البحث في الموقع
Showing results for tags 'مقال'.
تم العثور علي 19 نتائج
-
بسم الله الرحمن الرحيم الإحسان إلى الأقارب وصلة الأرحام إن الإحسان إلى الأقارب من أجلِّ الأعمال وأعظم القربات؛ لأن القريب يجتمع فيه حق الإسلام وحق القرابة، ولذلك اعتنى القرآن الكريم ببيان هذا الحق، وجعل الإحسان إلى ذوي القربى من الأعمال التي تقرّب العبد إلى الله تعالى. قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾. ففي هذه الآية أمرٌ صريح بأداء حق القريب، وذلك بالإحسان إليه، ومساعدته، وتفقّد أحواله، والقيام بحاجته بحسب الاستطاعة. وقد حثّ النبي ﷺ على صلة الأرحام، وجعلها علامة من علامات الإيمان وربطها به، فقال: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» رواه البخاري ومسلم. وصلة الرحم لا تكون فقط بمقابلة الإحسان بالإحسان، وإنما تظهر حقيقتها عند الجفاء والقطيعة، قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» رواه البخاري. فالمؤمن لا يجعل إساءة قريبه سبباً لقطع رحمه، ولا يقابل الجفاء بالجفاء، بل يسعى إلى الإصلاح، ويبدأ بالسلام، ويتجاوز عن الهفوات، راجياً بذلك ما عند الله تعالى. وقد وعد النبي ﷺ واصل الرحم بسعة الرزق وطول الأثر، فقال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، رواه البخاري ومسلم. وقد تقع بين الأقارب أخطاء أو سوء فهم أو مواقف مؤلمة، غير أن المؤمن مأمور بالعفو والصفح، وألا يجعل الخطأ العابر سبباً لخصومة دائمة أو قطيعة طويلة. قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وهذه الآية ترشد المسلم إلى مقابلة الإساءة بالعفو، وتذكّره بأن من أراد مغفرة الله فليغفر لعباده. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. ومن الإحسان إلى الأقارب أن يحمل المسلم كلامهم على أحسن المحامل، وألا يتتبع عثراتهم، ولا يعيّرهم بأخطائهم، ولا ينشر عيوبهم بين الناس. وإذا احتاج القريب إلى نصيحة، فلتكن برفق وسرٍّ، بعيداً عن التشهير والإهانة، فقد قال النبي ﷺ: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» رواه مسلم ومن الإحسان إلى الأقارب كتم الغيظ عند الغضب والخصومة، فمن أكثر ما يحتاج إليه التعامل مع الأقارب ضبط النفس عند الغضب؛ لأن القريب قد يرى من قريبه ما لا يراه من غيره، وقد تكون الخصومة معه أشد ألماً وأطول أثراً. ولهذا قال النبي ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» رواه البخاري ومسلم، فالقوة الحقيقية ليست في رفع الصوت، أو غلبة الخصم، أو رد الإساءة بمثلها، وإنما في القدرة على كظم الغيظ، والتزام الأدب، وتأخير الرد حتى تهدأ النفوس. ومن الحكمة أن يتجنب الإنسان الجدال وقت الغضب، وأن يختار الكلمات الطيبة، وأن يتذكر أن صلة الرحم أعظم من الانتصار للنفس في موقف عابر. ومن صور الإحسان إلى الأقارب تفقد المحتاج منهم، ومساعدة الفقير، وإعانة المريض، والوقوف إلى جانب من نزلت به شدة، وتقديم العون المالي أو المعنوي بحسب القدرة. وقد قال النبي ﷺ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ؛ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» رواه الدارمي، أي أن الصدقة على القريب المحتاج تجمع أجر الصدقة وأجر صلة الرحم. كما قال ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه البخاري ومسلم، فإذا كان هذا فضل إعانة المسلم عامة، فإن إعانة القريب أولى وأعظم؛ لما فيها من جمعٍ بين تفريج الكربة، وصلة الرحم، وتقوية أواصر المحبة بين أفراد الأسرة. وبالمقابل فقد حذّر الإسلام من قطيعة الأرحام، فقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾. فالقطيعة ليست مجرد ترك الزيارة، بل قد تكون بالهجر، أو الإعراض، أو منع الحقوق، أو الإساءة بالقول، أو نشر العيوب، أو ترك القريب وقت حاجته. أما الصلة فهي بالزيارة، أو الاتصال، أو السؤال، أو الهدية، أو المساعدة، أو الكلمة الطيبة، أو الدعاء، وغير ذلك. ويجب التنبيه إلى أن الإحسان إلى الأقارب لا يعني السكوت عن