تعثر مشروع توحيد المؤسسة العسكرية، إذ كان الحداد أحد القنوات القليلة المفتوحة مع معسكر الشرق بقيادة خليفة حفتر.

 

- زيادة القلق الدولي، حيث إن وفاة رئيس الأركان ومعه عدد من كبار القادة العسكريين دفعت بعض العواصم إلى الاعتقاد بأن ليبيا قد تدخل مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى العسكرية، وهو ما يجعل الإسراع في التسوية السياسية أكثر إلحاحاً.

 

كما أن وجود قاعدة انتخابية واسعة وملايين الناخبين المسجلين يمنح المجتمع الدولي قناعة بأن الظروف الفنية لإجراء الانتخابات أصبحت متوفرة أكثر من أي وقت مضى، وأن العقبة الأساسية باتت سياسية وليست إدارية.

 

من أعاد الانتخابات إلى الطاولة؟

 

رغم أن الخطاب الرسمي يقدم الانتخابات باعتبارها مطلباً ليبياً عاماً، فإن المحرك الرئيسي لعودتها هو الأمم المتحدة بدعم مباشر من أمريكا.

 

وتسعى هذه الأطراف إلى فرض ديناميكية سياسية جديدة تتجاوز حالة الجمود التي فرضتها الخلافات بين المؤسسات القائمة، عبر الدفع نحو توافقات جديدة تسمح بإطلاق العملية الانتخابية، حتى لو تطلب الأمر إعادة هندسة بعض الترتيبات السياسية الحالية.

 

وفي المقابل، يدرك كثير من الفاعلين المحليين أن استمرار الوضع الراهن لم يعد يحظى بالدعم الدولي الذي كان متاحاً في السنوات السابقة، الأمر الذي دفع عدداً من الأطراف إلى إظهار قدر أكبر من المرونة تجاه فكرة الانتخابات.

 

حيث لا يوجد في ليبيا طرف يعلن رفضه الصريح للانتخابات، لأن ذلك يتعارض مع المزاج الشعبي العام، لكن الخلاف الحقيقي يكمن في طبيعة الانتخابات وشروطها ونتائجها المحتملة.

 

فالمؤيدون للمسار الانتخابي يرون فيه فرصة لإنهاء المراحل الانتقالية واستعادة الشرعية عبر صناديق الاقتراع. ويضم هذا المعسكر الأمم المتحدة وأمريكا وقطاعات واسعة من الرأي العام الليبي، إضافة إلى بعض القوى السياسية التي تعتقد أن الانتخابات قد تمنحها فرصة أفضل لإعادة التموضع داخل المشهد السياسي.

 

أما المعسكر المتحفظ، فيضم أطرافاً تخشى أن تؤدي الانتخابات إلى فقدان النفوذ الذي راكمته خلال سنوات الانقسام. ويشمل ذلك شخصيات ومراكز قوى داخل المؤسسات القائمة، وبعض التشكيلات المسلحة التي ترتبط مصالحها باستمرار الوضع الحالي.

 

في الحقيقة، لا يدور النزاع الليبي حول مبدأ الانتخابات بحد ذاته، بل حول ما ستنتجه الانتخابات من موازين قوى جديدة.

 

فالخلاف الحقيقي يتعلق بأسئلة أكثر عمقاً: هل تُجرى انتخابات رئاسية مباشرة أم تسبقها ترتيبات دستورية جديدة؟ هل يُسمح للعسكريين ومزدوجي الجنسية بالترشح؟ من سيشرف على المرحلة الانتقالية؟ وكيف سيتم توزيع السلطة والثروة بين أقاليم البلاد المختلفة؟

 

لهذا تبدو الانتخابات بالنسبة لكثير من الأطراف مجرد محطة ضمن صراع أكبر يتعلق بشكل الدولة الليبية المقبلة، وطبيعة النظام السياسي الذي سيحكمها، وموقع كل طرف داخل معادلة السلطة الجديدة.

 

اليوم تقف ليبيا مرة أخرى أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تنجح خارطة الطريق الجديدة في تحويل الانتخابات إلى بوابة لإنهاء أكثر من عقد من الانقسام والفوضى، وإما أن تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة المبادرات التي اصطدمت بتضارب المصالح المحلية والإقليمية والدولية.

 

ويبقى المؤكد أن معركة الانتخابات في ليبيا ليست معركة صناديق اقتراع فقط، بل معركة على مستقبل الدولة نفسها، وعلى شكل النظام السياسي الذي سيولد من رحم واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً.

 

يا أهل ليبيا خاصة، والأمة الإسلامية عامة، ندعوكم للعمل على كف يد الغرب التي تعبث في بلادنا وثرواتنا، وحان الوقت لكي نحمي قضايانا المصيرية، وأن نعمل على إيجادها على أرض الواقع، وأهمها إيجاد دولة الخلافة التي من خلالها نستطيع أن نقارع الغرب ونطرده خارج بلادنا، وأن نستثمر ثرواتنا بما يرضي الله. كفانا تعلقاً بحكام خونة ودساتير وضعية وحكومات لا تمثلنا (جمهورية وعلمانية وديمقراطية... وما شاكلها)، ونعود إلى الحكم الذي أمرنا الله عز وجل أن نطبقه، ففيه خيرنا وخير العالم. قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.

 

يا شباب الإسلام ويا جيوش المسلمين، استفيقوا واعملوا مع العاملين لإقامة الخلافة الراشدة التي وعدنا بها رسول الله ﷺ، فإنه ليس لنا نجاة إن لم نعد إلى ديننا ونتمسك بالعروة الوثقى.

 

قال تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إيران والعتبة النووية:

ما الذي يمنع التحول إلى قوة نووية معلنة؟

 

منذ أكثر من عقدين، يحتل الملف النووي الإيراني موقعاً مركزياً في السياسة الدولية، لا لأنه يتعلق فقط بمستقبل برنامج نووي يحتضنه بلد إسلامي يحتل موقعا استراتيجيا، بل لأنه يجسد صراعاً أوسع حول توازن القوى في الشرق الأوسط وطبيعة النظام الدولي نفسه. فالقضية لم تعد منذ زمن مسألة أجهزة طرد مركزي ونسب تخصيب فحسب، بل أصبحت سؤالاً يتعلق بالسيادة والردع والشرعية الدولية وحدود القوة في عالم يكتب الأقوياء قواعده ثم يستثنون أنفسهم منها، وترسم خرائطه حركة رؤوس الأموال لا مواثيق العدالة.

 

بدأ البرنامج النووي الإيراني في عهد الشاه محمد رضا بهلوي بدعم أمريكي مباشر ضمن مشروع "الذرة من أجل السلام" سنة 1953. وبعد ثورة الخميني عام 1979 تعرض البرنامج لانتكاسة مؤقتة قبل أن يعود تدريجياً خلال الحرب العراقية الإيرانية وما بعدها. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، تحول البرنامج إلى محور مواجهة بين إيران والغرب، خصوصاً بعد الكشف عن منشآت نووية حساسة مثل منشأة نطنز. ومنذ ذلك الحين دخل الملف في دوامة من العقوبات والمفاوضات والضغوط المتبادلة.

 

ولم تقتصر المواجهة على الساحة الدبلوماسية. فقد تعرض البرنامج النووي الإيراني على مدى سنوات لسلسلة عمليات تخريب واغتيالات استهدفت علماء بارزين. ومن أشهر الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة محسن فخري زاده، الذي قُتل عام 2020 في عملية نُسبت إلى كيان يهود ويده الطولى الموساد. كما قُتل عدد من العلماء النوويين الإيرانيين في عمليات اغتيال سابقة داخل إيران. وبغض النظر عن التفاصيل العملياتية، فإن الرسالة السياسية كانت واضحة: منع إيران من الاقتراب أكثر من العتبة النووية عبر استهداف العقول والبنية التحتية التي يقوم عليها البرنامج.

 

غير أن نقطة التحول الكبرى جاءت في نيسان/أبريل 2021 عندما أعلنت إيران بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة كردة فعل على حادثة التخريب التي استهدفت منشأة نطنز. لم يكن الأمر مجرد زيادة تقنية في نسبة التخصيب، بل كان إعلاناً سياسياً مدوّيا بأن إيران باتت تمتلك قدرات لم تكن تمتلكها سابقاً. فمن الناحية التقنية، تمثل نسبة 60 في المائة انتقالاً إلى مستوى متقدم جداً من دورة الوقود النووي، وهي نسبة تفصلها مسافة أقصر بكثير عن مستويات التخصيب المرتبطة بالمواد الانشطارية المستخدمة في الأسلحة النووية (90 بالمائة) مقارنة بالمستويات المدنية التقليدية.

 

منذ تلك اللحظة، بدأ سؤال جديد يفرض نفسه: إذا كانت إيران قادرة على الوصول إلى هذا المستوى من التخصيب، فلماذا لم تصبح دولة نووية بحكم الأمر الواقع؟

 

للإجابة عن هذا السؤال يجب أولاً التمييز بين القدرة النووية والامتلاك الفعلي للسلاح النووي. فالتاريخ النووي العالمي يُظهر أن امتلاك المعرفة والبنية التحتية لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار إنتاج السلاح. واليوم توجد خمس دول تعترف بها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية كدول نووية رسمية هي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة. بل إن النادي النووي نفسه منقسم إلى فئتين: قوتين نوويتين عظميين (روسيا وأمريكا) ثم بقية الدول النووية بفارق كبير جداً.

 

كما أن الواقع الدولي أكثر تعقيداً من النصوص القانونية، إذ توجد دول أخرى خارج هذا الإطار مثل الهند وباكستان وكوريا الشمالية تمتلك أو يُعتقد على نطاق واسع أنها تمتلك أسلحة نووية، وكذلك الأمر بالنسبة لكيان يهود.

 

وهنا تظهر المفارقة التي كثيراً ما يثيرها الإيرانيون وأنصارهم: إذا كانت الهند وباكستان وكيان يهود قد أصبحت دولاً نووية بحكم الأمر الواقع، فلماذا يُنظر إلى الطموح النووي الإيراني بوصفه خطراً استثنائياً؟

 

الجواب الرسمي الذي تقدمه الدول الغربية يتمثل في أن إيران عضو في معاهدة عدم الانتشار النووي، وبالتالي فإن عليها التزامات قانونية تختلف عن التزامات دول لم تنضم أصلاً إلى المعاهدة. لكن هذا التفسير لا يجيب وحده عن السؤال السياسي. فالكثير من المراقبين يرون أن القضية تتعلق أيضاً بالتحالفات وموازين القوى. فكيان يهود يرتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة، والهند أصبحت شريكاً مهماً لأمريكا في موازنة صعود الصين، بينما إيران قوة متمردة، لها طموحات نووية وأذرع إقليمية ويمكن لحرسها الثوري أن ينفلت من عقاله ويجعل منها قوة مناوئة للنفوذ الأمريكي، رغم عقود من الدوران في فلك أمريكا. ومن ثم، فإن الموقف من الانتشار النووي لا يُفهم إلا من خلال عدسة السياسة ومن زاوية العداء الحضاري للإسلام والمسلمين، وليس من خلال نصوص المعاهدات التي تُنتقى كما يُنتقى العنب.

 

مع ذلك، فإن التركيز على العامل الخارجي وحده لا يكفي لفهم الموقف الإيراني. فالسؤال الأهم هو ما إذا كانت القيادة الإيرانية نفسها ترى مصلحة أكيدة في التحول إلى دولة نووية معلنة. فامتلاك السلاح النووي يمنح ردعاً هائلاً، ويجعل التفكير في إسقاط النظام بالقوة أو شن حرب شاملة ضده أكثر صعوبة. وتجربة كوريا الشمالية كثيراً ما تُستدعى في هذا السياق بوصفها مثالاً على دولة فقيرة ومعزولة نجحت في فرض معادلة ردع جعلت القوى الكبرى تتعامل معها بحذر شديد.

 

لكن في المقابل، فإن التحول إلى دولة نووية معلنة قد يترتب عليه في أذهان البعض ثمن أكبر مما دفعه الإيرانيون إلى حد الآن، وقد يجر المنطقة إلى سباق تسلح نووي لا تريد ضمنه دولة بوزن تركيا (التي تطور برنامجها بهدوء وتستضيف حوالي 20 رأسا نوويا أمريكيا في قاعدة إنجرليك) أن تبقى ضمن هامش ردعي تحدده قوى أخرى. كما أن إيران نفسها قد تفضل أحياناً البقاء في موقع "الدولة العتبة"، أي الدولة القادرة على الاقتراب من السلاح بسرعة من دون إعلان امتلاكه. فهذا الموقع يمنحها جزءاً من مزايا الردع مع تجنب بعض كلفة الإعلان الرسمي.

 

ومن هنا يمكن القول إن العقدة الأساسية في الملف النووي الإيراني لم تعد تقنية بالدرجة الأولى. فبعد عقود من الاستثمار والتطوير والعقوبات والضغوطات، أصبح الجدل يدور بدرجة متزايدة حول الإرادة السياسية والحسابات الاستراتيجية. وهكذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع إيران الاقتراب من القدرة النووية؟ بل: هل تمتلك الإرادة السياسية التي تمكنها من عبور الخط الفاصل بين دولة عتبة ودولة نووية معلنة؟

 

في نهاية المطاف، يبقى الملف النووي الإيراني أحد أكثر ملفات القرن الحادي والعشرين تعبيراً عن التداخل بين القانون والقوة والسيادة، أو بالأحرى عن منطق قانون الغاب الذي يحكم عالم اليوم. فهو يكشف أن النظام الدولي لا يعمل فقط وفق النصوص والمعاهدات، بل أيضاً وفق موازين القوى والمصالح المتقلبة. كما يطرح سؤالاً سيظل مطروحاً ما دامت إيران تحتفظ بقدراتها النووية المتقدمة: هل سيبقى الوضع عند حدود الردع الكامن، أم أن المنطقة والعالم سيشهدان في يوم ما ولادة قوة نووية جديدة بحكم الأمر الواقع؟ الدرس المستفاد من التجربة الإيرانية، هو أن فك الارتباط بالمنظومة الغربية أمر ممكن.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

ماذا قدمت لدينك؟ ماذا قدمت لنفسك؟

 

 

لو أن أحدنا رُزق ولداً، لجعل همه أن يختار له أجمل الأسماء، وأحسن اللباس، وأفضل التعليم، ولسهر على صحته وراحته ومستقبله، ولجمع له المال، ولذاد عنه بلسانه ويده، ولجعل حمايته شغله الشاغل.

 

ومع ذلك يقول الله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، فيا للعجب! إن الله الذي خلقنا من عدم، ورزقنا من فضله، وهدانا إلى الإسلام، بيّن لنا الغاية من وجودنا فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وأمرنا أن نحيا بالإسلام، وأن نحمل دعوته، وأن ننصر دينه، وأن نعمل لإقامة أحكامه في واقع الحياة، وأن نكون شهداء على الناس كما أراد لنا ربنا.

 

ثم حذرنا من أن تشغلنا الأموال والأولاد والشهوات عن هذه الغاية العظيمة، ولكن أكثر الناس جعلوا ما هو وسيلة غاية، وما هو فتنة مقصداً، وما هو زائل أكبر همهم، حتى أصبح الدين عند كثير منهم مجرد شعائر تؤدى، لا قضية يعيشون لها ويضحون من أجلها.

 

فيا للعجب! نحرص على وظائفنا أكثر من حرصنا على ديننا، ونغضب لأموالنا أكثر من غضبنا لحرمات ربنا، ونسهر لأجل دنيا نصيبها أو نفقدها، بينما تمر على الأمة النوازل العظام فلا تتحرك فينا إلا كلمات عابرة ومشاعر مؤقتة.

 

لقد أمرنا الله بالاعتصام بحبله جميعاً، ونهانا عن التفرق والاختلاف، وجعل رابطة العقيدة فوق كل رابطة، وجعلنا إخوة مهما اختلفت ألواننا وألسنتنا وأوطاننا.

 

ولكن الأمة التي كانت يوماً تقود العالم بالإسلام، أصبحت ممزقة بين حدود رسمها المستعمر، وأعلام رفعها المستعمر، ودساتير وضعها المستعمر، وأنظمة تحرس مصالح المستعمر. فاستُبدلت روابط القومية والوطنية برابطة العقيدة، والقوانين الوضعية بأحكام الإسلام، واستُبدلت التبعية بالعزة، والارتهان بالقيادة، والتشرذم بالوحدة.

 

فكانت النتيجة ما نراه اليوم: الأرض المباركة تُذبح، لبنان تستباح، أهل كشمير والأويغور يسحلون، اليمن والسودان وليبيا تتقلب في لظى الفتن والقتل والمحن، ومقدسات المسلمين تُدنَّس، وثرواتهم تُنهب، أهل الكنانة يطوق الفقر أعناقهم، وبلاد الرافين في سكرات المصائب، وأهلنا في بلاد الحرمين يدفعون للغواية والرذيلة، فلا يوجد بلد إسلامي إلا وقد لفّته مصيبة أكبر من أختها.

 

وجيوش المسلمين تُعطَّل عن أداء واجبها، والمسلمون بين قتيل ومشرد وأسير ومطارد، ثم نتساءل: لماذا وصلنا إلى هذا الحال؟! إنه حال أمة أعرضت عن أعظم أسباب قوتها، وفرطت في أعظم ما تملك، وهو الإسلام نظاماً للحياة والدولة والمجتمع.

 

وحين يرتفع صوت العاملين المخلصين منادياً: يا أمة الإسلام، عودي إلى ربك، توحدي على عقيدتك، ارفضي التبعية للمستعمر وأعوانه، استعيدي سلطانك المسلوب. يا أمة الإسلام، انهضي لإقامة حكم الإسلام من جديد، إذا بكثير من الناس يغلق أذنيه قبل أن يسمع، ويعترض قبل أن يفهم، ويهاجم قبل أن يناقش!

 

فيا للعجب! يشكون الواقع ثم يحاربون مشاريع تغييره، ويبكون على الأمة ثم يثبطون العاملين لها، ويتألمون للمصائب ثم يُعرضون عن الطريق المؤدي إلى رفعها!!

 

فيا أمة الإسلام؛ يا شعوب المسلمين وجيوشهم، يا علماءهم ودعاتهم، يا رجالهم ونساءهم، يا شبابهم وشيبهم: إن الواجب اليوم ليس البكاء على الأطلال، ولا الاكتفاء بالحزن والأسى، بل العمل الجاد المخلص لاستئناف الحياة الإسلامية، وإعادة سلطان الإسلام إلى الأرض، وجمع المسلمين في كيان واحد يحكمهم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ.

 

ومن هنا يدعو حزب التحرير الأمة إلى أن تنهض بواجبها، وأن تخلع عنها أغلال الاستعمار الفكرية والسياسية، وأن تقتلع جذوره المتمثلة في الأنظمة العميلة والأفكار الدخيلة التي فرقت المسلمين وأضعفتهم. وهو يدعو إلى مشروع واضح لا غموض فيه، وإلى هدف ثابت لا يتغير، وإلى طريقة يراها مستنبطة من سيرة رسول الله ﷺ في إقامة الدولة الإسلامية.

 

فأبرئوا ذممكم أمام الله، وانظروا أين تقفون من قضية أمتكم، وأين تبذلون أعماركم وجهودكم. فإن الأيام تمضي، والأعمار تنقضي، والمرء سيقف بين يدي ربه فرداً ليسأله: ماذا فعلت لدينك؟ ماذا قدمت لأمتك؟ ماذا صنعت لنصرة الإسلام؟

 

واعلموا أن وعد الله حق، وأن بشارة رسوله ﷺ حق، وأن المستقبل لهذا الدين مهما اشتدت المحن وتعاظمت الخطوب ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.

 

فطوبى لمن كان من العاملين لهذا الوعد، والساعين لتحقيقه، والثابتين على طريقه، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.

 

فاسأل نفسك قبل أن تُسأل: ماذا قدمت لدينك؟ ماذا قدمت لنفسك عند لقاء القوي الجبار؟

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

هيثم الصبري – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بين أوبك وإيران وأمريكا:

هل يُعاد تشكيل سوق الطاقة العالمي؟

 

في عالم تتشابك فيه السياسة بالطاقة، والاقتصاد بالأمن القومي، لم يعد النفط مجرد سلعة استراتيجية، بل أصبح أحد أهم أدوات النفوذ في العلاقات الدولية. ومنذ تأسيس منظمة أوبك، ظل التحكم بإمدادات النفط أحد أبرز عناصر القوة في النظام العالمي. غير أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وظهور منتجين جدد خارج المنظومة التقليدية، تطرح اليوم سؤالاً جوهرياً: هل يتجه العالم نحو مرحلة تتراجع فيها قدرة أوبك على ضبط السوق، لتصبح أسعار النفط أقل ارتباطاً بقرارات المنظمة وأكثر خضوعاً لقوى السوق والصراعات الدولية؟

 

أوبك: من حماية السيادة إلى إدارة سوق متحولة

 

تأسست منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في 14 أيلول/سبتمبر 1960 في بغداد، بمبادرة من السعودية وإيران والعراق والكويت وفنزويلا. وكان هدفها الأساسي المعلن استعادة السيادة على الثروة النفطية في مواجهة هيمنة الشركات الكبرى التي كانت تتحكم بالأسعار والإنتاج دون الرجوع إلى الدول المالكة للموارد.