الظلم، ولا قبول الاعتداء، ولا تمكين المسيء من الاستمرار في أذاه. وإنما يكون الإحسان بالحكمة؛ فيعفو الإنسان عن الهفوات، ويستر العيوب، وينصح برفق، ويحفظ حقوقه، ويدفع الضرر بالحكمة والروية بالوسائل المشروعة. ومن أجمل صور التعامل مع الأقارب أن يصل المسلم من قطعه، ويعفو عمن أساء إليه، ويكتم ما يكره نشره، ويساعد المحتاج، ويخفض جناح الرحمة للكبير، ويرفق بالصغير، ويحفظ مكانة الوالدين وأهل الفضل، ويجعل غايته رضا الله لا انتصار النفس. ولا يقتصر ما تقدّم من الإحسان والعفو والستر وحسن التعامل على الأقارب الأقربين فحسب، بل يشمل كذلك ذوي الأرحام وسائر الأقارب؛ فصلة الرحم تعني الإحسان إلى الأقارب عموما، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ وبناءً على ذلك، فإن كل ما سبق من الصلة، والإحسان، وقضاء الحوائج، والعفو، وستر العثرات، واحتمال الزلات، وحسن الكلام، ينطبق على ذوي الأرحام وسائر الأقارب، سواء أكانوا قريبين في المسكن أو بعيدين، وسواء أحسنوا أو قصّروا؛ إذ يحرص المسلم على وصلهم ابتغاء مرضاة الله، وبذلك يحافظ على ترابط الأسرة، ويؤدي حق القرابة، وينال فضل صلة الرحم والإحسان إلى ذوي الأرحام. وخلاصة الأمر أن صلة الرحم طاعة عظيمة، والإحسان إلى الأقارب من الإيمان، والعفو عن زلاتهم سبب لمغفرة الله ودوام المودة. فليحرص كل مسلم على أن يكون مفتاحاً للخير في أسرته، جامعاً للقلوب، ساتراً للعثرات، معيناً على الشدائد، وليتذكر دائماً قول الله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير بلال المهاجر – ولاية باكستان
-
بسم الله الرحمن الرحيم يا أهل القوة والمنعة في بلاد المسلمين: أَطاعةُ الله ورسوله والاحتكامُ إلى شرعه أولى لكم أم طاعةُ ترامب ونظامه وأذنابه؟ قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. إن القضية التي تواجه بلاد المسلمين اليوم ليست نقصاً في الثروات، ولا ضعفاً في الطاقات، ولا قلةً في الرجال، وإنما هي قضية قيادةٍ سياسية جعلت ولاءها للدول الاستعمارية الرأسمالية، بحيث إن الأمة الإسلامية ربطت قراراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية بها، وغدا مستقبل المسلمين مرهوناً بما تريده واشنطن أو غيرها من العواصم المؤثرة. إن الأصل الذي يجب أن تُبنى عليه سياسة الدولة هو العقيدة الإسلامية، وأن يكون مصدر التشريع هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لا القوانين الوضعية ولا الإملاءات الدولية ولا ميزان المصالح الذي تفرضه واشنطن وغيرها من القوى، وإن الدولة ينبغي لها أن تبني سياستها الداخلية والخارجية على أحكام الإسلام. إن السؤال الذي ينبغي أن يواجه كل حاكم مسلم هو: أيهما أولى بالطاعة والاتباع؛ الله ورسوله، أم رئيس دولة أجنبية مهما بلغت قوتها؟ لقد أمر الله سبحانه بالحكم بما أنزل وأمر الحاكم المسلم بالاحتكام إليه وهو أصل عقدي، ونهى عن اتباع أهواء الناس، فقال: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. أما الواقع السياسي اليوم، فنراه واقعاً تُهيمن فيه القوى الكبرى كأمريكا وبريطانيا وغيرهما على القرار في بلاد المسلمين عبر الاتفاقيات العسكرية، والهيمنة الاقتصادية، والضغوط السياسية، حتى أصبح رضا هذه القوى عند الحكام مقدماً على رضا الله، وأصبحت الحدود التي رسمها المستعمر مقدسة، بينما غاب مشروع وحدة الأمة تحت راية الإسلام! إن تبدل الإدارات الأمريكية لا يغيّر من طبيعة سياسة أمريكا القائمة على المحافظة على نفوذها ومصالحها. ولذلك فإن التعويل على تغيير الأشخاص لا يُعد علاجاً للمشكلة، وإنما العلاج يكون بتحرير القرار السياسي من التبعية، وجعل السيادة لشرع الله وحده. ومن المفاهيم الأساسية التي يؤكدها الشرع أن المسلم لا يستمد عزته من رضا الغرب، وإنما من طاعة الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وإن الأمة الإسلامية لا ينقصها الرجال، وإنما ينقصها الحكم بالإسلام في ظل دولة الخلافة التي تطبقه في الداخل، وتحمله إلى العالم بالدعوة والجهاد. يا أهل القوة والمنعة في بلاد المسلمين: إن التاريخ لا يخلّد من أرضى ترامب وغيره من الرؤساء المتحكمين بالنظام الرأسمالي والعاملين معه أو غيره من الأنظمة الوضعية، وإنما يخلّد من نصر دين الله وأقام العدل بين الناس. إن رضا أمريكا أو غيرها لا يدوم، أما رضا الله فهو الفوز العظيم. فعودوا إلى الاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، واتركوا الانصياع لإملاءات الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية، فإن العزة في الإسلام، والكرامة في طاعة الله، والأمن الحقيقي في تطبيق شرعه، لا في الاحتماء بترامب أو غيره من القوى الدولية المستبدة والجائرة والمتغطرسة. يا أهل الإسلام: إن التغيير الحقيقي في سنن الله التاريخية لا يكون بتبديل الوجوه أو الأحزاب التي بُنيت على الديمقراطية، وإنما يكون بإقامة حكم الإسلام، حتى يعود للمسلمين كيانهم السياسي الذي يوحدهم ويصون مقدساتهم ويحمل رسالة الإسلام إلى العالم. ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير فادي السلمي – ولاية اليمن
-
بسم الله الرحمن الرحيم تونس عند حافة الانفجار السياسي ماذا بعد مرحلة الإنهاك الأخير؟ حين يبدأ النظام في استهلاك شرعيته لا تسقط الأنظمة حين تفقد شعبيتها فحسب، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج شرعية جديدة. فالجماهير قد تتحمل الجوع والفقر، وقد تصبر على القمع والتنكيل سنوات، لكنها لا تستطيع أن تتحمل دوس الكرامة اليوم وفراغ الأفق غدا. تمر الأنظمة، قبل سقوطها الظاهر، بمرحلة من الإنهاك الصامت، تبدأ حين تنقلب وعودها إلى أسئلة محرجة، وحين يصبح القمع بديلاً عن الإقناع، وحين يبدأ المجتمع في التفكير لا في كيفية إسقاط النظام فحسب، بل في السؤال الأخطر الذي قد يكبح اندفاعه نحو الاحتشاد والتظاهر: ماذا بعده؟ قيس سعيّد: كبش فداء لمرحلة كاملة؟ من هذه الزاوية، تبدو اللحظة التونسية الراهنة أخطر مما يتصور الكثيرون. فبعد خمس سنوات من 25 تموز/يوليو 2021، انقلب السؤال رأساً على عقب: لم نعد نسأل إن كان قيس سعيّد قادراً على إنقاذ الدولة من انسداد سياسي خانق، بل أصبح السؤال الموجع: ماذا أنتجت خمس سنوات من تركيز السلطة المطلقة بيد رجل ظنه البعض قد جاء من خارج المنظومة، ولكن جرى وضعه في واجهة المشهد، لا ليختزل السلطة في شخصه فحسب، وإنما ليكون أيضاً كبش فداء سياسيا عندما تنتهي صلاحيته السياسية، فيتحمل وحده كلفة الانهيار والإخفاق، بينما تنجو من الحساب الشبكات والقوى التي ساهمت في صناعة صعوده أو وفّرت له الغطاء والدعم؟ وإلا، كيف يمكن تفسير استمرار هذا المسار طوال هذه السنوات، رغم ما راكمه من أزمات، إذا لم تكن وراء الواجهة الرئاسية مصالح أوسع، داخلية وخارجية، رأت في سعيّد أداة لإعادة هندسة المشهد التونسي، ثم تركه لاحقاً وحيداً أمام غضب الشارع واستحقاقات الحساب؟ من "الإنقاذ" إلى احتكار السلطة لقد نجح قيس سعيّد، بقدر كبير من الحسم، في تفكيك المنظومة القديمة وإزاحة القوى التي حمّلها مسؤولية انسداد الدولة وتدهور أوضاعها، لكنه أخفق في بناء منظومة بديلة قادرة على إنتاج النمو والرفاه، أو حتى توفير الحد الأدنى من الثقة والاستقرار. وهنا، تحديداً، يبدأ الأفول. إذ إن الشرعية التي بُنيت على ادعاء "الإنقاذ" لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد على أنقاض الماضي، خصوصاً عندما لا يكون لهذا الإنقاذ وجهة واضحة، ولا يكون لـ"البناء والتشييد" الذي رُفعت شعاراته أساسٌ فكري وعقدي وشرعي واضح، تُردّ إليه السياسات والأحكام وتُقاس به الأعمال. والأخطر من ذلك أن مشروع سعيّد لم يكتفِ بإقصاء المنظومة السياسية السابقة، بل مضى إلى إقصاء الإسلام من المجال العام والتشريع إقصاءً يتجاوز حتى مستواه الرمزي الذي حافظ عليه بورقيبة، وذلك بإلغاء المرجعية التي كانت تمثلها الإشارة إلى الإسلام في المادة الأولى من دستور 2014. وهي، من هذه الزاوية، ليست مجرد مراجعة دستورية، بل قطيعة مع التصور الذي يرى في الإسلام