 

واليوم، لم يعد ذلك الواقع قائماً إلا في الذاكرة التاريخية. فقد تحولت المنظمة من تكتل دفاعي يواجه الاحتكار الأجنبي إلى لاعب مركزي يسعى إلى إدارة التوازنات في سوق عالمية شديدة التعقيد. وبعد أن أمّمت الدول الأعضاء مواردها النفطية، اختفى الخصم التقليدي الذي قامت المنظمة لمواجهته، لتظهر بدلاً منه تحديات جديدة، أبرزها طفرة النفط الصخري، وتنامي دور المنتجين من خارج المنظمة.

 

ومن هنا جاء تأسيس تحالف أوبك بلس، الذي ضم منتجين كباراً خارج المنظمة، وفي مقدمتهم روسيا، في اعتراف ضمني بأن أوبك لم تعد قادرة وحدها على توجيه السوق العالمية كما كان الحال في السابق.

 

كما تبدّل الخطاب النفطي بصورة لافتة؛ فبعد أن كان التركيز منصباً على تحقيق السعر العادل وحماية المنتجين من الاستغلال، أصبح الشعار الرسمي هو استقرار السوق. والأهم من ذلك أن أوبك تواجه اليوم تحدياً وجودياً لم يكن مطروحاً عند تأسيسها، يتمثل في ضغوط التحول نحو الطاقة النظيفة، والحديث المتزايد عن ذروة الطلب العالمي على النفط، وهو ما وضع المنظمة في موقع الدفاع عن مستقبل صناعتها، لا عن سيادة أعضائها فحسب.

 

وهكذا انتقلت أوبك من كيان بسيط يسعى إلى حماية مصالح المنتجين في مواجهة الشركات الأجنبية، إلى منظمة معقدة تتصارع داخلياً وتفاوض خارجياً مع قوى الاقتصاد والسياسة والبيئة، في مشهد يختلف جذرياً عن روح بغداد عام 1960.

 

أوبك: من أداة دفاع إلى قوة مؤثرة

 

مع مرور العقود، تحولت أوبك إلى لاعب رئيسي قادر على التأثير في أسعار النفط عبر التحكم بمستويات الإنتاج. وقد أثبتت الأزمات النفطية المتعاقبة أن التنسيق بين كبار المنتجين يمنحهم قدرة كبيرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، وهو ما جعل المنظمة محل اهتمام ومراقبة دائمة من القوى الصناعية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

 

غير أن السنوات الأخيرة شهدت انسحاب بعض الدول من أوبك، الأمر الذي أثار تساؤلات متزايدة حول مستقبل المنظمة وقدرتها على الاستمرار في أداء دورها التقليدي.

 

هل يخدم ضعف أوبك مصالح أمريكا؟

 

من الناحية الاستراتيجية، لا تنظر الولايات المتحدة بعين الرضا إلى أي تكتل قادر على التحكم بإمدادات سلعة حيوية كالنفط. فكلما ازدادت قدرة المنتجين على تنسيق سياساتهم الإنتاجية، ارتفعت احتمالات صعود الأسعار، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي داخل أمريكا والدول الغربية.

 

ومن هذا المنطلق، فإن خروج بعض الدول من أوبك أو تراجع الالتزام الجماعي بسياسات الإنتاج قد يؤدي إلى زيادة المنافسة بين المنتجين، بما يحد من قدرة أي جهة على فرض أسعار مرتفعة لفترات طويلة.

 

ومع ذلك، لا ترغب أمريكا في انهيار أسعار النفط بصورة حادة، لأنها نفسها أصبحت من أكبر المنتجين عالمياً بفضل ثورة النفط الصخري. ولذلك تبدو مصالحها أكثر تعقيداً من مجرد السعي إلى أسعار منخفضة، فهي تسعى عملياً إلى تحقيق توازن يحافظ على استقرار الأسواق دون الإضرار بمنتجيها المحليين.

 

إيران ومعضلة أمن الطاقة

 

تظل إيران أحد أهم المتغيرات المؤثرة في معادلة الطاقة العالمية. فموقعها الجغرافي يمنحها قدرة استثنائية على التأثير في أمن الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم شرايين التجارة النفطية في العالم.

 

ولهذا السبب لا تنظر الأسواق إلى أي تصعيد عسكري مع إيران بوصفه حدثاً سياسياً فحسب، بل باعتباره تهديداً مباشراً لاستقرار إمدادات الطاقة العالمية.

 

فالخطر الحقيقي لا يكمن في اندلاع الحرب بحد ذاتها، بل في احتمالية تعطل تدفق النفط والغاز إلى الأسواق الدولية، الأمر الذي قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية خلال فترة زمنية قصيرة.

 

ومن هنا يمكن فهم جانب من الحذر الذي تبديه القوى الكبرى تجاه أي مواجهة واسعة النطاق في المنطقة، إذ إن تكلفة اضطراب أسواق الطاقة قد تتجاوز بكثير المكاسب السياسية أو العسكرية المتوقعة.

 

هل تستطيع الدول المستقلة كبح ارتفاع الأسعار؟

 

يفترض بعض المراقبين أن خروج عدد من الدول من أوبك قد يمنح السوق مرونة أكبر في مواجهة الأزمات، إذ تستطيع تلك الدول زيادة إنتاجها عند حدوث نقص في الإمدادات.

 

وتحمل هذه الفرضية قدراً من الصحة، لكنها ليست مطلقة. فزيادة الإنتاج تتطلب وجود طاقات إنتاجية فائضة جاهزة للتشغيل، كما تتطلب بقاء الموانئ وخطوط الشحن والممرات البحرية بعيدة عن التهديدات العسكرية.

 

وفي حال تعرضت مناطق الإنتاج أو الممرات البحرية الرئيسية لاضطرابات واسعة، فإن قدرة المنتجين الآخرين على تعويض النقص قد تكون محدودة، خصوصاً إذا شملت الأزمة عدة دول منتجة في الوقت نفسه.

 

من مفاوضات إيران إلى تراجع قبضة أوبك: هل يُعاد رسم خريطة الطاقة العالمية؟

 

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى المفاوضات المتجددة بين أمريكا وإيران، تبدو هناك تحولات أخرى أقل صخباً، لكنها لا تقل أهمية، تتمثل في تراجع الانضباط داخل أوبك، وازدياد رغبة بعض المنتجين في اتباع سياسات نفطية أكثر استقلالية.

 

وقد يبدو هذان المساران منفصلين للوهلة الأولى، غير أن قراءة أعمق للمشهد تكشف أنهما قد يكونان جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل سوق الطاقة العالمي.

 

فالحرب الشاملة مع إيران لا تعني مجرد صراع إقليمي، بل تحمل معها احتمال تهديد الملاحة في مضيق هرمز وتعطيل جزء مهم من صادرات النفط والغاز العالمية.

 

وفي بيئة اقتصادية هشة، قد يؤدي ذلك إلى قفزات حادة في أسعار الطاقة، بما ينعكس سلباً على التضخم والنمو والاستقرار المالي في مختلف أنحاء العالم.

 

وفي المقابل، لا ترتبط المفاوضات مع إيران بالملف النووي أو القضايا الأمنية وحدها، بل تتصل أيضاً بالحفاظ على استقرار سوق الطاقة. فكل برميل نفط إضافي يعود إلى الأسواق العالمية يمثل عاملاً مساعداً في زيادة المعروض وتقليص مخاطر الارتفاعات الحادة في الأسعار.

 

وفي الوقت ذاته، يشهد سوق النفط اتجاهاً متنامياً نحو مزيد من المرونة خارج الأطر التقليدية. فانسحاب بعض الدول من أوبك أو تراجع التزامها الصارم بحصص الإنتاج يمنح الأسواق قدرة أكبر على الاستجابة للأزمات. فإذا ارتفعت الأسعار نتيجة توتر جيوسياسي أو اضطراب في الإمدادات، تستطيع الدول غير المقيدة بقيود جماعية أن تزيد إنتاجها سعياً لتحقيق مكاسب إضافية، الأمر الذي يساعد على تهدئة الأسعار ومنع وصولها إلى مستويات تهدد الاقتصاد العالمي.

 

ولهذا يرى بعض المحللين أن العالم يتجه تدريجياً من مرحلة كانت فيها الأسعار تتأثر بصورة أساسية بقرارات أوبك، إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الجغرافيا السياسية والمنافسة بين المنتجين والتدخلات الحكومية ومصالح كبار المستهلكين.

 

ومع أن أوبك ما زالت تمتلك ثقلاً كبيراً في سوق الطاقة، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى أن قدرتها على التحكم المنفرد بمسار الأسعار لم تعد كما كانت في العقود السابقة. فالمفاوضات مع إيران، وتوسع إنتاج النفط خارج المنظمة، وتصاعد المنافسة بين المنتجين، كلها عوامل تدفع نحو سوق أكثر تعددية وأقل خضوعاً لمركز واحد للقرار.

 

وعليه، فإن ما يجري اليوم قد لا يكون مجرد محاولة لاحتواء أزمة إيرانية أو معالجة اختلال مؤقت في سوق النفط، بل ربما يمثل جزءاً من تحول أعمق يسعى إلى بناء نظام طاقة عالمي أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.

 

الاقتصاد العالمي بين الديون والطاقة

 

تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تحديات غير مسبوقة. فالديون الحكومية وديون الشركات والأسر بلغت مستويات تاريخية في العديد من الاقتصادات الكبرى، بينما تعاني الأسواق من تباطؤ النمو، وتراجع معدلات الاستثمار الإنتاجي، وارتفاع تكاليف الاقتراض.

 

وفي مثل هذه الظروف، يمكن لأي ارتفاع حاد في أسعار النفط أن يتحول إلى عامل مضاعف للأزمة الاقتصادية، من خلال زيادة التضخم، وتقليص القدرة الشرائية، ورفع تكاليف الإنتاج والنقل.

 

ولهذا تخشى الحكومات والبنوك المركزية من تزامن صدمة طاقة كبيرة مع تباطؤ اقتصادي عالمي، لأن اجتماع العاملين قد يدفع العديد من الاقتصادات إلى حالة من الركود العميق يصعب الخروج منها في المدى القصير.

 

نحو نظام طاقة عالمي جديد؟

 

تشير التطورات الحالية إلى أن العالم يدخل مرحلة انتقالية تتراجع فيها بعض سمات النظام الاقتصادي الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة. فالعولمة تواجه ضغوطاً متزايدة، والسياسات الحمائية تعود بقوة، والتنافس على الموارد الاستراتيجية يزداد حدة، بينما تتجه الدول الكبرى إلى إعادة بناء سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الخصوم الجيوسياسيين.

 

وفي هذا السياق، تبدو أسواق الطاقة مقبلة على مرحلة أكثر تقلباً، تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والعسكرية بصورة غير مسبوقة.

 

إن مستقبل سوق النفط العالمي لن يتحدد فقط بقرارات أوبك أو بحجم الإنتاج اليومي للدول المنتجة، بل سيتأثر بمجمل التحولات التي يشهدها النظام الدولي. فالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، ومستقبل أوبك، وتنامي النزعات الحمائية، وتضخم الديون العالمية، كلها عناصر تتفاعل معاً لتشكّل ملامح المرحلة المقبلة.

 

ويبقى السؤال الأهم: هل يمتلك الاقتصاد العالمي القدرة على تحمل صدمة طاقة جديدة إذا ما تزامنت مع تباطؤ اقتصادي متسارع وتزايد الاضطرابات الجيوسياسية؟ ذلك هو التحدي الحقيقي الذي قد يواجه العالم خلال السنوات القادمة.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف يُصنع القائد؟

 

 

لقد غرق العالم في عصرنا الحاضر في أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وعسكرية وبيئية لدرجةٍ لم يشهد لها التاريخ مثيلاً. فمنذ أن وطئت قدم الإنسان هذه الأرض، لم يسبق له أن واجه دوامةً من المشكلات الشاملة والمتشابكة بهذا الاتساع والعمق كما تواجهه اليوم. وإن من أبرز أسباب هذه الأزمات غيابَ القادة المسلمين ذوي الكفاية والعلماء الربانيين الصادقين عن المساهمة الفاعلة في تشخيص هذه المشكلات ومعالجتها، وتقديم الحلول الراشدة المستمدة من هدي الإسلام ومقاصده.

 

إنَّ الحلول التي يقدِّمها القادة غير المسلمين لهذه المشكلات ليست حلولاً حقيقية، بل هي تؤدي إلى مضاعفة المشكلات ما يفضي في النهاية إلى تدمير حياتهم وحياة الآخرين، بل وتحويل حياة الحيوانات والجمادات أيضاً إلى شقاءٍ وبلاءٍ لا ينتهي.

 

هل يوجد اليوم قادةٌ وعلماءُ مسلمون صادقون؟

 

إنَّ أكبرَ مشكلةٍ نواجهها اليوم هي غيابُ القادة والعلماء المسلمين الحقيقيين. حيث لا يعمل القادة الذين يتولَّون شؤون البلاد الإسلامية على معالجة هذه الأزمات وفق أحكام الإسلام، بل يعتمدون على تطبيق الحلول والنماذج الوافدة التي يضعها غير المسلمين.

 

وأما من يُنسَبون إلى العلم الشرعي، ويسمون من علماء المسلمين فإنهم لا يقدِّمون حلولاً نابعةً من أصول الإسلام بل يسعون إلى إضفاء الشرعية على الحلول التي يطرحها غير المسلمين، أو على السياسات التي يتبناها حكامهم، فيُلبسونها ثوبَ الإسلام ويُظهرونها وكأنها من أحكامه.

 

كيف يُصنع القائدُ المسلمُ الحقُّ والعالِمُ المسلمُ الربَّانيُّ؟

 

وأدعو عامةَ المسلمين وخاصتَهم إلى أن يُولوا هذا الموضوع ما يستحقه من العناية والاهتمام، وأن يجعلوه ميداناً للحوار والنقاش الجاد، وأن يسعوا إلى تقديم الرؤى والتوجيهات الواضحة والعملية بصورةٍ مستمرة. وسأعرض فيما يأتي خلاصةً موجزةً لما ظهر لي في هذه القضية من أفكارٍ وتأملات، ولا أدَّعي أن ما أذكره هو الحق الذي لا يحتمل الخطأ، بل أرجو من أهل العلم والخبرة أن يُقوِّموا ما فيه من خلل، ويُصلحوا ما قد يقع فيه من خطأ، ويُكمِلوا ما قد يكون فيه من نقص.

 

إنَّ القائد الحقَّ يتميَّز عن غيره بثلاث خصالٍ عظيمة: ١- تميُّزه في التفكير. ٢- رسوخ شخصيته وسموِّ أخلاقه. ٣- حسن تعامله مع من يقودهم ومع سائر الناس.

 

أولاً: التميُّز في التفكير

 

إنَّ القائد الحقَّ هو الذي يستشعر المشكلة قبل غيره، ويدركها إدراكاً مبكراً، ثم يتحمَّل مسؤولية معالجتها، فلا ينتظر أن يقوم بها غيره، بل يقول في نفسه، هذه مسؤوليتي، وأنا أولى الناس بالسعي إلى حلِّها. ثم يشرع في البحث عن الحلول، ويبتكر الوسائل والأساليب الكفيلة بتنفيذها. فإن وجد الوسائل اللازمة أحسن توظيفها واستثمارها، وإن لم يجدها سعى إلى إيجادها وصنعها، حتى يبلغ مقصوده ويحقق هدفه.

 

أما التابع الذي لا يملك صفات القيادة، أو من أُسنِد إليه منصب القيادة وهو في الحقيقة ليس بقائد، فإنه إذا واجه مشكلة، أو نُبِّه إلى وجودها، قال من الذي سيتولى حلَّ هذه المشكلة فلا يتحمل مسؤولية معالجتها، بل ينتظر أن يقوم بها غيره. وحتى إذا اقترح عليه أحدٌ حلّاً مناسباً، انصرف إلى تعداد العقبات، وراح يشتكي من قلة الوسائل أو انعدامها، أو من غياب الأساليب اللازمة لتنفيذ ذلك الحل، بدل أن يسعى إلى ابتكار الوسائل، وتهيئة الأسباب، وتحويل الفكرة إلى واقعٍ عملي.

 

والقائد الحقُّ لا ينشغل بالحاضر وحده، بل يظلُّ دائمَ التفكير في الغد ومستقبل من يقودهم. فهو يضع أمامه أهدافاً واضحةً محددة، ثم يُسخِّر جميع طاقاته للوصول إليها. ولا يفتأ يبحث عن أنسب الوسائل وأفضل الأساليب التي تُعينه على تحقيق تلك الأهداف، ويُحسن توظيفها، ويطوِّرها كلما دعت الحاجة، حتى يقود أتباعه إلى الغاية المنشودة بأفضل السبل وأحكمها.

 

وأما من لا يملك روح القيادة، فإنه ينشغل بالحاضر أكثر من انشغاله بالمستقبل، ولا يسعى إلى رسم الأهداف وصناعتها، بل يكتفي بالسير في الطريق الذي رسمه غيره، ويتطلع إلى بلوغ الأهداف التي حددها الآخرون، راضياً باتباعهم، دون أن يحمل همَّ المبادرة أو مسؤولية الريادة.

 

ثانياً: التميُّز في الشخصية والخلق

 

إنَّ القائد الحقَّ إذا تبيَّن له الهدف بعد تفكيرٍ عميقٍ ودراسةٍ راسخة، مضى إليه بعزمٍ وثبات، لا يعرف التردد، ولا يتراجع عند الشدائد. ولا يمنعه الخوف من النتائج، سواء أكانت في نظر الناس نفعاً أم ضرراً، من أداء ما يراه حقّاً وواجباً، بل يتحمل مسؤوليته كاملةً، ولا يفرُّ من تبعاتها، ولا يُلقي باللائمة على غيره. كما أنه لا يُظهر عجزاً في التفكير، ولا في ابتكار الوسائل والأساليب، بل يواصل البحث والاجتهاد حتى يجد الطريق الأمثل لتحقيق مقصوده، مستعيناً بالله، ثم بما آتاه الله من علمٍ وحكمةٍ وخبرة.

 

وأما من لا يتحلَّى بصفات القيادة، وإن أُجلِس على كرسيِّ القيادة، فإنه يتذرع بقلة الوسائل أو انعدامها، ويتخذ ذلك عذراً لترك العمل أو التراجع عنه. كما أنه يفتقر إلى الصبر والثبات عند مواجهة التحديات، فإذا اعترضته العقبات لم يثبت لها، بل سرعان ما يتراجع. ثم يُلقي مسؤولية الإخفاق على من سبقه، أو على من حوله، بدل أن يُراجع نفسه، ويجتهد في إصلاح الخلل، والبحث عن الحلول، وتحمل المسؤولية بشجاعةٍ وأمانة.

 

ثالثاً: التميُّز في معاملة الناس

 

إن القائد الحقَّ ينبغي أن يكون قدوةً لغيره في كل عمل، ولا سيما في الأعمال الشاقة والمواقف العظيمة؛ فلا يكتفي بإصدار الأوامر، بل يتقدم الصفوف بنفسه، ويضرب المثل في البذل والتضحية. وإذا نزلت الشدائد، أو حلت المصائب، كان الملجأ الذي يأوي إليه أتباعه، والجدار الذي يستندون إليه، فيرون فيه الصبر والثبات، وقوة العزيمة، والمداومة على العمل، فلا تزعزعه المحن، ولا تضعف همته أمام الأزمات. كما يحسن معرفة مواضع التشجيع والتحفيز، فيكرم من يستحق الإكرام في الوقت والمكان المناسبين، ويعرف متى يعفو، وعمن يعفو، إذا كان العفو أصلح وأنفع، ويضع كل أمر في موضعه، فيجمع بين الحزم والرحمة، وبين العدل والإحسان.