أساساً فكرياً وعقدياً وشرعياً للحكم والتشريع، واختزال مهين للإسلام في الجانب التعبدي الكهنوتي، يتماهى مع قراءة فرنسا للإسلام. وهكذا، ما إن انتقل سعيّد من موقع من يحمّل الآخرين مسؤولية الانسداد إلى موقع من يحتكر القرار ويعيد صياغة الدولة وفق تصوره، حتى سقطت عنه حصانة "البديل"، فأصبح كل فشل اقتصادي، وكل تعثر في الخدمات، وكل انسداد سياسي، وكل اعتقال أو تضييق أو حكم بالسجن، يُرد في النهاية إلى مركز السلطة الذي اختزل الدولة في شخصه، وأصبح مسؤولاً بصورة مباشرة عن الحاضر والمستقبل وعن الكلفة الكاملة لما آلت إليه البلاد. شهادة جوي هود: خمس سنوات لكشف الوجهة لقد كشفت شهادة سفير أمريكا الأسبق، جوي هود، التي نشرها يوم 2026/07/27 على موقع الجزيرة، عن لحظة مهمة، فعندما وصل إلى تونس في الأيام الأولى التي أعقبت 25 تموز/يوليو، لم يكن المسؤولون الأمريكيون قادرين على معرفة المدى الذي يُراد من الإجراءات الاستثنائية: هل يتعلق الأمر بتدبير مؤقت لاحتواء أزمة سياسية خانقة، أم أنه مقدمة لإعادة تشكيل نظام الحكم برمته؟ لم يوضح سعيّد متى سيعيّن حكومة، ولا ما إذا كان تعليق البرلمان مؤقتاً أم تمهيداً لحله، تاركاً الجميع أمام مشروع لم تتضح وجهته بعد. وبعد خمس سنوات، لم تعد الوجهة غامضة: دستور جديد كرّس تركيز السلطة في الرئاسة، وحكم بالمراسيم، وانكماش متواصل للمجال السياسي، بالتوازي مع مقاربة أمنية أفضت إلى اتساع دائرة الملاحقات والاعتقالات والمحاكمات الجائرة. لكن المفارقة الأكثر قسوة أن هذا التركيز الهائل للسلطة لم ينتج، في المقابل، اختراقاً اقتصادياً يبرره، ولم يمنع من تصاعد وتيرة الاحتجاجات، فقد بلغ الدين العمومي نحو 84% من الناتج المحلي، بينما ظل النمو والبطالة في مستويات لا تمنح السلطة إنجازاً اقتصادياً يمكنها أن تستند إليه. الغضب المجتمعي ومعارضة عاجزة غير أن الخطر الأعمق اليوم هو أن الأزمة لم تعد نخبوية. ففي صيف 2026، دخلت الكهرباء والماء وغلاء الأسعار إلى صميم المعادلة السياسية. لأن الغضب والاحتجاج لم يعد بحاجة إلى طاقة دفع مبدئي، بل أصبح الحلم اليومي نفسه أداة سياسية. هنا، تجد المعارضة التونسية نفسها اليوم جزءاً من مأزق المرحلة، لا البديل الجاهز عنها. فقد استنفدت قواها وحشدت أطيافها وشبكاتها، ومع ذلك عجزت عن تحويل السخط السياسي إلى قوة شعبية مؤثرة. ويكفي أن احتجاجات قابس ضد التلوث حشدت نحو 160 ألف شخص، وهو رقم يكشف، بالمقارنة، عمق العجز التعبوي للمعارضة التي تعجز، رغم اجتماع أطيافها وتعدد تنظيماتها، عن حشد جزء يسير من هذا العدد في تحركاتها السياسية. والمفارقة أن غضباً مجتمعياً على قضية بيئية محلية استطاع أن يتحول إلى قوة جماهيرية هائلة، بينما بقي الغضب السياسي عاجزاً عن إنتاج كتلة شعبية مماثلة، بما يؤكد أن أزمة المعارضة ليست في غياب السخط وحده، بل في عجزها عن تحويله إلى مشروع سياسي مقنع. والأسوأ أنها تبدو، في جانب منها، أسيرة انتظار الخارج أكثر من قدرتها على إنتاج ديناميكية داخلية، ومتعلقة بما تبقى من "قشة الديمقراطية"، وكأن إنقاذها لن يأتي من المجتمع التونسي بقدر ما سيأتي من ضغط دولي أو إسناد إقليمي، يأتي من "الغرف المغلقة" كما قال قائلهم! ولذلك فإن الحديث عن "مرحلة ما بعد قيس سعيّد" لا يعني أن المعارضة أصبحت قادرة على فرضها، بل يعكس، في أحسن الأحوال، بداية تآكل احتكار السلطة للمستقبل من جهة، وعجز خصومها عن ملء الفراغ من جهة أخرى. وهذه هي المفارقة التي تجعل الأزمة أعمق: نظام يزداد إنهاكاً، ومعارضة تزداد عجزاً، ومجتمع يتحرك خارج الاثنين بحثاً عن مخرج. تونس في حسابات أمريكا وتركيا أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن اهتمام تركيا بتونس، ولو جاء من شخصيات سياسية سابقة (الرئيس ومستشاره، ورئيس البرلمان) واقتصاديين، وليس بالضرورة كسياسة حكومية معلنة، فهو مؤشر لا يقل أهمية. تونس موقع استراتيجي يربط أوروبا بأفريقيا، وتركيا ترى فيها منصة للنفاذ إلى الأسواق الأفريقية، ومنصة