 

وأما من لا يتحلَّى بروح القيادة، فإنه عند الإخفاق أو في أوقات الشدة يتنحَّى عن مواطن المشقة، ويلتمس لنفسه شتى الأعذار، بدل أن يتقدم لتحمل المسؤولية. وإذا رأى أحداً قد أصابته مصيبة، أو بذل جهداً في سبيل العمل، لم يُحسن مواساته ولا تشجيعه، بل قد يقول له إنما عملتَ لنفسك، فأجرُ ذلك لك، فلا تمنَّ علينا بما صنعت. فيزيد بذلك من إحباطه بدل أن يقوِّي عزيمته ويبعث فيه الأمل. كما أنه لا يُحسن وضع التشجيع في موضعه، ولا يعرف متى يكون العفو أصلح، ولا متى تكون العقوبة أوجب، ولا يميز بين أحوال الناس، فيختل ميزان معاملته، ويغيب عنه حسن التقدير ووضع كل أمر في موضعه.

 

وأما الأساس الذي تُبنى عليه الأهداف، أو تُعالج في ضوئه المشكلات، فإنه لا يخرج عن ثلاثة أصول:

 

الأول: الهوى والرغبات الشخصية.

 

الثاني: الشريعة التي أنزلها الله تعالى.

 

الثالث: ما سوى الشريعة والهوى، كالعادات والأعراف، أو تقليد الناس، أو اتباع الأصدقاء، أو طاعة الوالدين فيما يخالف أمر الله، أو الاحتكام إلى القوانين والأنظمة التي لا تستند إلى شريعة الله.

 

فإذا كان أساسُ تحديد الأهداف أو معالجة المشكلات هو الهوى، أو المرجعيات المخالفة لشريعة الله، كانت العاقبةُ فساداً وشقاءً في الدنيا، وعذاباً في الآخرة إن مات الإنسان مصرّاً على ذلك غير تائب.

 

وأما إذا كان الأساس هو شريعة الله تعالى، فإنها تهدي إلى أقوم السبل، وتحقق للناس الخير والصلاح في دنياهم، وتكون سبباً للفوز برضوان الله تعالى وجنته في الآخرة لمن تمسك بها وأخلص لله عز وجل.

 

ومن أنفع الوسائل لإصلاح من يتولَّون قيادة المجتمعات الإسلامية أن يُحمَّلوا مسؤولية القيادة التي أُنيطت بهم، وأن يُطالَبوا بمواجهة المشكلات معالجةً حقيقية، فيُسأل كلُّ واحدٍ منهم: أنت قائد، فما هو حلك لهذه المشكلة؟ وعلى أيِّ أساس بنيت هذا الحل؟ أهو قائمٌ على رغبتك وهواك، أم على مرجعيةٍ بشرية، أم هو مستندٌ إلى شريعة الله تعالى؟ إذا كان الحل مستندا إلى هواه أو إلى غير شريعة الله، إلى الطواغيت من دستور سنه البرلمان أو قوانين الدول أو قرارات الأمم المتحدة فيلقى في سلة النفايات.

 

وينبغي أن يكون هذا السؤال وسيلةً لحملهم على المراجعة والتفكير والاجتهاد في الرجوع إلى أحكام الشريعة واستنباط الحلول منها، وألا يُلقَّنوا الجواب ابتداءً؛ لا يكرر كالحمقى يقول بما لا يفهم ولا يعمل لأن تدريبهم على التفكير والاجتهاد أدعى إلى ترسيخ الفهم وتحمل المسؤولية.

 

أما الآراء والاجتهادات المعدَّة سلفاً، فيمكن الاستفادة منها عند تقويم ما يطرحونه من حلول، ومناقشتها ومحاسبتها على ضوء الأدلة الشرعية، حتى يكون الحوار قائماً على العلم والبرهان، لا على مجرد التقليد.

 

ومن أعظم ما يؤثر في الحكام ويحمِّلهم مسؤولية الإصلاح مطالبةُ الأمة لهم بذلك؛ فإن حال الحكام كثيراً ما يكون انعكاساً لحال شعوبهم. ولهذا ينبغي أن يكون أفراد الأمة جميعاً، رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، على وعيٍ بمسؤوليتهم، فيطالبوا من يتولى شؤونهم بأن يواجه المشكلات ولا يتهرب منها، وأن يبين الأساس الذي بنى عليه حلوله وقراراته، فيُقال له: أنت مسؤول عن هذا الأمر، فما هو حلك؟ وعلى أي أصلٍ بنيت هذا الحل؟ وما دليلك ومرجعيتك؟ فإن دوام المساءلة، والمطالبة بالبيان والدليل، من الأسباب التي تدفع القائد إلى مراجعة اجتهاده، وتحري الحق، وتحمل مسؤوليته أمام الله ثم أمام الناس.

 

وفي هذا المقام أُوصي الآباء والأمهات بأن يحرصوا على تنشئة أبنائهم على صفات القيادة وتحمل المسؤولية؛ فإن ذلك من أعظم ما يحتاج إليه الفرد والأمة. ولهذا ينبغي أن يُعوِّدوا أبناءهم منذ نعومة أظفارهم على مواجهة المشكلات، صغيرها وكبيرها، فيعرضوا عليهم المسألة، ثم يقولوا لهم كيف ستحلون هذه المشكلة؟ ويطلبوا منهم أن يفكروا ويقترحوا الحلول بأنفسهم، ولا يُسارعوا إلى تقديم الجواب لهم ابتداءً.

 

فإذا عرض الأبناء ما توصلوا إليه من حلول، ناقشهم الآباء والأمهات، ووجهوهم إلى ما فيه الصواب، وبينوا لهم جوانب القوة والضعف في تفكيرهم؛ فإن هذا الأسلوب يُنمِّي فيهم ملكةَ حلِّ المشكلات، ويُكوِّن شخصيةً قياديةً، ويغرس فيهم روح المبادرة، وحسنَ تحمل المسؤولية، والقدرةَ على المطالبة بالدليل، وإقامة الأحكام على أسسٍ صحيحة.

 

إنَّ تربيةَ الأمة، وتوجيهَها، ومحاسبةَ الحكام على أداء مسؤولياتهم على الوجه الصحيح، من أعظم الواجبات التي ينبغي أن يضطلع بها العلماء الربانيون؛ فهم ورثة الأنبياء، وحملةُ العلم، ومناراتُ الهداية والإصلاح.

ومسؤولية إيجاد العلماء الربانيين وتربيتهم أيضا تقع على كاهل الأمة. وإن الأمة بحاجة ماسة إلى علماء ربانيين يجمعون بين العلم والبصيرة والقدرة على بيان أحكام الشريعة في قضايا العصر، فإن الإسهام في إعداد هذا الصنف من العلماء مسؤوليةٌ يشترك فيها أفراد الأمة جميعاً، كلٌّ بحسب قدرته ومجاله.

 

ومن الوسائل التي تُعين على ذلك أن يكثر الناس من عرض القضايا السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية، والبيئية، وغيرها من النوازل، على أهل العلم ومن عُرفوا بالاشتغال بالعلم الشرعي، وأن يطلبوا منهم بيان الحكم الشرعي فيها بأدلته، وشرح الأسس التي بُني عليها ذلك الحكم، وبيان من أناطت به الشريعة مسؤولية تنفيذ هذه الأحكام، حتى تتجدد صلة العلماء بواقع الأمة، ويترسخ الاجتهاد المنضبط بالدليل، وتبقى قضايا الناس حاضرة في ميادين البحث والتعليم والإرشاد.

 

ولا يحتاج عامةُ الناس إلى علمٍ واسعٍ للقيام بهذا الواجب، بل يكفي أن يدركوا أصلَ المسؤولية، وأن يلتزموا بالمطالبة بها باستمرار. فالمقصود ليس أن يكون كل فردٍ مجتهداً، وإنما أن يحرص على السؤال، وطلب البيان، وعدم ترك القضايا العامة دون مساءلة. وأهم ما في ذلك هو دوام المطالبة والاستمرار عليها؛ فيُقال لمن تولى شؤون الناس: "أنت المسؤول عن معالجة هذه المشكلات، فما هو الحل الذي تراه؟ وعلى أي أساس بنيته؟" ويُقال لأهل العلم: "أنتم من أهل العلم بالشريعة، فبيِّنوا لنا حكم الله في هذه القضايا، مع أدلته، وبيِّنوا كذلك من أناطت الشريعة به مسؤولية تنفيذ هذه الأحكام".

 

فإن كثرة السؤال، وطلب الدليل، واستمرار الحوار العلمي، من الأسباب التي تُعين على ترسيخ ثقافة المسؤولية، وإحياء الاجتهاد، وربط الأمة بالعلم والبرهان.

 

إنَّ شريعةَ الإسلام شريعةٌ كاملةٌ أنزلها الله تعالى لهداية البشر، وجعل فيها من الأصول والقواعد والمقاصد ما يهدي إلى معالجة شؤون الحياة على أتمِّ وجه. وهي ليست خاصةً بتنظيم حياة المسلمين فحسب، بل تحمل من المبادئ والقيم ما يحقق العدل والرحمة والمصلحة للناس كافة إذا فُهمت فهماً صحيحاً وطُبِّقت على وجهها الصحيح. وقد حفظ الله هذه الشريعة، فبقيت نصوصها وأصولها ثابتةً لا يعتريها التبديل، وهي تدعو أهل العلم إلى الرجوع إليها، وفهمها فهماً راسخاً، واستنباط الأحكام منها، وتنزيلها على الوقائع بما يوافق مقاصدها وأدلتها.

 

ومن ثمَّ فإن الحاجة اليوم ليست إلى شريعةٍ جديدة، وإنما إلى من يُحسن فهم شريعة الله، ويجتهد في بيانها، ويعمل على تطبيقها بالعلم والحكمة والعدل، حتى تؤتي ثمارها في إصلاح الإنسان والمجتمع، وتكون سبباً في خير الدنيا والفوز بالآخرة بإذن الله تعالى. إنَّ فهمَ شريعةِ الإسلام وإدراكَها وتطبيقَها لا يحتاج إلى وقتٍ طويل، وإنما يحتاج إلى الرجوع إليها. فإذا رجع الناس إليها، سواء أكانوا مسلمين من قبل أم لم يكونوا، أدركوها بسرعةٍ كبيرة، ولم يكن تطبيقها مما يوقعهم في مشقة، بل يكون سريعاً ويسيراً.

 

اللهم اجعلنا من الذين يفهمون الإسلام فهماً صحيحاً، ويبلغونه تبليغاً صحيحاً، ويطبقونه تطبيقاً صحيحاً. اللهم واجعلنا سبباً في إظهار الإسلام وعزِّ المسلمين، وانصر بنا دينك، وأعلِ به كلمتك، إنك على كل شيء قدير.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أحمد هادي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف صنع القرآن الرعيل الأول؟

 

 

ما بالُ القرآن الذي هزَّ الدنيا بالأمس، لا يهزُّ القلوب اليوم إلا قليلاً؟ وما بالُ تلك الآيات التي صنعت من رعاة الإبل سادةَ الأمم، تمرُّ الآن على الأسماع كما يمرُّ النسيم على الصخر، فلا تحرِّك فيه حياةً، ولا تُنشئ أثراً؟

 

إن القرآن هو القرآن، لم تتغير منه آية، ولم تسقط منه كلمة، ولم يخبُ فيه ذلك النور الذي أضاء للإنسانية ليلها الحالك الطويل. ولكن الذي تغير هو الإنسان، فهناك فرق بين قلب يتلقى القرآن ليحيا به، وقلب يتلقاه ليتمتم به عادةً من عاداته.

 

لقد نزل القرآن أول ما نزل على قوم كانت أرواحهم عطشى إلى الحقيقة، فلامستها آيات السماء، فتفجرت فيها ينابيع الحياة، وانبعثت منها قوة جديدة لم يعرفها التاريخ من قبل.

 

قوم كانوا إذا سمعوا الآية أحسوا أنها نداء من الله إلى أرواحهم، وأنها أمر يجب أن يتحول إلى عمل، ومعنى يجب أن يتحول إلى حياة.

 

أما نحن اليوم، فكثيراً ما جعلنا بيننا وبين القرآن حجاباً من الألفة، نقرؤه حتى اعتادت الآذان ألفاظه، ولكن القلوب لم تعد ترتجف لمعانيه. نحسن ترديد الحروف، ولكننا لا نقف طويلاً عند الأسرار التي تحملها تلك الحروف، فكان القرآن عندنا كتاباً يُقرأ، وكان عندهم حياةً تُعاش.

 

لقد كان الصحابي يخرج من الآية التي قرأها إنساناً غير الذي دخل إليها، فإذا سمع أمراً أطاع، وإذا سمع نهياً انتهى، وإذا سمع وعداً طمع، وإذا سمع وعيداً خاف وارتجف.

 

أما كثير من الناس اليوم، فيخرجون من القرآن كما دخلوا إليه؛ لأن الكلمات التي مرت على الألسن لم تنفذ إلى أعماق القلوب.

 

القرآن لم ينزل ليكون زينةً للمجالس، ولا أنغاماً عذبةً تتردد في المحاريب، وإنما نزل لينشئ الإنسان الجديد. فإذا تحول من كتاب في اليد إلى خلق في النفس، ومن آيات في المصحف إلى مبادئ في السلوك، عاد ليصنع العجائب.

 

ولهذا استطاع المسلمون الأوائل أن يغيروا وجه التاريخ؛ لأن القرآن لم يكن محفوظاً في صدورهم فحسب، بل كان جارياً في دمائهم، ناطقاً بألسنتهم، ظاهراً في أخلاقهم وأعمالهم.

 

لذلك، لما رأى الناس العدل يمشي بينهم، والرحمة ترفرف على قلوبهم، والصدق يشرق من وجوههم، آمنوا برسالة تجسدت في الناس قبل أن تُكتب في كتاب.

 

وهكذا فتح المسلمون القلوب قبل أن يفتحوا البلدان، وغيروا العالم.

 

وهكذا لم يغير المسلمون الأوائل العالم بكثرة عددهم، ولا بعظيم عدتهم، بل لأن القرآن تحول فيهم من كلمات تتلى إلى قيم تُعاش، حتى انتشر نور الإسلام؛ لأن الناس رأوا القرآن حياً في سلوكهم قبل أن يسمعوه من ألسنتهم.

 

فما غيَّر العالم يومئذ لم يكن مجرد قراءة القرآن، بل تحول الإنسان نفسه إلى ترجمة عملية لآياته.

 

فالقرآن في جوهره ليس كتاب معلومات، بل كتاب هداية، وليس هدفه أن يختبرك كم تعرف، بل أن يسألك: من أنت؟ وإلى أين تمضي؟ وما القيمة التي تحملها وأنت تعبر هذا العالم الفاني؟

 

إن الأزمة اليوم ليست في غياب القرآن عن حياتنا، فهو حاضر في بيوتنا ومساجدنا وهواتفنا، وإنما الأزمة في غياب الاستعداد الداخلي لاستقباله. فالشمس لا تبخل بالنور، لكن النوافذ المغلقة لا تستقبل الضوء، والقرآن لا يبخل بالهداية، ولكن القلوب الممتلئة بضجيج الدنيا لا تسمع النداء.

 

لقد نزل القرآن على قوم كانوا كغيرهم من البشر، يأكلون ويشربون، ويتخاصمون ويخطئون، لكنه ما إن لامس أرواحهم حتى حدث شيء يشبه المعجزة. لم تتغير الكلمات، بل تغير الإنسان، ولم تتبدل الأرض، بل تبدلت النفوس.

 

الوحي لم ينزل ليضيف إلى العالم كتاباً جديداً، بل لينشئ نمطاً جديداً من البشر.

 

لذا كان الصحابي إذا سمع آية شعر أنها تنظر إليه مباشرة، لا إلى الناس جميعاً. كان يسمع الأمر فيرى نفسه مسؤولاً عنه، ويسمع النهي فيرى نفسه مخاطباً به. لم يكن القرآن عنده موضوعاً للتلاوة فحسب، بل مشروعاً للتحول. لذلك خرج من بين دفتي المصحف ليصبح أخلاقاً في الأسواق، ودستوراً في الحكم، ورحمةً في البيوت، وشجاعةً في المواقف.

 

إن ما يعيشه المسلمون اليوم من ضعف وتفرق وتسلط الأعداء ليس أمراً عارضاً، بل هو نتيجة طبيعية للابتعاد عن كتاب الله، وتعطيل أحكامه، واستبدال مناهج البشر بها. وقد وعد الله تعالى النصر والتمكين والعزة لمن أطاعه، كما حذر من الشقاء والضنك لمن أعرض عن ذكره. فلا سبيل إلى استعادة القوة والوحدة والتمكين إلا بالرجوع الصادق إلى كتاب الله، واستئناف الحياة الإسلامية وفق منهج الله، وتحكيم شرعه في شؤون الحياة أفراداً ومجتمعات، عندها يتحقق وعد الله بالنصر والتمكين: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الخلافة.. الفرض الضائع وطريق العزة المفقود

 

لم يعرف المسلمون عزاً ولا وحدة ولا حماية لدمائهم ومقدساتهم إلا في ظل دولة واحدة تجمعهم تحت راية واحدة؛ من خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، إلى الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية، كان للمسلمين كيان سياسي واحد يحكم بالكتاب والسنة، ويذود عن الحمى، ويحمل الدعوة للعالم. وبغياب هذه الدولة دخلت الأمة مرحلة تمزق وتخلف وتبعية، فصارت دماؤها مستباحة، وقرارها مرهون بغيرها.

 

صرخةٌ واحدة تكفي لنصحو من سباتنا! صرخةُ أمٍ في غزة وهي تحتضن أشلاء ولدها، صرخةُ رجلٍ في السودان وهو يرى أرضه تُنهب ودمه يُستباح، صرخةُ يتيمٍ في الشام لا يجد من يمسح دمعه، وغيرها من صرخات المظلومين في كل بقاع الأرض.

 

هذه الصرخات لم تكن لتصل إلى هذا الحد لو كان لنا إمام واحد، وسيف واحد، وكلمة واحدة. كنا أمةً إذا اشتكى مظلوم في أقصى الأرض، تحركت الجيوش لأجله. واليوم نحن ملياران، ولا يجرؤ واحدٌ منا أن يرفع صوته إلا همساً!

 

ما يحصل من أحداث في العالم تكشف عجز النظام الدولي القائم، وتكشف قبل ذلك عجز التفرق الذي نعيشه. زهاء ستين كياناً ضعيفاً، كل واحد مشغول بحدوده ومصالح حكامه، لا يستطيع أن يحرك جيشاً واحداً لنصرة مظلوم أو ردع معتدٍ. صارت القضايا الكبرى تُدار في غرف الأمم المتحدة والفيتو الأمريكي.

 

المسألة ليست مسألة ضعف عسكري ولا قلة مال. المسألة أننا فقدنا الجامع الذي يحول الأشتات إلى جسد واحد؛ لقد فقدنا الخلافة.

 

إن الخلافة ليست ذكرى عابرة في كتب التاريخ، ولا مشروعاً سياسياً من مشاريع النهضة المتعثرة. الخلافة هي الهيئة التنفيذية لعقيدة "لا إله إلا الله". هي أن يكون الحكم لله وحده، وأن يكون السلطان للشرع وحده، وأن يكون للناس إمامٌ يقيم الدين ويحرس الدنيا به. ولهذا فزع الصحابة يوم قبض رسول الله ﷺ. لم يفزعوا على شخصه بقدر ما فزعوا على معنى انقطاع الوحي وغياب الإمام. فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة قبل أن يواروه الثرى، لأنهم فهموا أن تعطيل الإمامة ساعة واحدة مفسدة لا تحتملها الأرض. فهموا أن الأمة بلا خليفة كالسفينة بلا ربان، تتقاذفها الأمواج حتى تغرق.

 

أكثر من ألف عامٍ عشناها في ظل الخلافة، فعرفنا معنى أن يكون للرجل كرامة لا تُمس، وللمرأة عزة لا تُنتهك؛ ففي عهد عمر وقفت امرأة ترد عليه في المسجد في مسألة المهور، فيقول أمام الملأ: أصابت امرأة وأخطأ عمر! أي دولة هذه التي تجعل من صوت المرأة حجةً على الخليفة؟ وفي عهد المعتصم صاحت امرأة مظلومة: وا معتصماه، فحرك جيشاً لم يسمع به الروم من قبل. أي عز هذا الذي يجعل عرض امرأةٍ واحدة قضية دولة؟

 

وكان الرجل يخرج للجهاد وهو مطمئن على أهله، لأن فوقه دولة تحمي عرضه، وترعى أهله، وتقيم عدله، وترد مظلمته. فلما سقطت الخلافة في ليلةٍ سوداء من ليالي رجب 1342 هجرية، سقط معها معنى الأمة؛

 

تقطعنا إلى دويلات، وصار كل جزءٍ منا يظن أنه وطن! صار العدو يرسم حدودنا بالقلم، ويقسم ثرواتنا بالميزان، ويقتلنا بالوكالة. صار الرجل بلا ظهر، فإذا تكلم سُجن، وإذا عمل أُذل، وإذا طالب بحق قيل له: هذا شأن داخلي! وصارت المرأة سلعةً في سوق العرض والطلب، مرةً باسم التحرر، ومرةً باسم التمكين، وكلاهما يفرغها من معنى الأمومة والكرامة. صار سترنا تخلفاً، وحجابنا إرهاباً، وأمومتنا عبودية. وصرنا نستجدي حقوقنا من مؤتمراتٍ لا تعرف للعرض حرمة، ونوقع على اتفاقياتٍ تجعل من بيوتنا ساحةً للصراع!