استثمارية واعدة كما جاء على لسان المستثمر التركي سَلجوق يلماز. من ناحية أخرى، تدرك واشنطن، كما يقر هود، أن تونس المستقرة، حتى ولو كانت تحت حكم سعيّد، خير من تونس المنهارة التي قد تتحول إلى فوضى على شواطئ المتوسط. لذا، فإن الحساب الأمريكي معقد: لا إسقاط فوري، بل إبقاء الدولة قائمة، ومنع الانفجار، وتشجيع انفتاح سياسي تدريجي، بحثا عن بدائل وربما عن دور للجزائر. البديل لا يأتي من قرطاج ولا من الخارج وهكذا، فإن البديل الحقيقي لتونس لن يأتي من قصر قرطاج، ولن يأتي من أحزاب المعارضة التي تتنافس على كراسي البرلمان، لأنهما وجهان لعملة واحدة هي الديمقراطية الليبرالية الغربية، مهما اختلفت شعاراتهما. ولن يأتي من واشنطن أو لندن أو باريس، فهذه الأطراف، رغم اختلافاتها وتنافسها، تتحرك داخل منظومة دولية غربية واحدة، وتظل حساباتها محكومة برؤيتها للنظام العالمي ومصالحها فيه. وحتى تركيا نفسها، رغم مشروعها الإقليمي الطموح، تبقى ضمن الفلك الغربي وتحت سقف الناتو، وتتحرك بأجندة تحمل في أحشائها نظرة الغرب للعالم. إذن، لا الخلاص من "الرجل القوي" الذي أنهك البلاد، ولا من "المعارضة" التي تريد استعادة الديمقراطية ونفخ الروح في جثتها الهامدة، هو ما سينقذ بلد الزيتونة، بل الخلاص يجب أن ينبع من عقيدة هذا الشعب وهويته التاريخية والحضارية، من إسلامه الذي صاغ وجوده، ومن ثقافته التي هي امتداد لرسالة التوحيد. فالشعب التونسي، بقيمه الإسلامية الأصيلة، وإشعاعه التاريخي، هو السند الطبيعي الوحيد لأي حكم رشيد، وهذا السند قد سُحب من تحت قدمي قيس سعيّد، وقد حُشر في الزاوية، فلم يبق له إلا الارتهان المتزايد للخارج وشروطه، ولا سيما مع تفاقم الحاجة إلى التمويل. وقد تكون تونس، بما لها من موقع رمزي في تاريخ التحولات العربية، قادرة على أن تتحول مرة أخرى إلى نقطة انطلاق لمشروع يتجاوز حدودها، ويمنح شعوب المنطقة تصوراً مختلفاً للتغيير، قوامه العقيدة والهوية والاستقلال عن الهيمنة الغربية والتبعية للخارج. من الربيع العربي إلى الطوفان الإسلامي نعم، إن عقيدة هذا الشعب وهويته الإسلامية هي وحدها القادرة على إلهام أنظمة تحكم بما أنزل الله، لا بما تمليه أمريكا أو أوروبا. هي وحدها القادرة على أن تكون البديل الحقيقي عن هذا المأزق السياسي الخانق. وها هي الأيام تمر، والشارع يغلي، والأفق يضيق، والموازين الدولية تتغير، لتصبح الأنظمة المنبثقة عن هذه العقيدة المتجذرة في أهل تونس، لا مجرد خيار انتخابي، بل واجبا شرعيا وبرنامجا سياسيا حتميا وضرورة حياتية، وحلا واقعيا من صميم التجربة التونسية ومن توجيه دعاة التغيير الجذري، لا من نسق خارجي مستورد. فما دامت الأنظمة الوضعية العلمانية قد فشلت، وما دامت النخبة المستوردة قد عجزت، فلا بد أن يكون الربيع القادم إسلامياً لا عربياً، كما كان بالأمس. ولا بد أن تكون الخلافة الراشدة هي عنوان الطوفان القادم، تحقيقاً لوعد الله بالاستخلاف، وبشرى نبيه عليه الصلاة والسلام بالخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. وحينها، لن تكون تونس مجرد دولة تبحث عن خروج من أزمتها، بل ملهمة لأمة بأكملها، تحتضن أشلاء الربيع العربي الفاشل، وتبعث منه حياة جديدة، وفي قلوبها يقين أن الله مولى الذين آمنوا، وأن العاقبة للمتقين. قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾. وهكذا، فإن ما يحدث في تونس اليوم ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، ولا مجرد صراع على السلطة بين فريق وآخر، بل هو اختبار لمصير أمة، وهكذا يجب أن يُقرأ من كل مسلم واع، يحمل همّ أمّته. فتونس، التي كانت مهد الثورات العربية، قد تكون مجدداً مهد الصحوة الإسلامية التي تقطع مع حبائل الاستعمار وتصنع مستقبلها بإرادتها، وعقيدتها، وتاريخها، لا بإملاءات الغرب ومؤسساته. وهي بذلك تقدم نموذجاً يلهم شعوب المنطقة كلها، فتنطلق لإعادة بناء ذاتها ولم شملها وتوحيد صفوفها وتحرير الأرض المباركة من رجس يهود. فهل تستطيع الأمة أن تستعيد حقها في أن تستمد نظامها من عقيدتها وهويتها، وأن تجعل من التغيير عودة إلى كتاب ربها وهدي نبيها ﷺ لا انتقالاً من وصاية إلى وصاية؟ قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ﴾. فإذا استقرت العقيدة الإسلامية في القلوب استقراراً حقيقياً، تحولت من مجرد قناعة ذهنية إلى قوة دافعة تصوغ الوعي والإرادة والسلوك، وتمنح المؤمن قدرة على الثبات أمام الفتن، ومقاومة التبعية، وتحمل مشاق التغيير، والتضحية في سبيل ما يراه حقاً، فلا تعود إرادته رهينة للخوف أو المصالح العاجلة، بل يستمد عزيمته من يقينه بالله ووعده. ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير المهندس وسام الأطرش
-
بسم الله الرحمن الرحيم أربعة دروس من حرب أمريكا على إيران لقد هزّ فشل حرب أمريكا وكيان يهود ضد إيران الجيوش في أنحاء العالم. ويمثل ذلك الفشل نقطة تحوّل تُجبر المخططين العسكريين على إعادة النظر في العقائد الراسخة المتعلقة بالحروب والردع وإسقاط القوة. كما تواجه قيادات الجيوش والمؤسسات العسكرية في البلاد الإسلامية نتيجة غير متوقعة لهذه الحرب، بعدما صوّرت التقديرات استسلام إيران أمراً محسوماً. وقد عززت ردود فعل إيران الرمزية تجاه استفزازات أمريكا وكيان يهود في الماضي هذا التصور داخل جيوش المسلمين، ومفاده أن الهزيمة حتمية في أي صراع مع أمريكا أو كيان يهود. وعلى الرغم من الواقع المؤسف المتمثل في فساد جانب كبير من الثقافة العسكرية المعاصرة لدى المسلمين بسبب البراغماتية والنظريات الغربية في الحرب وإدارة الدولة، فإن نتيجة هذه الحرب ينبغي أن تدفع جيوش المسلمين إلى إعادة تفكير جادة. وينبغي أن تشجعها على رفض نماذجها الحالية وتبني الجهاد وإقامة دولة الخلافة التي تطبّقه. وتقف البلاد الإسلامية على أعتاب تغيير تاريخي، في ظل الانحدار الحاد لأمريكا والغرب ووجود فراغ فكري وسياسي جاهز للملء. ولا يبقى سوى تحدٍّ واحد، هو قرار القادة العسكريين المخلصين داخل جيوش المسلمين، ولا سيما الأقوياء والقادرين منهم، بالوقوف إلى جانب الأمة نصرةً للإسلام. يعرض هذا المقال أربعة دروس رئيسية من حرب أمريكا وكيان يهود على إيران لتتأملها جيوش المسلمين: الدرس الأول: أمريكا ليست منيعة لعقود، صوّر الحكام العملاء في البلاد الإسلامية القوة العسكرية الأمريكية على أنها لا تكاد تُقاوم. غير أن حربي أفغانستان والعراق أظهرتا بالفعل أن إلحاق الضرر بالقوات التقليدية للخصم لا يؤدي بالضرورة إلى النتيجة السياسية المنشودة. وقد دلّت المقاومة التي أعقبت احتلال أمريكا للبلدين على أهمية الإرادة السياسية في تحديد نتائج الحروب. ورغم أن إيران لم تُحتل، فإن الحرب الأخيرة عززت قيمة إرادة المقاومة، حتى مع القضاء على قيادات رفيعة المستوى. لقد عطّلت إيران بمفردها منظومة الأمن الأمريكية في الشرق الأوسط، الممتدة على مدى عقود. وهذا إنجاز يرى القادة العسكريون الإقليميون أنه غير قابل للتحقيق. فقد دخلت إيران الصراع من دون قوة جوية فعّالة، لكنها اعتمدت على الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة ومنصات الإطلاق الموزعة والعمليات غير المتكافئة، وتمكنت من استهداف قواعد الولايات المتحدة وكيان يهود في أنحاء المنطقة. وأصبحت هذه القواعد، التي كان يُنظر إليها سابقاً باعتبارها مناطق خلفية آمنة، أهدافاً مكشوفة في الخطوط الأمامية. وقد وصفت تقارير في مؤسسات مثل وول ستريت جورنال وفايننشال تايمز ونيويورك تايمز اضطرابات كبيرة وتقييمات للأضرار وإعادة تقييم أوسع لمدى تعرض البنية التحتية الخليجية التي تستضيف القوات الأمريكية للخطر. ودفع ذلك واشنطن إلى التخطيط للطوارئ من أجل توزيع أصولها بصورة أكبر، وزيادة الاعتماد على مراكز بديلة مثل الأردن وكيان يهود، وتقليل تركّز عملياتها في الخليج. وقد أجبر ضعف هذه المنشآت الولايات المتحدة على توزيع قواتها، ونشر تدابير دفاعية، وتوخي الحذر العملياتي. والدرس الأكبر هو أن الوجود العسكري الأمريكي في البلاد الإسلامية لا يستمر إلا بسبب الحكام العملاء. فهذه القواعد والحكام الذين يستضيفونها كالأفاعي في باحتنا، وينبغي قطع رؤوسها من أجل أمن المسلمين. فمن هذه القواعد تُشنّ الهجمات على بلاد المسلمين أو تُدار. وهذه القواعد قابلة للتعرض للخطر في الواقع، ويمكن إزالتها أو تدميرها بسهولة، كما توضح الاستراتيجية الإيرانية. ولا يتطلب الأمر سوى قرار عدد قليل من الرجال الأحرار في جيوشنا، ممن يرفضون تصديق الصور الزائفة لتفوق أعدائنا، بأن يضربوهم بقوة وجرأة وذكاء. الدرس الثاني: القوة الأمريكية تعتمد على الحكام والقادة العملاء محلياً تُسقط الولايات المتحدة قوتها في الشرق الأوسط من مسافة آلاف الكيلومترات، ولا تستطيع الحفاظ على وجودها هناك بالاعتماد على حاملات الطائرات والقاذفات بعيدة المدى وحدها. فهي تحتاج إلى مطارات وموانئ ومنشآت استخبارات وتصاريح للتحليق وإمدادات وقود وشبكات اتصالات وحماية سياسية توفرها الحكومات الإقليمية العميلة. وهذا الاعتماد ليس خاصاً بالصراع الإيراني الحالي. فقد كان تعاون باكستان اللوجستي والاستخباراتي وتعاونها في مجال العبور محورياً في الحملة الأمريكية في أفغانستان. وبالمثل، اعتمد غزو العراق واحتلاله اللاحق بدرجة كبيرة على الوصول إلى قواعد الخليج والبنية التحتية الإقليمية. وقد رفضت تركيا السماح بفتح مسار غزو رئيسي من الشمال عام 2003، موضحةً كيف يمكن لقرار دولة واحدة ذات موقع استراتيجي أن يعقّد التخطيط الأمريكي بدرجة كبيرة. ثم مارست إيران نفوذاً في العراق بعد الغزو، لمساعدة أمريكا على تحقيق الاستقرار في البلاد. وقد كشفت الحرب مرة أخرى هذه الحقيقة البنيوية. فالقواعد والمنشآت الأمريكية في قطر والبحرين والكويت والأردن والسعودية والإمارات تمنح واشنطن عمقاً استراتيجياً، لكنها تجعل الدول المضيفة عرضة للانتقام أيضاً. ولذلك تواجه دويلات الخليج معضلة؛ فهي تعتمد على حماية أمريكا، بينما تخشى أن تحوّل عمليات أمريكا على أراضيها إلى ساحات قتال. كما أن تردد الرئيس ترامب المتكرر في تصعيد إضافي، بما في ذلك إلغاؤه ضربات مخططاً لها بعد مناشدات يائسة، يُظهر أن حرية العمل الأمريكية مقيّدة بمصالح وكلائها الإقليميين ومخاوفهم. والدرس واضح: إن الهيمنة الأمريكية في المنطقة تقوم فقط على موافقة إقليمية. ويجب على القادة العسكريين المسلمين المخلصين في إيران وباكستان وسائر البلاد الإسلامية أن يتعاونوا لإزالة الوجود الأمريكي، الذي أصبح بالفعل في أضعف حالاته بسبب الضربات الإيرانية. وهناك حاجة إلى مزيد من التنسيق بين جيوش المسلمين لبناء نظام أمني إقليمي جديد يتمحور حول الخلافة، بدلاً من الدول القومية المصطنعة. ولا تحتاج دول الخليج إلى اتفاق دفاعي مع باكستان، بل إلى إطار أمني جماعي في صورة الخلافة، يوحّد قوتنا للتحرك ضد كيان يهود وإزالة وجوده السرطاني نهائياً. الدرس الثالث: ميزة الجغرافيا إن أعظم أصل استراتيجي لإيران هو جغرافيتها، وينطبق الأمر نفسه على البلاد الإسلامية الأوسع. حيث تقع إيران بجوار مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادةً جزء كبير من النفط والغاز الطبيعي المسال المتداول عالمياً. ومن خلال تهديد الملاحة وتعطيل تدفقات الطاقة، حوّلت إيران مواجهة عسكرية إقليمية إلى مشكلة اقتصادية عالمية. فقد انخفضت حركة المرور عبر المضيق بشدة، وغيّرت السفن مساراتها، وتفاعلت أسواق النفط مراراً مع مؤشرات التصعيد أو الدبلوماسية. وتركزت المحادثات الأخيرة التي شاركت فيها إيران وسلطنة عمان بدرجة كبيرة على ترتيبات الملاحة، بينما ربط الرئيس ترامب المفاوضات المحتملة بإعادة فتح الممر المائي. وهكذا أثبتت إيران كيف يمكن لقوة إقليمية أن تستخدم نقطة اختناق بحرية حيوية لفرض تكاليف على الولايات المتحدة تتجاوز بكثير ميدان المعركة المباشر. فالجغرافيا ورقة ضغط يمكن استخدامها لإخضاع أعدائنا. وتمتلك البلاد الإسلامية الأوسع عدة ممرات استراتيجية مهمة، منها مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، والمضائق التركية، والطرق البرية وطرق الطاقة