 

إن الخلافة ليست قيداً كما يصورونها، بل هي التحرير الحقيقي من ربقة الاحتلال الرأسمالي؛ تحرر الرجل من ذل الوظيفة التي تجعله عبداً لراتب لا يمكّنه من حيازة الأساسيات له ولأهله، ومن خوف الكلمة التي تجعله جباناً في بيت الله. وتحرر المرأة من عبودية الموضة التي تجعلها سلعة، ومن وهم الاستقلال الذي يسرق منها أولادها لأن فوق الجميع شرعاً واحداً لا يُبدل ولا يُحابي ولا يداجي وأسمى صفة للإنسان فيه أن يكون عبدا لله وحده يحكم ويحتكم إلى شرعه ويلتزم أحكامه ابتغاء رضوانه وجنته.

 

واليوم بدون سلطان الإسلام صرنا أيتاماً على موائد اللئام، لكن لنبكِ بعين العقل لا بعين العجز.

 

أمةٌ تملك ثروات الأرض، وشعوبها تموت جوعاً على أبواب السفارات، ثم تستجدي من الغرب ومنظماته الفتات! أمةٌ فيها ثلاثة ملايين مقاتل، فإذا اعتدي على مقدساتها قادها حكامها لأن تناشد المجتمع الدولي الذي بنى علاقاته الدائمية على حرب الإسلام والمسلمين! وهكذا قادوا الأمة لسحقها ومحقها لولا رحمة الله أن جيّر لها من يعيدها إلى النبع الصافي، ويخبرها بأن ما تعيشه من ذل وتسلط للأعداء عليها ليس قدراً محتوما، فهذه نتيجةٌ حتمية لترك الفرض. وكما أن الصلاة إذا تركت انهارت النفسية وانتكست، فكذلك الخلافة إذا تُركت انهارت الأمة وتهاوت أركان عزتها.

 

ولكن الأمة رغم ما وصلت إليه لم تمت والبشارة كذلك لم تمت، والوعد لم يكذب. قال رسول الله ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ. ثُمَّ سَكَتَ».

 

فالخلافة قادمة لا محالة، لأنها وعد الله سبحانه وبشرى رسوله ﷺ، لكنها لا تنزل من السماء ونحن نيام، بل تأتي بسعي رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ونساءٍ لا يرضين أن يكنّ أمهاتٍ للهزيمة.

 

إن معركة الخلافة تبدأ من البيت؛ من أبٍ يربي ولده على أن عز الأمة في عز دينها، ومن أمٍ تغرس في قلب ابنتها أن حجابها تاجٌ لا يُخلع وأن عزتها في عزة الأمة الإسلامية وأن عليها أن تكون كنساء الأنصار، أو كخديجة في الثبات حين يتخلى الجميع، وكأبي بكر في الصدق حين يخون الجميع، وكعمر في العدل حين يظلم الجميع، وكخالد في الميدان حين ينادي المنادي.

 

يا أمة الإسلام، إن سكوتنا خيانة، وصمتنا مشاركة في الجريمة. لا يقول الرجل: ماذا بيدي أن أفعل؟ ولا تقول المرأة: أنا ضعيفة. بيدك أن ترفض الذل، بيدك أن تربي جيلاً لا ينحني، بيدك أن تكون صوت الحق في بيتك وحيّك ومدرستك.

 

فوالله لا تعود العزة حتى تعود الخلافة، ولا تعود لنا كرامة حتى نعود إلى شرع الله. وعندها، والله، ستعود تلك الأيام التي كان فيها الرجل يخرج آمناً، والمرأة تمشي آمنة من أقصى الأرض إلى أقصاها، بل الجميع حتى يسير الراعي من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله أو الذئب على غنمه.

 

وعندها سيعرف أبناؤنا معنى أن يكون لهم سلطان وعزة ودار، وأن يكون لهم خليفة، وأن يكون لهم عزٌ لا يُشترى بمال ولا يُساوم عليه في مجلس الأمن.

 

قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فهل نقبل أن يأتي ذلك اليوم ونحن متفرجون؟ أم سنكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾؟

 

فلنسارع وندعو رجال الأمة ونساءها ليتخذوا الإسلام قضيتهم المصيرية. قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سوسن القشيبي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدروس العسكرية للحروب المعاصرة

وأثرها في بناء دولة الخلافة

 

ما الذي يمكن استفادته من الحروب التي دارت وتدور في لبنان، وغزة، وإيران؟ إنها مواجهات جرت بين قوى تُصنف "ضعيفة" مادياً، وقوى أخرى تملك قدرات عسكرية هائلة تعجز الدول عن حصرها. وتكتسب هذه الدروس أهمية مضاعفة؛ كونها تمثل ركيزة عملية وميدانية واعدة لكيفية إدارة الصراع فيما لو قامت دولة الخلافة الراشدة.

 

أولاً: ساحة جنوب لبنان (حرب تموز والالتحام مع الطبيعة)

 

في المواجهة الميدانية بجنوب لبنان، برزت معادلة فريدة؛ فحزب إيران يمتلك أفراداً مدربين على حرب العصابات بأسلحة خفيفة وغير مكلفة، ولا تحتاج إلى خطوط إمداد ومصانع ضخمة. لكن العامل الأساسي كان استغلال الطبيعة الشرسة كمسرح حرب واقٍ، في مقابل جيشٍ مندفع مغرور بقوته، وهو الجيش الذي كان يُوصف بأنه "لا يُقهر"، وهنا كان مقتله. فخرج العدو بعد مضي أربعين يوماً يجر أذيال الخيبة والخسران، مسجلاً نصراً مذهلاً لمجموعات بشرية لا تتجاوز المئات، تزهو بعقيدتها وسلاحها الخفيف، بينما خسر كيان يهود هيبة تاج سلاحه ودبابات ميركافا التي بانت هشاشتها في تلك الموقعة.

 

أبرز مقومات القوة الاستراتيجية في هذه الساحة:

 

  • العنصر البشري: أفراد مدربون على حرب العصابات، يمتلكون عقيدة قتالية صلبة وجاهزية تامة للتضحية والاستشهاد.
  •  
  • التسليح المرن: سلاح فردي خفيف غير معيق للحركة، ولا يحتاج لوسائط نقل ثقيلة تجعله عرضة للاستهداف والملاحقة.
  •  
  • تطويع الجغرافيا: الطبيعة التي خلقها الله سبحانه وتعالى تحملت آلاف الأطنان من القنابل والمتفجرات دون أن تتغير معالمها الثابتة؛ فظلت الجبال جبالاً والوديان ودياناً والكهوف ملاذات آمنة، ليكون اختيار الطبيعة سلاحاً وميداناً في آنٍ معاً.
  •  
  •  

ثانياً: غزة الشمّاء (معجزة الهندسة تحت الحصار)

 

في غزة، تشكلت جماعات مسلحة تدربت على حرب العصابات، وحازت مخزوناً من الأسلحة الخفيفة سهلة النقل والانتقال، والتي لا تحتاج إلى آليات ثقيلة يسهل اصطيادها واكتشافها. هي أسلحة قليلة التكلفة تصنع في ورش حدادة صغيرة ومبعثرة هنا وهناك.

 

ومع ذلك، برز التحدي الأكبر وهو الجغرافيا؛ فغزة من الناحية العسكرية التقليدية تُعد ساقطة؛ فهي شريط ساحلي ممتد لـ40 كيلومتراً على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وبعمق يتراوح بين 4 إلى 11 كيلومتراً في الجنوب (بمتوسط حسابي يبلغ 8 كيلومترات)، وبمساحة إجمالية لا تتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً. عسكرياً، قد لا تحتاج هذه المساحة لأكثر من كتيبتين وثلاث طائرات للاستيلاء عليها. فكيف السبيل للاتقاء من سلاح جو ضخم وجيش قوامه نصف مليون جندي مدججين بأعتى آلة عسكرية في العالم؟ وبلا مبالغة، حظي هذا الجيش بدعم دول العالم الغربي بلا استثناء، في حربٍ اجتمع المجتمع الدولي عليها دعماً وإسناداً وإمداداً وحصاراً.

 

من هنا، استفادت هذه المجموعات من تجارب غيرها عبر إعادة صياغة طبيعة القطاع جغرافيّاً، فأحدثت عملاً هندسياً لا مثيل له تجاوز أنفاق فيتنام البدائية، من خلال حفر شبكات أنفاق عملاقة تعجز عنها دول كبرى. وقد وُزعت لهذه الأنفاق وظائف تكتيكية دقيقة:

 

  • أنفاق مخصصة للتضليل والمناورة
  • أنفاق للاستدراج والكمائن القتالية
  • أنفاق للالتجاء، والتحصن، والانتظار خلف خطوط العدو
  •  
  •  

لقد لعبت هذه الطبيعة الاصطناعية المعدلة دوراً حاسماً في الحرب التي دارت بين ثلة مؤمنة بقضيتها، دُربت عقائدياً وجسدياً على حرب العصابات، وأعدت إعداداً جيداً بقدرات بسيطة، في مواجهة قوة عالمية تدعمها أمريكا بحسابٍ مفتوح، وأوروبا بكامل ثقلها، فضلاً عن تواطؤ أطراف إقليمية شاركت بحصار خانق أو بإمداد العدو. ورغم أن العدو مسح غزة وحوّلها إلى ركام، إلا أنه بعد مئات الأيام من القتال الضاري، أُخرجت ألوية كاملة من جيش الكيان ومرتزقته بين قتيل وجريح ومعاق، فضلاً عن عشرات الآلاف الذين يعانون من الصدمات النفسية، وتكبد اقتصادهم خسائر بمئات المليارات أدت لتوقف إنتاج المستوطنات وهجرة سكانها نحو الداخل. لقد تحولت أقوى آلياتهم العسكرية إلى ألعوبة بيد المقاتلين، ما اضطر الكيان إلى إعادة استخدام آليات عسكرية قديمة أُعفيت سابقاً من الخدمة.

 

الدروس المستفادة من ساحة غزة:

 

1. العقيدة والتدريب: رجال عقائديون يطلبون الشهادة كمبتغى أساسي

 

2. التصنيع المحلي المقاوم: أسلحة خفيفة وغير مكلفة تُنتج في ورش بسيطة تشبه تلك الموجودة في بقاع العالم النامي، بعيداً عن المصانع الضخمة المرصودة

 

3. هندسة الجغرافيا: تعديل الطبيعة جغرافياً واستخدامها كسلاح استراتيجي لتعويض النقص في السلاح الجوي والآليات الثقيلة

 

ثالثاً: المواجهة مع إيران (شبكة الدفاع العنكبوتية والجغرافيا الضخمة)

 

حين أعدت أمريكا وكيان يهود - بدعم وتواطؤ إقليمي - لمواجهة إيران، كانت طهران قد أعدت إعداداً أكبر؛ لإدراك قادتها أن المواجهة فرضت نفسها فرضاً. ونظراً لوجود عقوبات دولية تمنعها من استيراد أسلحة تماثل ما يملكه خصومها، فقد اعتمدت على نفسها كلياً وبصمت مطبق.

 

أنشأت إيران شبكات أنفاق عملاقة تحت أعماق الجبال الشاهقة، بحيث لا تصل إليها أعتى القنابل الخارقة للتحصينات، وبنت داخلها مصانعها، ومعاملها، ومستودعاتها الاستراتيجية. وعند اندلاع المواجهة، استخدمت سلاحاً من صنع يدها وعقول رجالها.

 

ظن الأمريكان والصهاينة أن غياب سلاح جو فعال ومتطور لدى إيران، والاعتماد على دفاعات جوية مكشوفة يسهل التشويش عليها، سيحسم المعركة بضرب القواعد والقيادات المرصودة. وبالفعل، استُهدفت الصفوف القيادية الأولى والثانية، وظن العدو أن المعركة حُسمت وأن طهران سترفع الراية البيضاء. لكن الواقع كان مغايراً؛ إذ فتحت الطبيعة المحصنة أبوابها وانهمرت الصواريخ على القواعد الأمريكية؛ لأن واشنطن دخلت الحرب بمعطيات وخلفيات تقليدية لم تدقق فيها جيداً، وتجلى ذلك في نقطتين:

 

· أثر غياب القيادة البراغماتية: إن تصفية القيادات العليا (التي كانت تتبنى نفساً براغماتياً يتجنب الصدام المباشر مع أمريكا) أزال العائق تلقائياً أمام القيادات الشابة المتحمسة والمدربة عقائدياً على خوض حرب استنزاف شاملة ومباشرة.

 

· إغفال معطيات الجغرافيا الحيوية: أخطأت أمريكا حين بنت حساباتها على نماذج قديمة كحربها مع اليابان في الحرب العالمية الثانية؛ فإيران تمتلك مساحة ضخمة تمتد لآلاف الكيلومترات ذات طبيعة جبلية معقدة تضيع فيها أعتى الجيوش، فضلاً عن كتلة بشرية تقارب 90 مليون نسمة وجيش نظامي واحتياطي يقدر بمليون مقاتل. أضف إلى ذلك وجود القواعد الأمريكية ضمن مرمى النيران الإيرانية المباشرة، ووقوع الجغرافيا الطاقية للعالم (إمدادات النفط والغاز) تحت رحمتها، فضلاً عن قُرب الكيان الصهيوني الهش عسكرياً وأمنياً.

 

هذه المعطيات جعلت الأصوات العسكرية الأمريكية العاقلة ترفض الضربة وتُقصى من مناصبها. ونتيجة لذلك، تلقت أمريكا درساً مؤلماً لم تنفع فيه بوارجها، ما دفع إدارتها لاستجداء الوساطات، والذهاب إلى قوى دولية كبرى كالصين لطلب احتواء الموقف، في مشهد أظهر تراجع الهيبة الأمريكية بشكل غير مسبوق.

 

الدروس المستفادة من الساحة الإيرانية:

 

· اللامركزية القتالية: رجال مدربون على الحرب الإلكترونية وإنتاج السلاح بالمتاح، موزعون ضمن "شبكة عنكبوتية" تمنح الوحدات العسكرية حرية التحرك والقرار دون الحاجة للرجوع لقيادات مركزية أو استخدام وسائل اتصال يسهل تعقبها.

 

· تجنب فخ الأرض: إدراك القوات المعادية للفخ الأرضي المعد لها في الجغرافيا الإيرانية، ما جعل المواجهة تقتصر على البعد الجوي والصاروخي؛ لمعرفتهم أن أي إنزال بري سيعني إفناء تلك القوات.

 

· المضائق الحيوية كأوراق ضغط: إضافة عامل الممرات المائية كمضيقي هرمز وباب المندب كأدوات خنق اقتصادي عالمي يمكن تفعيلها بيسر وسهولة.

 

خاتمة: المحصلة الاستراتيجية لدولة الخلافة الراشدة

 

بناءً على هذه المعطيات الثلاثة، كيف سيكون حال دولة الخلافة الراشدة؟ إن دولة تمتلك القيادة المخلصة، والبعد الاستراتيجي الممتد، والجيش العقائدي المجيّش، والموارد الهائلة التي تجعلها في غنى تام عن أي قرارات حصار دولي، مستندة إلى جغرافيا شاسعة ومتنوعة ورجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ لن تكون مجرد دولة ناشئة.

 

إن الخلافة القائمة قريبا بإذن الله تعالى ستفرض نفسها كدولة عظمى منذ اليوم الأول لوجودها وفور صدور بيانها الأول؛ لأن كل هذه الإمكانات المتاحة والمجربة ميدانياً في بؤر الصراع الحالية لا تحتاج إلا إلى مظلة سياسية موحدة لتوظيفها وتوجيهها. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سالم أبو سبيتان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

حين يُباع الذهب... هل تبدأ الدول ببيع مستقبلها؟!

 

 

ليست كل الأزمات تُقاس بما تفقده الدول من عملات أجنبية، ولا بما ينخفض من قيمة عملاتها المحلية، فهناك خسائر لا تظهر على شاشات البورصات، لكنها تُسجَّل في دفاتر التاريخ الاقتصادي للأمم. وعندما تصل دولة إلى مرحلة تضطر فيها إلى تسييل جزء من احتياطياتها الذهبية من أجل الدفاع عن عملتها أو توفير السيولة، فإن السؤال لا يعود مالياً فحسب، بل يصبح سؤالاً استراتيجياً يتعلق بمستقبل الدولة وقدرتها على الصمود.

 

فالذهب لم يكن يوماً مجرد معدن نفيس، بل كان، على امتداد التاريخ، عنواناً للسيادة الاقتصادية، وملاذاً أخيراً تلجأ إليه الدول عندما تفقد الأدوات التقليدية قدرتها على حماية الاقتصاد. ولهذا لم تتوقف البنوك المركزية الكبرى عن زيادة احتياطياتها من الذهب خلال السنوات الأخيرة، إدراكاً منها أن العالم يتجه نحو مرحلة تتراجع فيها الثقة بالنظام المالي العالمي، وتتزايد فيها المخاطر الجيوسياسية.

 

في هذا السياق، كشفت بيانات البنك المركزي التركي أن احتياطي الذهب تراجع بنحو ستين طناً خلال فترة قصيرة، نتيجة عمليات بيع ومقايضة هدفت إلى توفير مليارات الدولارات من السيولة الأجنبية. حيث ذكرت وكالة رويترز، في 26/6/2026، أن احتياطيات الذهب انخفضت بنحو 50 طناً في أسبوع واحد، وهو أكبر انخفاض أسبوعي منذ عام 2018، واستناداً إلى بيانات البنك المركزي التركي، فإنه باع نحو 3 مليارات دولار من الذهب خلال أسبوع، إلى جانب بيع 26 مليار دولار من احتياطي النقد الأجنبي منذ بداية الأزمة، للحد من الضغوط التي تعرضت لها الليرة التركية. وبغض النظر عن حجم الكمية مقارنة بإجمالي الاحتياطي، فإن الرسالة التي يحملها هذا الحدث تتجاوز حدود تركيا، بل تغوص أعمق في طبيعة الاقتصاد العالمي في زمن الأزمات.

 

فالذهب يمثل اليوم آخر الأصول السيادية التي لا تعتمد قيمتها على وعد حكومة، ولا على التزام مصرف، ولا على ثقة الأسواق المالية. ولهذا يوصف بأنه "المال الذي لا يحمل مخاطر الطرف المقابل". وعندما تبيعه الدولة، فإنها لا تبيع مجرد معدن، بل تستهلك جزءاً من مخزون الأمان الذي ادخرته لمواجهة الأيام الأكثر صعوبة.

 

ولا يعني ذلك أن كل بيع للذهب يُعد خطأً اقتصادياً، فالبنوك المركزية قد تلجأ إليه ضمن إدارة احترافية للأزمات إذا كان البيع محدوداً ومؤقتاً، ويأتي ضمن خطة واضحة لإعادة بناء الاحتياطيات. لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول الذهب إلى وسيلة دائمة لتمويل العجز، أو للدفاع عن عملة تعاني من اختلالات هيكلية لا تعالجها عمليات الضخ المؤقتة.

 

إن الدفاع عن العملة عبر بيع الذهب يشبه، إلى حد بعيد، من يبيع سقف بيته ليصلح جدرانه! قد ينجح في تأجيل الانهيار، لكنه، في الوقت نفسه، يضعف البناء الذي كان يحتمي به عند اشتداد العواصف.

 

ولعل المفارقة اللافتة أن العالم يشهد، في الوقت نفسه، سباقاً محموماً بين البنوك المركزية لزيادة احتياطيات الذهب، بينما تضطر بعض الدول إلى بيع جزء من هذا الاحتياطي لمواجهة ضغوط آنية! فالدول الصاعدة، وعلى رأسها الصين والهند وعدد من الاقتصادات الكبرى، تنظر إلى الذهب باعتباره ركيزة للاستقلال المالي في عالم يتزايد فيه استخدام العقوبات الاقتصادية، وتتراجع فيه الثقة بالعملات الورقية، بينما تجد دول أخرى نفسها مضطرة إلى استهلاك هذا الرصيد الاستراتيجي للحفاظ على استقرارها النقدي!

 

وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى: إن الأزمات لا تبدأ يوم تنخفض قيمة العملة، وإنما تبدأ عندما تضطر الدولة إلى استنزاف أصولها الاستراتيجية لحماية تلك العملة. فالاحتياطيات الذهبية ليست ثروة معطلة، بل هي قوة ردع اقتصادية، ورسالة ثقة للأسواق، وضمانة للأجيال القادمة.

 

إن ما حدث في تركيا لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره قضية تركية فحسب، بل باعتباره إنذاراً لكل الاقتصادات التي تعتمد على الحلول المؤقتة بدل معالجة الأسباب العميقة للأزمات. فالدول لا تُبنى بالاستدانة الدائمة، ولا بطباعة النقود، ولا ببيع احتياطياتها الاستراتيجية، وإنما ببناء اقتصاد حقيقي قائم على الإنتاج، وتعزيز الثقة، وتحقيق الاستقرار المالي.

 

وفي عالم يتجه نحو مزيد من الصراعات الاقتصادية والنقدية، سيبقى الذهب حصناً استراتيجياً لا يُقدَّر بثمن. أما الدول التي تضطر إلى استهلاك حصونها تباعاً، فإنها قد تنجح في تأجيل الأزمة، لكنها تخسر مع كل طن يُباع جزءاً من قدرتها على مواجهة المستقبل. فالثروات الاستراتيجية لا تُقاس بقيمتها السوقية فقط، بل بقيمتها يوم تعجز الأسواق كلها عن إنقاذك.

 

في هذا السياق الأوسع، لا يمكن فصل ما يحدث من بيع للذهب أو إعادة توزيع للاحتياطيات عن التحولات العميقة في بنية النظام النقدي العالمي، حيث تتجه العديد من الاقتصادات إلى تنويع احتياطاتها وتقليل الاعتماد على عملة واحدة مهيمنة، في ظل تصاعد التنافس الاقتصادي وتزايد استخدام الأدوات المالية في الصراعات الدولية. وهذا التحول يجعل الذهب أكثر من مجرد أصل احتياطي، بل جزءاً من إعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية عالمياً.

 

إن رعاية الشؤون لا تكون بالاستسلام للواقع، ولا بأن تكون الإجراءات المتخذة مجرد رد فعل على أخطاء سابقة.

 

لقد كان الأجدر بتركيا أن تعيد النظر في اقتصادها برمته، فإن البلاد مليئة بالخيرات، وتمتلك طاقات بشرية ويداً عاملة، إلا أن القرار السياسي والاقتصاد أصبحا مرتهنين للخارج.

والحل الجذري لهذه المسألة، ولسائر المسائل التي تعاني منها جميع بلاد المسلمين، هو بالعودة إلى تحكيم شرع الله، واستئناف الحياة الإسلامية، والعودة إلى الذهب والفضة عملةً أساسية في الدولة، ولفظ جميع القوانين الرأسمالية، ومن يريدون تطبيقها من حكام خونة ومتنفعين ومرتزقة، همهم الوحيد امتصاص دماء الشعوب، وتحقيق المنافع الشخصية، والجشع الذي نغص على هذه الأمة حياتها، وأفقد العالم السعادة والراحة والطمأنينة.

 

إن عودة الإسلام إلى سدة الحكم هي الحل الوحيد ليعيد لهذا العالم رونقه، وينشر نوره وعدله في ربوع المعمورة.

 

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفق عليه.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

ملف الهجرة غير الشرعية:

كيف يصنع الغرب الأزمات ويحرسها العملاء؟

 

 

في ظل ما تشهده بلاد شمال أفريقيا اليوم - ولا سيما تونس وليبيا - من تدفقٍ لأفواج المهاجرين، تغدو الهجرة من أهم الملفات الإنسانية والسياسية التي تواجه المجتمعات المعاصرة. فما هي الجذور الحقيقية لظاهرة الهجرة؟ وكيف يمارس الغرب الرأسمالي مؤامرة مزدوجة عبر نهب أفريقيا ثم استخدام بلادنا كدواليب وظيفية لحماية حدوده؟ وما هو الدور الخبيث الذي تلعبه الجمعيات المشبوهة والدول العميلة في صناعة الفوضى وتضييق العيش على المهاجرين لدفعهم نحو الجريمة؟ وكيف يُستغل توجيه الرأي العام وإذكاء النعرات الوطنية العفنة ضد المهاجرين؟

 

أولاً: جذور المأساة وعقم النظرة الوطنية الضيقة

 

إن الأصوات القومية والوطنية النتنة التي تتعالى اليوم محذرة مما يسمى التغيير الديموغرافي، ومطالبة بطرد المهاجرين الفارين من جحيم الفقر والحروب، تعبّر عن عقم سياسي فاضح؛ إذ تعامت هذه العقول عن الأسباب التي دفعت هؤلاء البشر إلى ترك ديارهم وأموالهم. فهم لم يخرجوا ترفاً، بل ساروا في مناكب الأرض فراراً من فقر مدقع، وحروب أهلية طاحنة أهلكت الحرث والنسل، وواقع مأساوي خيم عليه ظلم وقمع حكام نواطير، نصبهم الغرب المستعمر، فلاذوا بجلدهم يبحثون في أرض الله الشاسعة عن مستقر يرفع عنهم غائلة العذاب الذي كابدوه في مساقط رؤوسهم. وهنا يتجلى عوار الحضارة الغربية الرأسمالية الفاسقة؛ هذا الغرب الذي صدع الرؤوس بشعارات حقوق الإنسان، بان خواره وعفنه المبدئي في معاملته للاجئين؛ حيث أثبتت الوقائع أن المهاجر في الغرب يظل مواطناً من الدرجة الثانية، لا يحظى برعاية طبية أو تعليمية تكافئ ما يحصل عليه الأصيل بالولادة.

 

ثانياً: المؤامرة المزدوجة للغرب الرأسمالي والجمعيات الوظيفية

 

إن الغرب الرأسمالي بقيادة أمريكا وأوروبا هو المتسبب المباشر في إفقار هذه الشعوب وتدمير بلادها؛ وما يحدث في السودان ماثل للعيان، إذ جعلت أمريكا السودان بلداً مُمزقاً فقيراً. ولكن المؤامرة الغربية لا تقف عند الإفقار والنهب، بل تمتد لمنع هؤلاء المهاجرين من الوصول إلى أوروبا؛ حيث يعمد الغرب إلى إنشاء وتفريخ جمعيات وظيفية داخل بلادنا، ويغدق عليها الأموال الطائلة تحت مسميات حقوقية وإنسانية براقة، بينما هدفها الحقيقي هو توطين المهاجرين قسراً في دول شمال أفريقيا. وليس هذا فحسب، بل إن الغرب يعمد خبثاً إلى دسّ عملاء ومخرّبين في صفوف المهاجرين أنفسهم، ليقوموا بأعمال تخريبية مدروسة داخل مجتمعاتنا، بهدف إيجاد حالة من الفتنة والاضطراب والفوضى الأمنية، ما يمنح الغرب الذريعة الدائمة للتدخل وفرض الإملاءات.

 

ثالثاً: دور دول الضرار والعمالة في التضييق وصناعة الإجرام.

 

وفي المقابل، تتجلى خيانة الدول الوظيفية القائمة في بلادنا بتوقيعها اتفاقيات مهينة كاتفاقية الشراكة ومذكرة التفاهم بين تونس وإيطاليا، لتتحول بلاد المسلمين إلى حارس حدودي للقارة العجوز. إن هذه الدول العميلة تمارس سياسة خبيثة ومدمّرة؛ فهي لا تسمح للمهاجرين بالعبور والذهاب إلى أوروبا التزاماً بأوامر أسيادها، وفي الوقت ذاته، لا تسمح لهم بالعمل الشريف أو الاستقرار القانوني لكسب قوت يومهم، فتقوم بالتضييق عليهم وحصارهم في لقمة عيشهم. إن هذا التعطيل المتعمّد لسبل العيش يدفع هؤلاء المهاجرين دفعاً تحت وطأة الجوع والحاجة والانسداد إلى الانحراف والوقوع في شرك الجريمة والسرقة لمجرد البقاء على قيد الحياة، وهو مخطط مقصود لإنتاج بيئة مشحونة بالجريمة والاضطراب.

 

رابعاً: صناعة الرأي العام المضلل وإذكاء الرابطة الوطنية العفنة

 

وبناءً على هذا الواقع المصنوع من الفوضى والجرائم المفتعلة، تتحرك الآلة الإعلامية والأمنية التابعة للأنظمة الحاكمة لـتصنيع رأي عام موجه لدى عامة الناس؛ حيث يُصوّر المهاجرون في وعي الشعوب على أنهم غزاة يستهدفون الاستحواذ على البلاد والعباد وتغيير هويتها. ويتم هذا الشحن الخبيث بالارتكاز على الرابطة الوطنية والقومية العفنة لتكون قيداً يمنع الأمة من التراحم والالتحام، وجعلت المسلمَ يرى أخاه المسلم غريباً ومتهماً. ولعلنا نستذكر في هذا السياق مواقف بعض حكام أوروبا التي تكشف عقولهم العنصرية الاستعلائية؛ كقول رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وينستون تشرشل في مذكراته: "إن أفريقيا والشرق لا يجب أن يُتركا لأهلهما ليعبثوا بمقدرات تحتاجها الحضارة الأوروبية"، وتصريح جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية الأوروبي علناً بأن: "أوروبا هي حديقة، ومعظم بقية العالم هو أدغال، والأدغال يمكن أن تغزو الحديقة". إن الأنظمة العميلة بتبنيها للنظرة الوطنية إنما تعيد إنتاج هذا الفكر العنصري الغربي الكالح بين أبناء الأمة الواحدة.

 

خامساً: الرابطة الإسلامية الراشدة

 

إن العلة الكامنة وراء خذلان المهاجرين، ووراء تقاعس الجيوش الرابضة في ثكناتها عن نصرة أهلنا المستنصرين بها في غزة ولبنان وغيرهما، هي هذه الرابطة الوطنية والقومية المصطنعة؛ حدودٌ جغرافية وهمية خطّها المستعمرون سايكس وبيكو لتكون قيداً يمنع الأمة من التكتل والالتحام، وجعلت المسلمَ يرى أخاه المسلم غريباً ومتهماً بتغيير الديموغرافيا، وقد حذرنا الحبيب المصطفى ﷺ من هذه الروابط المنتنة تحذيراً شديداً، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فسمع ذاك رسول الله ﷺ فقال: «أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟! دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ».

 

وفي خطبة الوداع، قطع الإسلام دابر هذه العنصرية العرقية والجغرافية قطعاً حاسماً، حيث قال ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى».

 

إن الرابطة الحقيقية التي يجب أن تُبنى عليها علاقاتنا هي رابطة العقيدة الإسلامية التي تذوب فيها الأجناس والألوان، فالأمة الإسلامية أمة واحدة من دون الناس، يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، ويقول النبي ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».

 

وإن في موقف الأنصار رضي الله عنهم تجاه المهاجرين لأعظم مثالٍ، إذ لم يتذرعوا بأزمة اقتصادية أو تغيير ديموغرافي، بل شاطروهم البيوت والأموال، هذا التلاحم العقدّي هو الذي خلّده القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

 

وإن الغرب المعاصر لم يبلغ حتى مروءة النجاشي ملك الحبشة النصراني، الذي استقبل مهاجري الحبشة الأولى فآواهم ونصرهم ولم يفرق بينهم وبين أهل بلده في الرعاية والأمان، وقال مقولته الشهيرة "اذهبوا فأنتم شُيُومٌ بأرضي (أي آمنون)، مَن سبّكم غَرِم"، فكيف تُطلب المروءة ممن يلهثون وراء شهواتهم المادية، ويتبجحون بأنهم مهد الأنوار وهم لم يقم لهم صرحٌ إلا على أكتاف دماء المستضعفين وسرقة تراث المسلمين العلمي والحضاري؟!

 

لقد عاش في دولة الخلافة طوال قرون المقيمُ الدائم سواء أكان أسمر أم أبيض، من أصل البلاد أم وافداً إليها، مسلماً أم غير مسلم، يتمتع برعاية الدولة وأمنها، له ما للمسلمين من الإنصاف وعليه ما عليهم من الانتصاف، دون تفرقة على أساس قومي أو وطني، فبلغت دولة الإسلام من الازدهار ما لم تبلغه دولة في تلك المدة الوجيزة قط، حتى نشرت الحبوب على الجبال لتأكل الطيور منها وعبّدت الطرق للماشية حماية لها، ومن عجز عن الزواج زوّجته ومن عليه ديون دفعتها عنه، فلم تجع بها دابة فكيف بالبشر؟!

 

سادساً: الملاذ السياسي للأمة

 

ألا فليعلم العباد أنه لا خلاص بهم من هذا الضنك، ولا فكاك من حبائل هذا المستنقع الرأسمالي المهين الذي يتاجر بالبشر ليحمي العروش، إلا بنبذ هذه المنظومة الوضعية برمتها، فالحل الجذري والوحيد لا يكمن في توقيع الاتفاقيات الأمنية مع إيطاليا أو فرنسا، بل يكمن في العمل الجاد لفرض الحكم بما أنزل الله، وإعادة بناء دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، الدولة المبدئية التي تُسقط الحدود المصطنعة، وتجمع شتات المسلمين، وتوفر الأمن والرعاية والعيش الكريم لكل من يلوذ بساحتها مسلماً كان أم غير مسلم، ليعود العدل ويشرق نور الإسلام على البشرية جمعاء بعد طول ظلام الرأسمالية.

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

خديجة صالح

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الجلاد لا يكون قاضياً

 

 

في كل مرة يشتد فيها غضب العراقيين من الفساد الذي أنهك الدولة وأفقر الشعب، يخرج من يروّج لفكرة أن أمريكا جاءت هذه المرة لمحاربة الفاسدين واستعادة أموال العراقيين. وكأن من كان حاضراً في صناعة المشهد السياسي طوال أكثر من عقدين أصبح فجأة حارساً للنزاهة، ورافعاً لراية الإصلاح!

 

إن المشكلة في العراق ليست في مجموعة من الفاسدين يمكن التضحية ببعضهم لامتصاص غضب الشارع، بل هي منظومة سياسية كاملة أنتجت بيئة الفساد، ورسّخت المحاصصة، وحوّلت مؤسسات الدولة إلى ساحات لتقاسم النفوذ والمغانم.

 

فحين يكون أصل الداء قائماً، فإن ملاحقة بعض الأفراد لا تعني أن المرض قد زال، وإنما هي محاولة لإيهام الناس بأن العلاج قد بدأ، بينما يبقى سبب المرض على حاله.

 

إن أي حديث عن مكافحة الفساد يفقد مصداقيته إذا لم يبدأ بإصلاح المنظومة التي أفرزته. فالفساد ليس حادثة عابرة، بل هو نتيجة طبيعية لنظام سياسي اختلّت فيه معايير المسؤولية والمحاسبة، وأصبح الولاء السياسي مقدَّماً على الأمانة ورعاية الناس.

 

إن تصوير أمريكا على أنها المنقذ الذي سيقتلع الفساد، يثير تساؤلات مشروعة لدى كثير من العراقيين؛ إذ يرى منتقدو هذا الطرح أن السياسات التي دعمت النظام السياسي بعد عام ٢٠٠٣ أسهمت في تثبيت واقعٍ أنتج الأزمات المتراكمة، وأن معالجة النتائج دون أسبابها لا تمثل إصلاحاً حقيقياً. فالجلاد لا يكون قاضياً، ومن كان جزءاً من صناعة الأزمة لا يستطيع أن يقنع الناس بأنه صانع الحل.

 

إن تبديل بعض الوجوه، أو تقديم بعض الشخصيات للمحاسبة، لن يغيّر الحقيقة؛ فالمنظومة نفسها ما زالت قائمة، تنتج الأزمات ذاتها، وتعيد تدوير الفساد بأسماء جديدة.

 

لقد آن للعراقيين أن يدركوا أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من حملات إعلامية، ولا من شعارات براقة، وإنما يبدأ بتغيير جذري يعيد بناء الدولة على أساس العدالة وصيانة حقوق الناس، لا على أساس تقاسم النفوذ والمصالح.

 

فالشعوب لا تُخدع إلى الأبد، والتاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تنهض إلا عندما تقتلع أسباب الفساد من جذورها، لا عندما يُستبدل بعض الفاسدين بغيرهم.

 

وفي خضم هذه الحملات الإعلامية والشعارات الرنانة، يبقى الواجب على الشعب العراقي ألا ينخدع بالوعود التي تُطرح كلما اشتدت الأزمات؛ فالبلاد لا تُبنى بإعادة إنتاج السياسات نفسها التي أثبتت عجزها عن تحقيق العدالة وصيانة الحقوق.

 

إن العراق يستحق أن يكون سيد قراره، حراً من كل أشكال التبعية والإملاءات الخارجية، وأن يختار مستقبله بإرادة أبنائه. ولن يتحقق ذلك إلا عندما يدرك أهله أن نهضة الأمم تبدأ بالتحرر من كل قيد يُصادر إرادتها، وبالعمل الجاد لإقامة نظام يعبر عن عقيدتها وقيمها ويصون سيادتها.

 

ومن هذا المنطلق نقول إن الإسلام ليس مجرد شعائر تؤدّى، بل هو مشروع حضاري نهضوي، ومنهج للحكم والعدل، وحفظ للكرامة، وصيانة للحقوق، وإن العودة إلى مبادئه في إدارة شؤون الدولة والمجتمع هي الطريق إلى استعادة العزة والوحدة والعدالة.

 

فلتكن إرادتكم أقوى من كل ضغوط الخارج، ولترفضوا كل أشكال التبعية؛ فالأمم لا تستعيد مكانتها إلا إذا امتلكت مشروعها المستقل، المنبثق من هويتها وقيمها.

 

وهذا هو حزب التحرير الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم إلى سفينة النجاة، ويدعوكم إلى عز الدنيا ونعيم الآخرة؛ فهلمّ من أجل استعادة عزكم وكرامتكم.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية

تكشف عن خلل بنيوي في المبدأ الرأسمالي

 

 

ما من يوم يمر، إلا ويكشف المبدأ الرأسمالي عن وجهه القبيح، وعن ممارسات تتعلق بأساس بنائه، حيث تظهر ممارسات ليست فردية فحسب، بل تتعلق بمنهج تقوم عليه أمة بكاملها في كل نواحي الحياة، فمن كان حاكماً أو وزيراً أو طبيباً أو مهندساً أو مفكراً أو عاملاً، ينطلق من قاعدة واحدة، تمثل له أساس فكره ومفاهيمه، فينتج سلوكاً وأعمالا تترجم ما عنده من عقيدة انبثق عنها نظام حياته.

 

فالغرب كله يعيش على هذا المبدأ الفاسد؛ المبدأ الرأسمالي الذي كرس فكرة المنفعة التي هي الأساس والمقياس وهي البوصلة لكل فكرة تجول في الخاطر قابلة للتنفيذ لتحقيق غرض ما.

 

اتهمت مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد بتاريخ 19 حزيران/يونيو 2026م، الدكتور أنتوني فاوتشي عالم الأوبئة، مدير المعهد الوطني والحساسية والأمراض المعدية سابقا، بإخفاء حقيقة تسريب كورونا، وأنه مول أبحاثا جينية خطيرة داخل مختبر ووهان في الصين، لتغيير وظائف الفيروس، وأثرَ على تقييمات كوفيد 19، وتواصل مع مسؤولي استخبارات أثناء النقاش، هل الفيروس ظهر طبيعياً أم في مختبر في ووهان بالصين؟ وقالت إن فاوتشي أنكر هذه الاتصالات تحت القسم أمام الكونغرس. وقالت إن قادة مسيسين مثل الدكتور فاوتشي غطوا على أخطائهم وسوء استخدام السلطة، وتلاعبوا بالاستخبارات، وكذبوا على الكونغرس. وقالت: بعد سنوات من الأكاذيب والرقابة والتستر فإن الشعب الأمريكي يستحق الشفافية والحقيقة والمساءلة. غابارد اتهمت فاوتشي بالتستر على أصل كورونا وإخفاء معلومات عن ترامب والكونغرس وطالبت بمحاسبته. (قناة الحدث).

 

بعد أكثر من 7 ملايين وفاة بسبب كوفيد-19.. تولسي غابارد توجه اتهامات خطيرة للوجه الأشهر للحديث عن جائحة كورونا وقت الأزمة. "دكتور فاوتشي مول أبحاثا مثيرة للجدل في ووهان وأثر على أجهزة الاستخبارات لتبني رواية المنشأ الطبيعي للفيروس وتستر على حقائق جوهرية بشأن أصل الجائحة واستغل سلطاته لخدمة شركات أدوية عملاقة". (العربية)

 

إن أصل المشكلة لا تكمن في غابارد، بل في طبيعة المبدأ الفاسد، فالضمير الحي لا يمثل توجها عاماً بقدر ما يفضح أس بلاء المنهج وخطورته على حياة الناس ومصيرهم، وكيف أن الهرم لا يدرك الحدث أو الجريمة في وقتها واكتشاف الحقيقة إلا بعدما استقالت، فإن الأمر فيه دخن، ومزايدات سياسية أكثر من إبراز حقائق أو تصحيح مسار مبدأ فاسد من أصله. فالترقيع أسلوب موجود في المبدأ الرأسمالي، وطمس الحقائق والجشع والنفعية، قائمة فيه، فإن هذا المبدأ الفاسد يجيد التلاعب بأرواح الناس ومصائرهم، وإيجاد حفر سياسية لإسقاط الخصوم السياسيين فيها، فيكون الدافع هو تدمير شخصيات وسقوط حزب، لكن بالمقابل يفضح المبدأ ويعريه أمام العالم، ويكشف عن حقائق تبين جوهر فساد الفكرة.

 

لعلنا بصدد وضع النقاط فوق الحروف لعقيدة المبدأ الرأسمالي بكل المقاييس، فهو مبدأ مليء بالأنانية، ينشر الموت ويخطط له، وينشر الفساد الممنهج، فهناك من كبار البرجوازيين الرأسماليين من حاولوا أن يضعوا قانونا للسكان ذا طابع يحافظ على نظامهم الاجتماعي الأناني منذ المراحل الأولى لتطور الرأسمالية، وتفسير وجود البطالة والبؤس عند جماهير الكادحين بقلة الموارد الطبيعية، وبذلك تبرير أسلوب الإنتاج الرأسمالي.

 

في عام 1798 صدر كتاب الاقتصادي الإنجليزي الكاهن مالتوس (1766-1834) بعنوان (الخبرة بصدد قانون السكان بالارتباط مع الارتقاء المالي للمجتمع)، والذي حاول فيه صياغة قانون للسكان. وطبقا لأحكام مالتوس ينجم فقر الجماهير الشعبية ليس عن النظام الاجتماعي البرجوازي، بل عن النمو السريع للسكان والزيادة البطيئة نسبيا لوسائل المعيشة، لأن السكان يتكاثرون بمتوالية هندسية بينما تزداد وسائل المعيشة بمتوالية حسابية فقط. ويعني ذلك بصورة ملموسة أن السكان يمكن أن يتضاعفوا كل ٢٥ سنة: 1، 2، 4، 8، 16، 32، 64 ...إلخ، وفي الوقت ذاته لوسائل المعيشة برأي مالتوس أن تزداد كل 25 سنة في أفضل الحالات بموجب أعداد متوالية حسابية فقط: 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7...

 

إن نظرية مالتوس ليست مجرد أحكام أكاديمية، بل هي مذهب مجتمعي ذو استنتاجات وقحة للغاية. وتتلخص الفكرة الأساسية لهذه النظرية في الزعم بأن قوى الطبيعة لا تتيح للبشر الانعتاق من براثن الفقر، وأن الإنجاب المفرط عند الفقراء هو السبب الرئيسي لوضعهم البائس في المجتمع. ويزعم مالتوس من جهة أن الكوارث مثل الكوليرا والحمى والجوع والحروب، هي خير للبشرية، نظرا لأنها تقلص أعداد السكان، وبذلك تجعلهم يتناسبون مع وسائل المعيشة المتوفرة. وقد حظي كتاب مالتوس بنجاح صاخب لدى البرجوازية الرأسمالية. (سلسلة التقدم - كتب دراسية في العلوم الاجتماعية - الكاتب يوري بوبوف، دراسات في الاقتصاد السياسي والإمبريالية والبلدان النامية).

 

فتولسي غابارد لم تأت بجديد بل ذكّرت العالم وقامت بعملية إزاحة الغباش عن بناء فاسد أسس منذ ولادة هذا المبدأ النفعي الأناني الذي لا يرتوي من مص دماء البشرية على الدوام، فكانت عقلية الدكتور فاتوشي وكابينة حكومة ترامب عبارة عن وسيلة للرأسماليين اللاعبين الحقيقيين في الحكم أصحاب مشروع صناعة مرض كوفيد 19.

 

لقد عانى العالم من هذا المبدأ الذي لا يرحم ولا يعرف للرحمة والشفقة مجالا، فموقف ترامب من أهل فنزويلا وخطف رئيسها والتندر بأن بترول فنزويلا يجب أن يكون لصالح الشركات الأمريكية، شاهد على نظرية جده الهالك مالتوس، وما حرب الخليج ذات الطابع المبدئي ضد الإسلام ونهب ثرواته عنا ببعيدة (النفط مقابل الغذاء).

 

لقد ظل الغرب يعيش على هذا المنهج الفاسد، ورغم التطور العلمي المهول إلا أن هذا التطور أكسبه تفنناً في مص دماء الشعوب والأمم وصناعة الأوبئة كما جرى في ووهان كوفيد 19 وقبله الإيدز وجنون البقر وإنفلونزا الطيور وإيبولا وغيرها من الأمراض المصطنعة، لصالح الإكثار من أموال الشركات العملاقة، على حساب حياة البشر، وكذلك التفنن في صناعة الحروب وتدمير ممنهج للإنسان في العالم، عبر الأمراض الفتاكة.

 

إن قصة كورونا ما هي إلا سلسلة من طوفان خطير متواصل دون رحمة على الناس، وقد جاءت بعدها أحداث جزيرة إبستين بلون أكثر قتامة، مورس في الجزيرة أكثر من عشرين عاما أبشع الجرائم التي يعف اللسان عن ذكرها من شدة بشاعتها، وجاءت بعدها حرب المخدرات وحروب الجيل الرابع، وحروب الشرق الأوسط، في اليمن، وطوفان الأقصى والسودان وإيران والحبل على الجرار. فما علينا إلا أن نشد المئزر ونخطو جادين مجدين نحو تخليص البشرية من وحل الرأسمالية وطاحونتها التي تطحن البشر والشجر والحجر، إلى ميلاد دولة الخير والإيمان، دولة الرحمة والتقوى والإيمان، دولة شهد لها الأعداء قبل الأصدقاء أنها أم العالم وليست أم المسلمين وحدهم؛ دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الشيخ أحمد السماني – ولاية السودان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

فرنسا حين يختفي النفوذ خلف لافتات المساعدات

 

 

لم تتخلَّ فرنسا يوماً عن حلمها القديم بالعودة إلى المشرق العربي، ولم تُسقط من حساباتها سوريا، التي كانت، في مرحلة من التاريخ، إحدى أهم ساحات نفوذها.

 

فالدول الكبرى لا تنسى مواقعها الاستراتيجية، ولا تتخلى عن مصالحها مهما تبدلت الظروف، بل تُغيِّر الوسائل والأساليب بما يلائم الواقع الجديد.

 

لقد أدركت فرنسا أن زمن الاحتلال العسكري المباشر قد انتهى، فانتقلت إلى صورة جديدة أكثر نعومة وتأثيراً، فباتت تتحدث بلغة المشاريع والاستثمارات، والمساعدات، ودعم الاستقرار، وتعزيز الشراكة، وإعادة الإعمار، والتنمية.

إن هذه العناوين، وإن تبدلت، تبقى مداخل لبناء نفوذ سياسي واقتصادي طويل الأمد.

 

ومن يتابع سياسة فرنسا يلاحظ أنها لا تكل ولا تمل من البحث عن نافذة تعود منها إلى سوريا.

 

فكل تحول سياسي، وكل مبادرة دبلوماسية، وكل مشروع اقتصادي، يمثل بالنسبة إليها فرصة لإعادة تثبيت حضورها في بلد تدرك أهميته الجيوسياسية في قلب الشرق الأوسط.

 

وتقوم هذه المقاربة على مبدأ ثابت في العلاقات الدولية، وهو أن النفوذ لا يُمنح، بل يُصنع تدريجياً عبر الاقتصاد، والثقافة، والدبلوماسية، والعلاقات مع النخب، حتى يصبح الحضور أمراً واقعاً يصعب تجاوزه.

 

فرنسا اليوم تحاول تعويض ما فقدته من مكانة دولية، بعد أن أصبحت الولايات المتحدة وقوى إقليمية أخرى أكثر تأثيراً في ملفات المنطقة.

 

لذلك لا تزال باريس تتحرك بإصرار، مستثمرةً كل فرصة يمكن أن تعيد إليها جزءاً من الدور الذي فقدته، دون أن تعلن ذلك صراحة.

 

إن قراءة السياسة الفرنسية من هذا المنظور تجعل كثيراً من تحركاتها تبدو وكأنها حلقات في مشروع طويل النفس، هدفه إعادة إنتاج النفوذ الفرنسي في سوريا بوسائل جديدة أقل صخباً من الجيوش، وأكثر قدرة على البقاء من الاحتلال التقليدي.

 

في عالم السياسة الرأسمالية لا توجد أعمال مجانية، ولا تتحرك الدول الكبرى بدافع الإحسان، بل تحكمها حسابات المصالح وموازين القوة.

 

ومن هنا ستظل فرنسا تبحث عن موطئ قدم لها في سوريا، مستبدلةً لغة الشراكة بلغة الاستعمار، وأدوات التأثير غير المباشر بأدوات السيطرة المباشرة، أملاً في استعادة حضور تراه جزءاً من إرثها السياسي ومكانتها الدولية.

 

إن الأمم التي لا تقرأ تاريخها محكوم عليها أن تعيد دفع أثمانه مرة بعد أخرى.

 

وما يجري في منطقتنا يفرض على شعوبها أن تكون أكثر وعياً، وأن تنظر بعين الفاحص إلى كل مشروع خارجي، فلا تنخدع بالشعارات البراقة إذا كانت تخفي وراءها حسابات النفوذ والمصالح.

 

ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في أذهان أبناء المنطقة هو أن السيادة لا تُوهب، والاستقلال لا يُشترى.

 

فلنجعل من الوعي حصناً، ومن الوحدة قوةً تستعيد بها الأمة مكانتها، وتحفظ قرارها، وتصنع مستقبلها بإرادتها الحرة.

 

إن ما تمر به أمتنا اليوم يستوجب وقفة صدق مع النفس، ومراجعة عميقة لأسباب الضعف والتفرق.

 

فالأمة التي كانت يوماً تحمل رسالة العدل والرحمة، وتقيم حضارة تحفظ للإنسان دينه ونفسه وماله، قادرة على أن تستعيد مكانتها إذا عادت إلى قيمها الأصيلة، وأحسنت بناء حضارتها ومستقبلها.

 

إن عز المسلمين لا يُبنى بالشعارات، وإنما بدولة تحفظ كرامة الإنسان، وتمنع الظلم والفساد. فحين تكون للأمة إرادة مستقلة، وقرار نابع من مصالحها، تصبح عصية على مشاريع الهيمنة والتبعية.

 

ما أحوج المسلمين اليوم إلى استعادة عزهم وكرامتهم، وإحياء روح المسؤولية، والعمل الجاد حتى يكون لهم كيان يحفظ حقوقهم، ويصون كرامتهم.

 

فالتاريخ لا يصنعه المترددون، وإنما تصنعه الأمم التي تؤمن برسالتها، وتعمل بإخلاص، وتتوكل على الله، فتنهض من جديد، وتستعيد مكانتها، وتكون كما أرادها الله تعالى؛ أمةً شاهدةً على الناس، تحمل الخير والعدل والرحمة للعالمين.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

قمة الناتو في أنقرة إعادة تسليح أوروبا

أم بداية إعادة تشكيل النظام الدولي؟

 

 

لم تكن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي انعقدت في أنقرة مجرد اجتماع دوري لبحث التطورات الأمنية والعسكرية، بل بدت وكأنها إعلان غير مباشر عن دخول الغرب مرحلة استراتيجية جديدة، عنوانها إعادة بناء القوة العسكرية، وإعادة هيكلة الاقتصاد، والاستعداد لعالم لم يعد يشبه ذلك الذي نشأ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

 

فالقرارات التي خرجت بها القمة، وما سبقها من توجهات أوروبية وأمريكية، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا لم تعد حدثاً طارئاً، بل أصبحت نقطة تحول تاريخية أعادت تعريف الأمن الأوروبي، ودفعت العواصم الغربية إلى الاقتناع بأن مرحلة "السلام الرخيص" قد انتهت، وأن الردع العسكري عاد ليصبح أساس الاستقرار السياسي والاقتصادي.

 

غير أن أخطر ما حملته القمة لم يكن الإعلان عن زيادة الإنفاق العسكري أو استمرار دعم أوكرانيا، وإنما الإقرار الضمني بأن الاقتصاد الأوروبي نفسه سيدخل مرحلة جديدة، يمكن وصفها بـ"اقتصاد إعادة التسلح". فالمليارات التي ستضخ في الصناعات العسكرية لن تأتي من فراغ، بل ستقتطع من موازنات مثقلة أصلاً بديون مرتفعة، وتباطؤ اقتصادي، وشيخوخة سكانية، وأزمات طاقة، وتراجع في القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية أمام أمريكا والصين.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى؛ فأوروبا مطالبة اليوم بتمويل أكبر عملية إعادة تسلح منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في الوقت الذي تواجه فيه تحديات اقتصادية غير مسبوقة. فارتفاع الإنفاق الدفاعي يعني زيادة الاقتراض أو فرض ضرائب جديدة أو تقليص بعض أوجه الإنفاق الخدماتي، وهي خيارات قد تحدث ضغوطاً سياسية داخلية وتغذي صعود الحركات الشعبوية والاحتجاجات المجتمعية في عدد من الدول الأوروبية.

 

وفي الوقت ذاته، يبدو أن أمريكا نجحت في إعادة توزيع الأعباء داخل الحلف، فهي لا تتخلى عن قيادة الناتو، لكنها تدفع حلفاءها الأوروبيين إلى تحمل القسم الأكبر من تكلفة الدفاع عن القارة، بينما تتفرغ هي بصورة متزايدة للمواجهة الاستراتيجية مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، باعتبارها المنافس الأكبر اقتصاديا وتكنولوجيا خلال العقود المقبلة.

 

ومن زاوية أخرى، فإن إعادة التسلح الأوروبية ليست مشروعاً عسكرياً فحسب، بل مشروع اقتصادي أيضاً. فتنشيط الصناعات الدفاعية يعني إعادة تشغيل المصانع، وتحفيز البحث العلمي، وخلق فرص عمل، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات التكنولوجية المتقدمة. غير أن هذا النمو سيكون مرتبطاً باقتصاد الصراعات أكثر من ارتباطه باقتصاد التنمية، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة أوروبا على الحفاظ على نموذجها الاقتصادي والاجتماعي الذي ميّزها لعقود.

 

أما تركيا، فقد خرجت من القمة وهي أكثر أهمية من أي وقت مضى. فاختيار أنقرة لاستضافة هذا الاجتماع في هذه المرحلة الحساسة يعكس إدراكاً غربياً متزايداً بأن الموقع الجغرافي لتركيا أصبح عنصراً لا غنى عنه في معادلات الأمن الأوروبي، سواء فيما يتعلق بالبحر الأسود، أو شرق المتوسط، أو القوقاز، أو الشرق الأوسط. كما أن التقارب النسبي بين أنقرة والعواصم الغربية يوحي بمحاولة احتواء الخلافات السابقة، وإعادة دمج تركيا بصورة أعمق في الترتيبات الأمنية المقبلة.

 

في المقابل، تنظر موسكو إلى هذه التطورات باعتبارها انتقالاً من سياسة الاحتواء إلى سياسة الاستنزاف طويل الأمد. ولذلك، فمن المرجح أن تواصل روسيا توسيع إنتاجها العسكري، وتعزيز شراكاتها مع الصين وإيران وكوريا الشمالية، بما يرسخ انقسام العالم إلى كتل متنافسة، لكل منها منظومتها الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية.

 

ولا يمكن فصل هذه التحولات عن الشرق الأوسط، الذي يزداد وزنه الاستراتيجي كلما احتدم التنافس بين القوى الكبرى. فالمنطقة ليست مجرد مصدر للطاقة، بل أصبحت عقدة رئيسية لطرق التجارة العالمية، وممرات النقل البحري، والاستثمارات، والمشاريع اللوجستية. ومن هنا، فإن أي إعادة تشكيل للنظام الدولي ستنعكس مباشرة على سياسات دول المنطقة، التي ستسعى إلى تنويع شراكاتها وتجنب الارتهان لمحور واحد.

 

لكن ما يجري اليوم يتجاوز الحرب في أوكرانيا أو حتى مستقبل الناتو. فالعالم يشهد تحولاً أعمق يتمثل في انتقال الاقتصاد العالمي من مرحلة العولمة المفتوحة إلى مرحلة الاقتصاد الجيوسياسي، حيث أصبحت اعتبارات الأمن القومي تحدد مسارات التجارة، والاستثمار، والتكنولوجيا، والطاقة، وسلاسل الإمداد. ولم تعد الكفاية الاقتصادية وحدها هي المعيار، بل أصبحت القدرة على الصمود في الأزمات، وتأمين الموارد، وبناء الصناعات الاستراتيجية، عناصر حاسمة في قوة الدول.

 

إن إعادة التسلح الأوروبي ليست سوى أحد مظاهر هذا التحول الكبير. فكما أعادت الحرب العالمية الثانية تشكيل الاقتصاد العالمي، وكما أسست الحرب الباردة لنظام دولي استمر عقوداً، فإن الحرب الروسية الأوكرانية تبدو مرشحة لأن تكون الشرارة التي تؤسس لنظام عالمي جديد، تتراجع فيه الأحادية القطبية، وتتصاعد فيه المنافسة بين أمريكا والصين وروسيا، مع بروز قوى إقليمية تمتلك هامشاً أوسع للمناورة والتأثير.

 

وعليه، فإن قمة الناتو في أنقرة قد لا تذكر مستقبلاً باعتبارها اجتماعاً عسكرياً عادياً، بل باعتبارها إحدى المحطات التي أعلن فيها الغرب بداية مرحلة جديدة: مرحلة إعادة بناء القوة العسكرية، وإعادة هيكلة الاقتصاد، والاستعداد لعصر تتقدم فيه الجغرافيا السياسية على الاقتصاد، وتصبح القوة الصناعية والعسكرية هي الضامن الأول للمكانة الدولية.

 

ويبقى السؤال الذي سيحدد شكل العقود القادمة: هل يستطيع الغرب تمويل هذا التحول الضخم دون أن يدفع ثمناً اقتصادياً ومجتمعياً باهظاً؟ أم أن تكلفة إعادة التسلح ستسرّع، من حيث لا يريد، انتقال مركز الثقل العالمي نحو نظام دولي أكثر تعددية وأقل خضوعاً للهيمنة الغربية؟

 

إن تحول النظام العالمي أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب يبدو مساراً حتمياً لا جدال فيه. ومع تراجع الهيمنة الاقتصادية الأمريكية واتساع آثارها على مختلف دول العالم، يتوقع أن تشهد العلاقات الدولية مرحلة جديدة تتبلور فيها تحالفات مختلفة، وتبرز خلالها قوى صاعدة أكثر استقلالاً في قراراتها.

 

وفي هذا السياق، تتعاظم فرصة البلاد الإسلامية إلى استعادة دورها الحضاري وبناء مشروعها النهضوي على أسسٍ من الهوية الإسلامية، بما يحقق تطلعاتها إلى وحدة سياسية وفكرية أوسع، واستئناف الحياة الإسلامية وفق رؤية تستند إلى مبادئ الشريعة. وقد جهز هذا المشروع ولم يبق سوى تطبيقه على أرض الواقع، ويقوم هذا المشروع على جهود رجال ونساء يحملون عقلية إسلامية واعية، يعملون على ترسيخ مبادئ الإسلام في الواقع، وتعزيز وعي المسلمين بقضاياهم الأساسية، بما ينسجم مع مسؤوليتهم الدينية والأخلاقية. وهذا واجب على كل مسلم ومسلمة، حتى ننال رضوان الله ونلقاه وهو راض عنا.

 

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

خديعة مفاوضات أمريكا لإيران التي لا تنتهي

وانخداع ساسة إيران الذي لا ينقضي!

 

 

شكلت تداعيات حرب أمريكا على إيران لحظة تاريخية مفصلية في صناعة مأزق أمريكا الاستراتيجي والجيوستراتيجي التاريخي، وامتحانا شديدا لتآكل الهيمنة الأمريكية وتصدع النظام الدولي الذي وضعت أمريكا أسسه بعد الحرب العالمية الثانية ورسخته بعد انتهاء الحرب الباردة، ولقد كانت هذه الحرب اختبارا قاسيا لقوتها العسكرية، فقد كشفت محدودية قوتها العسكرية وعمق المعضلة الاستراتيجية الأمريكية، فلا إيران تم إخضاعها وتحويلها لخادم تابع ولا الصين تم خنقها، بل على العكس أصبحت حرب إيران ورطة أمريكا ومأزقها الخانق.

 

بل إن تداعيات الحرب شكلت انقلابا وصدمة استراتيجية جنت منها أمريكا عكس أهدافها، فالصين التي كانت على رأس أولويتها الاستراتيجية والتي كانت الحرب ضد إيران في شق كبير منها تستهدف الصين عبر قطع شريان الطاقة الإيراني عنها وإغلاق نافدة الخليج دونها. فقد أصبح مضيق هرمز شغل أمريكا ومعه تحولت بوصلة الاهتمام والشغل الاستراتيجي والعسكري الأمريكي، فكلما طال أمد الحرب اضطرت أمريكا لتخصيص مزيد من القوات والذخائر والقدرات البحرية والجوية ومعها استنزاف القوة العسكرية ومخزونها الاستراتيجي الذي تعده للصين، عطفا أن التركيز على إيران يقلل التركيز على منطقتي المحيطين الهندي والهادئ حيث التحدي الصيني الرئيسي، وهو ما يمنح الصين فسحة وفرصة استثنائية لتكثيف نفوذها في آسيا وبناء عسكريتها وتعزيز حضورها الدبلوماسي والاقتصادي على الساحة الدولية، وهو ما يفاقم الورطة والمعضلة الأمريكية.

 

وهذا الوضع الحرج وبحسب هذه النتائج هو ضرب للهيمنة الأمريكية وتحطيم لقيادتها العالمية، ومن شبه المستحيل بل والمستحيل أن تخضع أمريكا لهكذا وضع فضلا أن تفاوض على تكريسه، بل ستسعى لقلب الطاولة وإعادة الكرة للخروج من مأزقها، وهذا الوضع الحرج الخطير تتعامل معه أمريكا بخداع سياسي تام للخصم عبر خديعة المفاوضات التي تهدف منها شراء الوقت لاستجماع القوة وإعادة الكرة لإكراه إيران على الاستسلام والقبول بشروط هيمنتها وإذلالها، بل وأبعد من ذلك إعادة محاولة هيكلة النظام الإيراني ليصبح تابعا لها، بينما ينظر لها ساسة إيران في انخداعهم وكأنها مفاوضات على ترسيخ الوضع القائم وتكريسه كنتيجة نهائية، وهو سقوط في فخ خديعة المفاوضات!

 

علما أن هذا الوضع الاستراتيجي الحرج الخطير استحالة أن تقبل به أمريكا كوضع نهائي فضلا عن تكريسه عبر المفاوضات، بل لن يفرض هذا الوضع إلا قهرا وبزلزال استراتيجي وعن طريق عمل عسكري جذري يقتلع الوجود والنفوذ الأمريكي من المنطقة والإقليم نهائيا.

 

يا ليت حكام إيران يعلمون ذلك!

 

أمريكا لا تفاوض بل تشتري الوقت لإعادة ترميم قوتها العسكرية التي تصدعت وتكثيف تحالفاتها الصليبية التي تضررت وإعادة ترميم قواعدها التي خربت بل وإعداد بدائل من خارج الإقليم، كرفع الجاهزية في بعض القواعد الأمريكية داخل أوروبا مثل القاعدة الأمريكية في رامشتاين بألمانيا وقاعدة راف لَيْكنهيث في بريطانيا، اللتين تُستخدمان تقليدياً كنقاط عبور وتموين ودعم للعمليات في منطقتنا (الشرق الأوسط)، مع حشد بحري واسع؛ فقد كشفت التقارير الإخبارية عن تحريك أكثر من 20 قطعة بحرية أمريكية، بينها مجموعات حاملة طائرات، باتجاه بحر العرب وخليج عُمان، بما يرفع القدرة على تنفيذ عمليات جوية وبحرية بشكل مستمر، مع استمرار الضربات العسكرية ضد الأهداف الإيرانية زمن المفاوضات لتخفيف ردات الفعل الإيرانية القوية وتقليل خسائرها وكبح استنزاف قدراتها العسكرية وذخائرها وخاصة المنظومة الدفاعية والصواريخ الاعتراضية المكلفة. فكل هذا الحشد العسكري الاستراتيجي الأمريكي يتطلب وقتا وإعدادا، والمفاوضات هي حيلة أمريكا لشراء الوقت وخديعة حكام إيران.

 

المصيبة أن ساسة إيران المخدوعين يمنحونها الوقت لإنجاز ذلك!

 

لو كان من عقل سياسي مبدئي جذري في إيران لعَلِم أن أمريكا وهي تعاني الجروح الاستراتيجية البالغة التي سببتها حربها عليهم جعلتها كالخنزير الوحشي، وهو جريح أخطر بكثير منه وهو سليم، فألم تصدع قوتها والخوف على هيمنتها يجعلان سلوكها أكثر اندفاعاً وعدوانية وطيشا.

 

وكما التعامل مع الخنزير الوحشي والذي لا ينفع إمهاله، فكان حريا بحكام إيران لو كانوا على شيء اغتنام فرصتهم للقضاء على وجود أمريكا العسكري في الإقليم نهائيا ونفوذها السياسي من داخل إيران وليس مفاوضتها.

 

ولكن في انعدام جذرية ومبدئية تفكير ساسة إيران هلاكهم لو يعقلون!

 

فحرب أمريكا على إيران أكدت الحقيقة العارية أن القضية مع الغرب ليست عسكرية ولكنها مبدئية سياسية بامتياز، والغرب يوظف فراغ الدولة الذي نعاني منه لتحويل ورطته العسكرية لمخرج سياسي منها، وهو ما يتم اليوم عبر فتح نافذة المفاوضات وخداع ساسة إيران للخروج من مأزقه الاستراتيجي وورطته العسكرية إما باستسلام إيران المذل أو ضربة قاصمة.

 

ما يعني أن المعضلة المصيرية بالنسبة للأمة الإسلامية باقية وتزداد حدة وفتكا، وهي الثقب الأسود المبدئي وفراغ الدولة المبدئية الذي تعاني منه البلاد الإسلامية لأزيد من قرن من الزمن وهي مدة رهيبة من عمر الأمة الإسلامية، وهو ما جعلها ساحة لحروب الغرب الكافر الصليبية والاستعمارية بل ولكيان يهود الحقير والروس والهندوس والصين وبوذيو بورما...، بتواطؤ بل وشراكة تامة من أنظمة الخيانة والعار الوظيفية اليوم.

 

ولن يملأ هذا الثقب الأسود المبدئي الذي نعاني من تبعاته القاسية بوصفنا مسلمين إلا خلافة إسلامنا العظيم، تكنس رجس أنظمة الخيانة والعار وتقطع دابر الغرب الكافر وتمحو عار حضارته وتنسف جحيم حياته، وتعيد للأمة طاعتها لربها وعزتها بتحكيم شرعه. ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مُناجي محمد

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

جنوب السودان بعد خمسة عشر عاما على الانفصال

لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى!

 

أورد مراسل الجزيرة من جوبا تقريراً تحت عنوان: "بعد خمسة عشر عاما من إعلان الدولة.. أين يقف جنوب السودان اليوم؟" نُشر في 9/07/2026م، جاء فيه: (في التاسع من تموز/يوليو 2011، ارتفع علم جنوب السودان للمرة الأولى في سماء جوبا، معلنا ميلاد "أحدث دولة" في العالم بعد عقود من الحرب التي قادتها حركات تمرد جنوبية مع البلد الأم السودان... فهل نجح جنوب السودان في تحويل مكسبه السياسي إلى مشروع دولة يحقق تطلعات مواطنيه؟ أم أن الحروب الداخلية والأزمات الاقتصادية وتعثر بناء المؤسسات حالت دون تحقيق الوعود التي صاحبت إعلان الدولة؟)

 

وكان البرهان قد قدم التهنئة بمناسبة انفصال الجنوب الكارثة التي سميت استقلالا، حيث بعث برقية تهنئة إلى رئيس جنوب السودان، سلفاكير ميارديت، بمناسبة الذكرى السنوية لانفصال الجنوب، معرباً عن أصدق التهاني وأطيب الأمنيات لشعب جنوب السودان بالمزيد من التقدم والازدهار.

 

إن هناك حقائق ساطعة لا تخطئها العين، وهي:

 

أولاً: لم يكن انفصال جنوب السودان علاجاً لقضايا أهل الجنوب، ولا لرفع المظالم التي وقعت عليهم، بل كان مؤامرة أمريكية مكتملة الأركان ضمن مخطط تفتيت السودان إلى دويلات هزيلة، منهكة، تأكلها ذئاب الرأسمالية الجشعة.

 

ثانياً: انفصل الجنوب ليكون دولة ذات صبغة نصرانية، وهو ما أطلقوا عليه صراع الهوية، غير أن الجنوب ما عاد نصرانياً وفق تعاليم المسيح عليه السلام التي تنقلهم بالطبع إلى الإسلام. ولم يتحولوا إلى الإسلام الذي بشر به المسيح نفسه، بل برزت دويلة يهود، من خلال تحالف المحيط، واتفاقاتهم مع الحركة الشعبية، تتحكم في الحياة السياسية والاقتصادية، حيث اعترف كيان يهود بدولة جنوب السودان في 10 تموز/يوليو 2011، أي بعد يوم واحد فقط من إعلان الانفصال، وفي 28 تموز/يوليو أعلن عن ترحيبه بإقامة العلاقات الدبلوماسية مع الجنوب، لتكون سفارته وكراً للتآمر والتجسس، وهو ما حذر منه حزب التحرير/ ولاية السودان، في نداء للأمة أصدره في 2 أيار/مايو 2010م، في كتيب قبيل الانفصال بعنوان: (امنعوا قيام كيان يهود جديد في جنوب السودان)، غير أنه لم يجد أذناً صاغية فحصلت الكارثة، فأغلقت بوابة الإسلام نحو أفريقيا.

 

ثالثاً: اندلعت حرب أهلية أواخر عام 2013، لتدخل الدولة الوليدة في دوامة جديدة من الصراع والنزوح، أشعلها جماعة الإنجليز بإيعاز من بريطانيا لعميلها رياك مشار، بخلق المشاكل لحكومة الجنوب، وإثارة ملف الفساد، ثم الحرب، حتى لا تهنأ أمريكا بانفصال الجنوب، فاشتعلت حرب قبلية شرسة بين رأسي الحركة الشعبية؛ سلفاكير ورياك مشار، إذ يتبع كل واحد منهما لجهة خارجية مختلفة؛ سلفاكير يخدم المصالح الأمريكية، بينما رياك مشار تابع الإنجليز، وكل منهما يتبع لقبيلة عدوة للأخرى؛ الدينكا والنوير.

 

رابعاً: تدهورت الأوضاع الاقتصادية، وارتفعت معدلات الفقر. فبحسب تقرير المراسل نفسه، تشير تقديرات البنك الدولي، في آذار/مارس 2026م، إلى أن نحو 87% من السكان يعيشون في فقر مدقع، بينما تفيد بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي بأن 7.8 ملايين شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم نحو 73 ألف شخص في مرحلة "الكارثة". كما يحتاج أكثر من 2.2 مليون طفل إلى العلاج من سوء التغذية الحاد، في وقت يعتمد فيه قرابة 10 ملايين شخص على المساعدات الإنسانية.

 

يقول أستاذ الاقتصاد بالجامعة الكاثوليكية في جنوب السودان، أنجلو مارتن، في حديثه للجزيرة نت: "إن الاستقلال لم ينعكس على حياة المواطنين بالصورة التي كانوا يأملونها، إذ تحولت وعود الرخاء إلى تراجع حاد في مستويات المعيشة بعد أن استُنزفت مليارات الدولارات من عائدات النفط في الصراعات وسوء الإدارة".

 

وفي الختام، فإن هذا الانفصال فتح الباب واسعاً لبقية الأقاليم للمطالبة بدويلات جديدة لتكون عالة على الخلافة في سعيها لجمع صف الأمة. هذا الانفصال، كما يقول المثل (لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى)!

 

وإن الذي يوجد الحياة الكريمة لأهل الجنوب، هو نظام لديه القدرة على رعاية شؤون الناس، مسلمين وغير مسلمين، بأحكام رب العالمين، وهو مبدأ الإسلام العظيم، ليعيد الجنوب إلى جسم الدولة الأم مرة أخرى، بل ويمنع تآمر حكام الجنوب مع الانفصاليين على تنفيذ مخطط التقسيم الثاني للسودان في دارفور وغيرها.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

يعقوب إبراهيم – ولاية السودان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد قمة أنقرة:

هل يتشكل نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط؟

 

 

ليست التحولات الكبرى في النظام الدولي نتاج قرار واحد أو قمة واحدة، بل هي نتيجة تراكم طويل من الأحداث والتغيرات التي تدفع القوى الكبرى والإقليمية إلى إعادة تعريف مصالحها وأدوارها. وعندما تتزامن أزمات كبرى في مناطق مختلفة من العالم، فإنها غالباً لا تبقى منفصلة، بل تبدأ في تشكيل مشهد استراتيجي جديد تتداخل فيه الجغرافيا والسياسة والاقتصاد والأمن.

 

ومن هذا المنظور، فإن قمة حلف شمال الأطلسي التي استضافتها أنقرة يومي السابع والثامن من تموز/يوليو 2026، لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد اجتماع دوري لتحالف عسكري، بل باعتبارها محطة تأتي في لحظة دولية شديدة الحساسية: حرب مستمرة بين روسيا وأوكرانيا، وتنافس متصاعد بين الولايات المتحدة والصين، وتوتر متزايد بين واشنطن وطهران، وتحولات عميقة في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد تغيرات المشهد السوري، وتصاعد أهمية الممرات البحرية وأمن الطاقة، بحثا عن بدائل لمضيق هرمز في انتظار حل جذري للأزمة.

 

من حلف دفاعي إلى أداة لإدارة البيئة الاستراتيجية

 

حين تأسس حلف شمال الأطلسي سنة 1949، كان العالم يعيش ذروة الاستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي، وكان الهدف المعلن واضحاً: حماية أوروبا الغربية ومنطقة شمال الأطلسي من أي توسع سوفيتي، وترسيخ مبدأ الدفاع الجماعي الذي جعل الاعتداء على دولة عضو اعتداءً على جميع الأعضاء.

 

لكن انهيار الاتحاد السوفيتي لم يؤدِّ إلى نهاية الحلف كما توقع البعض، بل دفعه إلى إعادة تعريف وظيفته. فقد انتقل تدريجياً من تحالف يركز على الدفاع عن منطقة جغرافية محددة إلى إطار أمني وسياسي أوسع يتعامل مع أزمات تتجاوز حدوده التقليدية. فتدخل في البلقان وأفغانستان وليبيا، ثم عاد بقوة إلى واجهة السياسة الدولية مع الحرب الروسية الأوكرانية.

 

واليوم، لم يعد مفهوم الأمن في حسابات الحلف مرتبطاً فقط بالحدود البرية أو التفوق العسكري التقليدي، بل أصبح يشمل أمن الطاقة، والتكنولوجيا، والفضاء السيبراني، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية الحيوية. وهذا التحول يعكس تغير طبيعة الصراع في القرن الحادي والعشرين، حيث أصبحت السيطرة على شبكات الاقتصاد والمعلومات لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض.

 

ومع ذلك، فإن قراءة دور الناتو تبقى ناقصة إذا لم توضع في إطار القوة الأمريكية. فأمريكا ليست مجرد عضو في الحلف، بل هي القوة العسكرية والسياسية الكبرى داخله، وصاحبة التأثير الأوسع في تحديد أولوياته الاستراتيجية. لذلك نجده اليوم يتحرك ضمن رؤية أوسع لأمريكا حول شكل النظام الدولي وموازين النفوذ فيه، بغض النظر عن موقف ترامب من حلفائه.

 

الشرق الأوسط في قلب المعادلة الجديدة

 

لم يعد الشرق الأوسط منطقة منفصلة عن الحسابات الاستراتيجية الكبرى لأمريكا منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، بل اعتبرته في مرحلة لاحقة خطاً أمامياً للدفاع عن أمن الولايات المتحدة، وأطلقت بشأنه مشروعاً أُطلق عليه اسم "مشروع الشرق الأوسط الكبير"، قبل أن يُعاد تعديله إلى "مشروع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، حيث قُدّم إلى قمة دول مجموعة الثماني الصناعية التي انعقدت في حزيران/يونيو 2004 بمنطقة سي آيلاند. فمسألة انتشار الإسلام عالميا من هذه البقعة من الأرض، والموقع الجغرافي للمنطقة، واحتضانها لأهم مصادر الطاقة، وإشرافها على ممرات بحرية حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، ثم زرع كيان يهود في قلبها، جعلها مرتبطة بشكل مباشر بالأمن القومي الأمريكي مع ملاحظة وجود تيارات داخل أمريكا ترى أن واشنطن ينبغي أن تقلل التزاماتها الحالية في الشرق الأوسط للتركيز على منافسة الصين في آسيا.

 

ولهذا فإن واشنطن لا تنظر إلى المنطقة فقط من زاوية الصراعات المحلية، بل باعتبارها جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بطبيعة الصراع الحضاري وبمستقبل النفوذ الدولي. فالحفاظ على حرية الملاحة، ومنع توسع نفوذ القوى المنافسة، وضمان أمن الحلفاء، كلها عناصر تدخل في صياغة الاستراتيجية الأمريكية.

 

وفي هذا السياق، فإن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران يمثل أحد أهم الملفات التي يمكن أن تؤثر في شكل النظام الإقليمي القادم. فإيران تمتلك نفوذاً واسعاً في الإقليم، وشبكة من العلاقات والقوى الحليفة، بينما ترى واشنطن وحلفاؤها أن هذا النفوذ يمثل تحدياً لمعادلات الأمن الإقليمي.

 

من أجل ذلك تسعى أمريكا إلى فرض ترتيبات جديدة تعيد ضبط أدوار القوى الإقليمية، سواء من خلال الأعمال الدبلوماسية والعسكرية، أو من خلال مشاركة بعض حلفائها في كبح جماح إيران وأذرعها. وهذا لا يعني اختفاء إيران من المشهد، بل ربما إعادة تعريف موقعها وشروط مشاركتها في النظام الإقليمي، بانتقالها من دولة تدور في الفلك إلى دولة عميلة تابعة.

 

فبعد انتهاء القمة مباشرة، شهدت المنطقة تصعيداً متسارعاً، وعادت قضية مضيق هرمز إلى صدارة الاهتمام الدولي، بالتزامن مع ارتفاع مستوى التنسيق العسكري بين عدد من القوى الغربية، والاستعداد لتشكيل ترتيبات مشتركة لتأمين الملاحة وإزالة الألغام، بمشاركة محتملة من دول حليفة بينها تركيا. في المقابل، تبدو إيران أمام مرحلة غير مسبوقة من الضغوط السياسية والأمنية والاستراتيجية.

 

"قرن تركيا"... مشروع قوة إقليمية في نظام متغير

 

وسط هذه التحولات، تظهر تركيا باعتبارها إحدى الدول الأكثر قدرة على الاستفادة من تغير البيئة الدولية. فهي تمتلك موقعاً استثنائياً يجمع بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز، وهي عضو في الناتو، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى بناء هامش استقلال استراتيجي يسمح لها بلعب دور يتجاوز حدود التحالفات التقليدية، وهي لاعب إقليمي صاعد يمكن أن يملأ الفراغات التي سيخلفها انسحاب إيران، خصوصا بعد أن نجحت في وضع سوريا تحت جناحها، وعينها في ذلك على العراق.

 

ومن هنا تأتي أهمية مشروع "قرن تركيا" الذي تطرحه أنقرة بوصفه رؤية لموقع تركيا في المئوية الثانية للجمهورية. فهذا المشروع لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التنموي، ولا على مشروع "طريق التنمية" الذي يربط دول الخليج بأوروبا، بل يحمل تصوراً سياسياً واستراتيجياً لدور تركيا كقوة مؤثرة في محيطها الإقليمي والدولي، من خلال تعزيز الصناعات الدفاعية، وتوسيع النفوذ الدبلوماسي، وربط الموقع الجغرافي بالقدرة السياسية.

 

ويكتسب هذا المشروع أهمية خاصة في ظل الحديث عن تحولات محتملة في بنية الشرق الأوسط. فتركيا تدرك أن المنطقة قد تدخل مرحلة مختلفة، وأن الدول القادرة على الجمع بين القوة العسكرية، والاقتصاد، والقدرة على بناء الشراكات، ستكون الأكثر قدرة على التأثير في شكل النظام القادم.

 

وفي هذا الإطار، فإن العلاقة مع كيان يهود تمثل أحد الملفات الحساسة. فالكيان يسعى إلى تثبيت موقعه داخل ترتيبات إقليمية جديدة تقوم على التعاون الأمني والاقتصادي، خصوصاً في مواجهة التهديدات التي يعتبرها استراتيجية. أما تركيا، فرغم الخلافات السياسية المعلنة مع الكيان في ملفات عديدة، على غرار قبرص واليونان وسوريا، فإن موقعها الجغرافي ودورها التاريخي في المنطقة يجعلها طرفاً لا يمكن تجاهله في أي صيغة إقليمية مستقبلية.

 

ولا يعني ذلك بالضرورة انخراط تركيا في اتفاقيات إبراهيمية، بل يشير إلى أن أي نظام إقليمي محتمل سيجد نفسه مضطراً للتعامل مع حقيقة وجود هذا الكيان كفاعل عسكري واقتصادي مؤثر، تحاول أمريكا دمجه بالقوة في المنطقة.

 

من يملك القدرة على صناعة النظام القادم؟

 

إن التحولات الجارية لا تعني أن نظاماً إقليمياً جديداً قد وُلد بالفعل، لكنها تؤكد أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة ترتيب عميقة. فالولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت موقعها القيادي عبر شبكة تحالفاتها، بينما يبقى الناتو أحد أهم أدوات القوة الغربية. وفي قلب هذه التحولات تبرز تركيا كقوة إقليمية صاعدة تسعى، من خلال مشروع "قرن تركيا"، إلى لعب دور يتجاوز حدود التأثر بالأحداث إلى المشاركة في صياغة قواعد المرحلة القادمة.

 

وتبدو أنقرة مرشحة لقيادة ترتيبات أمنية جديدة عبر شبكة من الشراكات تمتد من باكستان إلى مصر والخليج، مع محاولة إعادة تشكيل موقع كيان يهود داخل البيئة الإقليمية، وفتح المجال أمام صيغة جديدة للتعامل مع إيران إذا تغيرت موازين القوة وشروط الدور الإيراني، وهذا المقترح هو جزء من تصريحات سابقة لوزير الخارجية التركي حقان فيدان. (النهار، 01/06/2026)

 

وفي هذه المرحلة الانتقالية، لن تكون الأفضلية لمن يملك القوة فقط، بل لمن يملك القدرة على قراءة التحولات، وبناء التحالفات، وتحويل الموقع والقدرات إلى نفوذ سياسي. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: هل يتغير الشرق الأوسط؟ بل: من سيكون قادراً على صياغة قواعده الجديدة؟ والأهم، من يمتلك الرؤية الحضارية التي تمنحه القدرة على التأثير في مستقبل المنطقة والعالم؟

 

ومنذ أحداث الربيع العربي، مروراً بتداعيات صعود الجماعات الإسلامية، وصولاً إلى انفجار الصراع الإقليمي بعد طوفان الأقصى، بات الشرق الأوسط حاضراً بقوة في الحسابات الأمنية الغربية، في حين أكد نتنياهو بأنه لن يسمح بقيام خلافة إسلامية. من أجل ذلك، تحاول القوى الغربية بقيادة أمريكا تحصين مواقعها ومصالحها الاستراتيجية عبر تعزيز تحالفاتها وتفعيل أدوارها الأمنية، بما في ذلك إعادة توظيف دور حلف شمال الأطلسي في مواجهة هذه التحديات الجديدة، متغافلين عن قوله سبحانه: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الوكالة الوهمية في نيجيريا... حين يصبح الفساد مؤسسةً تحكم الدولة

 

 

لم يعد الفساد في أفريقيا مجرد تجاوزات مالية يرتكبها بعض الموظفين، أو فضائح تنتهي بإقالة مسؤول هنا أو محاكمة آخر هناك، بل تطور في بعض الدول إلى بنية متكاملة تمتلك أدواتها وشبكاتها وآلياتها الخاصة، حتى غدا في بعض الأحيان دولةً داخل الدولة. وما كشفته نيجيريا عن وجود وكالة حكومية وهمية، أُدرجت في الموازنة العامة وكادت تستحوذ على ما يقارب مليون دولار من أموال الشعب، ليس حادثةً معزولة، بل نافذة تكشف حجم الأزمة التي تعانيها مؤسسات الحكم عندما تضعف الرقابة، ويتراجع سلطان القانون، وتتقدم شبكات المصالح على مؤسسات الدولة.

 

إن الخطورة لا تكمن في حجم المبلغ، مهما بلغت قيمته، وإنما في أن كياناً لا وجود له في القانون استطاع أن يجد له مكاناً داخل الموازنة العامة، وأن يعمل من قلب المجمع الحكومي الفيدرالي في العاصمة أبوجا، وكأنه مؤسسة رسمية تتمتع بالشرعية الكاملة. وهذه الحقيقة وحدها تكفي لتوجيه سؤال مؤلم: كم من الكيانات المشابهة قد تنجح في الإفلات من الرقابة دون أن يلتفت إليها أحد؟

 

فالفساد لا يبدأ بسرقة الأموال، بل يبدأ عندما تصبح مؤسسات الدولة عاجزة عن التمييز بين الحقيقي والوهمي، وبين المشروع والمصطنع، وعندما تتحول الإجراءات الإدارية إلى مجرد أوراق يمكن التلاعب بها، لا إلى منظومة تحمي المال العام وتصون حقوق الناس.

 

لقد أصبحت أفريقيا، منذ عقود، ساحة لمفارقة تاريخية عجيبة؛ فهي القارة الأغنى بالموارد الطبيعية، والأفقر في كثير من مؤشرات التنمية. ففي أراضيها النفط والغاز والذهب والماس واليورانيوم والكوبالت والليثيوم والمنغنيز، وفي باطنها ثروات تكفي لتحويلها إلى إحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم، لكن شعوباً كثيرة فيها ما تزال تعاني الفقر والبطالة وتردي الخدمات الأساسية!

 

ولا يمكن تفسير هذه المفارقة بالاستعمار وحده، ولا بالمؤامرات الخارجية فقط، رغم أثرهما الواضح والأصيل، بل إن جانباً كبيراً منها يعود إلى الفساد الذي استنزف مقدرات الدول، وحوّل ثروات البلاد إلى حسابات مصرفية خاصة، وعطّل بناء المؤسسات، وأضعف ثقة الناس بالدولة.

 

فالفساد في أفريقيا لم يعد يقتصر على الرشوة أو الاختلاس، بل أصبح منظومة اقتصادية وسياسية متكاملة، تتجسد في شركات صورية، وهيئات لا تؤدي وظيفة حقيقية، ومشروعات تُنفذ على الورق فقط، وعقود حكومية تُمنح للمقربين، وموازنات تُفصل لخدمة شبكات النفوذ، ووظائف وهمية تستنزف الخزينة، وصفقات موارد طبيعية تُبرم بشروط مجحفة لا تعود بالنفع على الشعوب.

ثم هناك شكل آخر أشد خطورة، وهو الفساد السياسي، حين تتحول السلطة إلى وسيلة لحماية الفاسدين بدل محاسبتهم، وتصبح الانتخابات أداة لإعادة إنتاج النخب نفسها، وتُستخدم موارد الدولة لشراء الولاءات، فيذوب الفاصل بين الحزب والدولة، وبين المال العام والمصلحة الخاصة.

 

كما لا يمكن إعفاء القوى الاقتصادية الدولية من مسؤوليتها؛ إذ إن كثيراً من شبكات الفساد لا تعمل بمعزل عن شركات عابرة للحدود، أو وسطاء ماليين، أو ملاذات ضريبية تستقبل الأموال المنهوبة. فحين يوجد من يدفع الرشوة، سيظل هناك من يقبلها، وحين يجد المال المنهوب أبواباً مفتوحة في الخارج، تصبح مكافحة الفساد داخل الحدود معركةً منقوصة.

 

غير أن أخطر نتائج الفساد ليست اقتصادية فحسب، بل سياسية أيضاً. فهو يقوض شرعية الدولة، ويضعف ثقة الناس بمؤسساتها، ويفتح الباب أمام الاضطرابات والانقلابات والصراعات المسلحة، لأن الشعوب التي تفقد الأمل في الإصلاح قد تبحث عن التغيير بوسائل أخرى، لا تكون دائماً سلمية أو مستقرة.

 

ومن هنا، فإن قرار الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو بفتح تحقيق في قضية الوكالة الوهمية يمثل خطوة ضرورية، لكنه لن يكون كافياً إذا اقتصر على محاسبة أفراد، بينما تبقى البيئة التي أنتجت هذه الفضيحة كما هي. فالمشكلة ليست في موظف وقّع، أو مدير وافق، بل في منظومة سمحت لكيان غير قانوني بأن يصبح جزءاً من الدولة.

 

إن معركة أفريقيا الحقيقية ليست مع الفساد المالي وحده، بل مع ثقافة سياسية وإدارية تجعل الدولة وسيلة للإثراء، لا أداة لخدمة المجتمع. ولن يتحقق ذلك إلا ببناء مؤسسات مستقلة، وقضاء نزيه، وإعلام حر، وأجهزة رقابة لا تخضع للسلطة التنفيذية، وأنظمة رقمية تجعل كل دينار أو ليرة أو فرنك أو دولار من المال العام قابلاً للتتبع والمحاسبة.

 

لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تنهار عندما تنضب ثرواتها، وإنما عندما تُنهب ثرواتها. ولا تسقط بسبب قلة الموارد، بل بسبب غياب الحكم الرشيد. وإذا كانت أفريقيا تريد أن تتحول من قارة تُصدّر المواد الخام إلى قارة تُنتج القوة الاقتصادية والسياسية، فإن الطريق إلى ذلك لا يبدأ من اكتشاف مناجم جديدة، بل من إغلاق المنافذ التي تتسرب منها ثروات الشعوب.

 

فالوكالة الوهمية في نيجيريا ليست مجرد قصة فساد، بل هي مرآة تعكس معركةً أكبر تخوضها أفريقيا بين مشروع الدولة الحديثة، وبين مشروع شبكات النفوذ التي تعيش على إضعافها. وانتصار أحد المشروعين سيحدد شكل القارة خلال العقود المقبلة؛ إما قارةً تنهض بثرواتها ومؤسساتها، وإما قارةً تبقى غنية في باطن الأرض، وفقيرة في حياة شعوبها.

 

وإذا كانت حادثة الوكالة الوهمية في نيجيريا قد أثارت دهشة الرأي العام، فإنها ليست استثناءً يقتصر على أفريقيا، بل تعكس نمطاً من الفساد يمكن أن يظهر في أي دولة تضعف فيها المؤسسات، وتتراجع فيها الرقابة، ويغيب فيها مبدأ المساءلة، وجميع بلاد المسلمين ترتع بهذا الفساد الممنهج بإشراف غربي.

 

فالشرق الأوسط، هو الآخر، عرف خلال العقود الماضية صوراً متعددة من الفساد المؤسسي، وإن اختلفت أشكاله من دولة إلى أخرى. ففي بعض الحالات يتمثل في تضخم الجهاز الإداري، أو إنشاء هيئات وصناديق ومجالس تستهلك المال العام دون مردود حقيقي، وفي حالات أخرى يظهر من خلال العقود الحكومية غير الشفافة، أو تضارب المصالح، أو المحسوبية، أو استغلال النفوذ، أو توجيه الموارد العامة لخدمة دوائر ضيقة على حساب التنمية الشاملة.

 

ومع أن كثيراً من دول المنطقة أعلنت برامج واسعة للإصلاح الإداري والمالي، وأنشأت هيئات لمكافحة الفساد، فإن نجاح هذه الجهود يبقى مرتبطاً بمدى استقلال المؤسسات الرقابية، وشفافية الإنفاق العام، وخضوع جميع المسؤولين للمساءلة دون استثناء.

 

إن أخطر ما في الفساد ليس حجم الأموال التي تُهدر، بل الأثر الذي يتركه على الدولة نفسها. فهو يضعف ثقة الناس، ويقلص فرص الاستثمار، ويزيد كلفة الخدمات، ويؤخر التنمية، ويجعل الكفاءة أقل قيمة من الولاء، والقانون أقل نفوذاً من شبكة العلاقات.

 

وهنا تلتقي أفريقيا والشرق الأوسط عند حقيقة واحدة؛ فالتحدي الأكبر ليس نقص الموارد، وإنما ضعف الحوكمة. فكلا الإقليمين يمتلك ثروات طبيعية وموقعاً جغرافياً استراتيجياً وإمكانات بشرية كبيرة، إلا أن الاستفادة من هذه المقومات تظل رهينة بوجود دولة مؤسسات، تُدار فيها الموارد وفق معايير الكفاءة والشفافية، لا وفق ميزان المصالح الضيقة.

 

وكل مشروع نهضوي، في أفريقيا أو الشرق الأوسط، يبدأ من بناء مؤسسات قوية، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وإرساء ثقافة المساءلة، لأن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تزدهر في بيئة يُكافأ فيها الفساد، ويُهمَّش فيها أصحاب الكفاءة!

ولهذا، فإن حادثة نيجيريا ليست مجرد خبر عابر، بل هي رسالة سياسية لكل دولة: إن الدولة التي تسمح بظهور مؤسسات وهمية، أو بوجود هياكل شكلية تستهلك المال العام، تكون قد بدأت تفقد قدرتها على التمييز بين الدولة الحقيقية والدولة التي تنشئها شبكات المصالح من خلف الستار.

 

إن الحل الحقيقي لبلاد المسلمين للخروج من هذا الفساد الممنهج الذي يُطبّقه علينا الغرب الكافر، والذي أحكمه بقوانين وضعية جعلت فساد المؤسسات والأفراد مدعوماً بسلطة الدولة، وبعيداً عن المحاسبة، إلا إذا افتُضح أمره وحان وقت إزالته؛ إذ إنه يزيل أفراداً وينتج فساداً بشكل مستمر.

 

وللخروج من هذا الواقع، وجب علينا العودة إلى الجذور الحقيقية التي جمعتنا وجعلت منا دولة حكمت أكثر من 1300 عام، ألا وهو نهج رسول الله ﷺ وطريقته في بناء الدولة، حتى نعيد عزنا الذي ضاع بتخلينا عن العروة الوثقى، وأن نحقق بشرى رسولنا الكريم بالخلافة الراشدة. ولكن هذا الأمر لا يتم بالدعاء والشعارات، وإنما بالعمل الدؤوب لتغيير الرأي العام، ليصبح رأياً عاماً ناتجاً عن وعي عام، متبنياً أفكار الإسلام وأحكامه.

 

والحمد لله أن هناك من تبنى هذا المشروع، وسار على خُطا رسول الله ﷺ، وشكّل حزباً راقياً بأفكاره، متمسكاً بكل ما جاء في الكتاب وسنة رسوله، وقد جهز كل ما يلزم لإقامة دولة الخلافة، إن شاء الله.

 

فيا أهل القوة والمنعة، ويا أهل الخير، هُبُّوا للسير مع حزب التحرير، لنعلي كلمة الله، ونقيم دولته على الأرض، ولنحكم بحكمه، ليرضى عنا، ونعود كما قال الله عز وجل: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

بعد مرور عشر سنوات على استشهاد برهان مظفر واني

صرخة من وادي كشمير ومسؤولية الأمة

 

 

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾.

 

في 8 تموز/يوليو 2016م، قامت قوات الاحتلال الهندي بقتل برهان مظفر واني، القائد الكشميري الشاب الذي لم يتجاوز أوائل العشرينات من عمره. وما تلا تلك الأيام المصيرية كان مشهداً من التحدي الصارخ للاحتلال، حيث خرجت الملايين إلى الشوارع متحدية حظر التجول، وواجهت بنادق الرصاص المطاطي التي أعمت جيلاً كاملاً، وشيّعت شهداءها وهي ترفع هتافات التحرير. كشمير، الجبهة المنسية، زأرت من جديد.

 

غير أن هذا الزئير قوبل بصمتٍ قاسٍ حيث كان ينبغي أن يكون الصوت أعلى ما يكون. فقد حوّلت القيادة العميلة في باكستان، مدنيةً وعسكرية، دم برهان إلى ورقة مساومة دبلوماسية. وأصدر جنرالاتها، المثقلون بالأوسمة التي نالوها في خدمة أمريكا، بيانات صيغت بلغة النظام الدولي الكافر، بينما بقيت أيديهم مكبّلة بسلاسل صندوق النقد والبنك الدوليين، وبالسعي لإرضاء سيدتهم أمريكا. لم يستجب حكام إسلام آباد لصرخات المظلومين، بل اكتفوا بطرح قرارات في الأمم المتحدة - تلك الأمم المتحدة نفسها التي لم تضمن قرارات مجلس أمنها شيئاً لمسلمي فلسطين أو كشمير أو غيرهما، سوى مقابر تمتد إلى ما لا نهاية.

 

وهذا هو الدرس المرير الذي تفرضه شهادة برهان واني على الأمة: إن الدولة القُطرية قفص صاغه مهندسو الاستعمار من سايكس بيكو ورادكليف. وحراسه أوفياء للنظام ذاته الذي رسم حدود الدم القومية. لقد خان الجنرالات بأوسمتهم دماء الشهداء من أجل المناصب الدنيوية ووهم الاستقلال. يتظاهرون بحماية الإسلام بينما سجونهم مليئة بمن يدعون إلى تطبيقه كاملاً. وجعلوا دماء مسلمي كشمير عملةً في مفاوضاتهم السرية مع الدولة الهندوسية، يبيعون الكرامة مقابل طرق تجارية، ويستبدلون بالشهادة الاعتراف الدبلوماسي.

 

إن مقابر كشمير، ومراكز التعذيب مثل مركز التحقيق سيئ الصيت "بابا 2"، والمقابر الجماعية للمختفين، تشهد على حقيقة قاسية، وهي أن الاحتلال ليس نزاعاً حدودياً يُدار، بل هو حرب على الإسلام والمسلمين. ولا يمكن حله بقرارات أممية عاجزة، ولا بشعارات فارغة يطلقها حكام عملاء. إن الجهاد في كشمير ليس صراعاً على قطعة أرض تحكمها مجموعة أخرى من العملاء، بل هو صراع لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، ولن يبلغ خاتمته بالنصر إلا في ظل الخلافة.

 

إن الخلافة الراشدة على منهاج النبوة هي وحدها التي ستحشد جيوش بلاد المسلمين، لا كقوات وطنية ممزقة بجوازات السفر، بل كجيش واحد موحّد يسير تحت راية رسول الله ﷺ. وستكسر الحدود القومية المصطنعة وتحرر الأراضي المحتلة - من كشمير إلى فلسطين - لا من أجل الأرض، بل لإحلال عدل الإسلام مكان قوانين الكفر. إن الخلافة لا تعترف بالمعاهدات التي كبّلت كشمير، ولا تخضع لمجلس أمن، ولا تنحني لتقارير حقوق الإنسان، ولا تخشى إلا الله سبحانه وتعالى.

 

إن استشهاد برهان واني، في هذا العمر المبكر، تذكيرٌ ومسؤولية في آن واحد؛ فهو يذكّرنا بأن شباب هذه الأمة مستعدون للتضحية بكل شيء، بينما باع من يدّعون قيادتها كل شيء. ويضع علينا عبء السؤال: ماذا فعلنا بينما كان شاب في الحادية والعشرين يهز أركان الاحتلال؟ إن الجواب لا يمكن أن يكون مجرد حزن، بل يجب أن يكون عملاً سياسياً وفكرياً دؤوباً لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة، القيادة الوحيدة التي تجعل دماء برهان وسائر الشهداء وقوداً للنصر، لا مجرد سطر في سجل الخيانة.

 

وحتى ذلك الحين، ستبقى صرخة وديان كشمير تؤرق نوم أولئك الذين يملكون القدرة على تلبية نداء التحرير. فاستجيبوا، يا جيوش باكستان وبنغلادش!

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد عبد الله – كشمير المحتلة

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل
×
×
  • اضف...