الرئيسية التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. ويمكن لقيادة إسلامية مخلصة وواعية أن تحقق انتصارات دبلوماسية لصالح الإسلام والمسلمين من خلال استغلال الجغرافيا الاستراتيجية، وهو ما يفتقر الحكام الحاليون إلى الإرادة والرؤية للقيام به. الدرس الرابع: دروس من التاريخ الإسلامي يقدم التاريخ الإسلامي أمثلة على قادة عسكريين جمعوا بين الإيمان والشجاعة والإعداد والهدف السياسي. فقد عُرف خالد بن الوليد رضي الله عنه بالحركة والقدرة على التكيف في ميدان المعركة. وأدرك صلاح الدين أن الوحدة السياسية للأمة يجب أن تسبق النجاح العسكري المستدام. وواجه سيف الدين قطز تقدماً مغولياً بدا أنه لا يمكن إيقافه في عين جالوت. كما جمع السلطان محمد الثاني بين الطموح والهندسة والإمداد والاستخبارات والإعداد الدقيق قبل فتح القسطنطينية. ولا ينبغي اختزال هذه الإنجازات التاريخية في شعارات، كما يحدث في سياسات التعليم العسكري الحالية في بلادنا. فقد نجح هؤلاء القادة الأبطال لأن القناعة ساندتها الإدارة والتنظيم، والصبر، ووحدة القيادة، ومعرفة الخصم، وفوق كل ذلك الثقة الراسخة بالله ﷻ ونصره. وينبغي للقادة العسكريين المسلمين المخلصين اليوم أن يقتدوا بأبطالنا وأن يغيروا مجرى التاريخ كما فعل أسلافهم. لقد فشلت الولايات المتحدة وربيبها، كيان يهود، في إخضاع إيران، وتلقّتا في المقابل عقاباً عسكرياً. فإذا كان أعداؤنا عاجزين عن احتواء منطقة إسلامية قوية واحدة، فكيف سيواجهون جيوش باكستان وتركيا ودول الخليج ومصر وغيرها مجتمعة؟ والخلاصة: لقد كشفت حرب أمريكا على إيران ضعف أمريكا وغطرستها. والمهمة المطروحة الآن أمام أصحاب القرار في بلاد العرب والعجم، سواء في مصر أو السودان أو سوريا أو تونس أو تركيا أو إيران أو باكستان، ليست استبدال شكل من أشكال الهيمنة بآخر، بل بناء نظام إقليمي مستقل في ظل الخلافة، في وقت أصبح فيه أعداؤنا في أضعف حالاتهم. ويجب على القادة المسلمين المخلصين إدراك حدود القوى العظمى والإيمان بقوة المسلمين ومواردهم الهائلة. وعليهم ألا يعودوا يؤمنون بالفكرة المدمرة للدولة القومية التي لم تجلب للبلاد الإسلامية إلا الخراب والانقسام. كما يجب على العقل العسكري المسلم اعتماد إطار الإسلام والجهاد، وإزاحة المفاهيم الغربية الفاسدة للحرب والسياسة. لقد حان وقت الدفع المنسق النهائي لقلب النظام الأمني والاقتصادي والسياسي الإقليمي الموالي للغرب، وبدء عهد جديد من الانتصارات في ظل الخلافة. يا ضباط جيوش المسلمين: أعطوا النصرة لإقامة الخلافة الراشدة، التي ستوحّد الأمة الإسلامية كلها ومواردها الهائلة وجيوشها القوية في دولة عظيمة تحت قيادة خليفة واحد، يخوض الجهاد في سبيل الله ويهزم الكافرين. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير محمد سلجوق – ولاية باكستان
-
بسم الله الرحمن الرحيم بين ركام المنظومة الراهنة ونداء التاريخ أين تقف الأمة اليوم؟ يمر العالم اليوم بمرحلة مخاض استثنائية لم يعد يشك في تسارع أحداثها عاقل، ولم تعد الأزمات المنبثقة عن المنظومة الدولية المعاصرة حوادث عابرة أو مجرد كبوات دورية للرأسمالية بل إنها أعراض جلية لخلل هيكلي في الأساس الفكري والسياسي الذي بني عليه النظام العالمي. إن القراءة السطحية للأحداث تبقي المرء رزية التفاصيل الكثيرة، أما القراءة عميقة الأثر فهي التي تنفذ إلى جوهر الداء وتطرح الدواء بلا مواربة ولا استخذاء، حري بنا الوقوف أمام هذه المحطات لإنعام النظر: أولا: المشكلة البنيوية في النظام الرأسمالي: لقد عجز النظام العالمي الحالي عن تقديم إجابات شافية للأسئلة الأزلية التي تؤرق الإنسان؛ انحياز كلي لموازين القوى والنفعية المجردة على حساب الحق والعدل، أزمات اقتصادية متلاحقة وتكريس ثروات الأرض في يد فئة قليلة بينما ترزح الشعوب تحت عبء التضخم والغلاء والديون، وأزمات فكرية واجتماعية وتفكيك للروابط الفطرية للإنسان وترك الفرد في حالة من الضياع والتخبط الروحي، هذا الخواء لم يعد سرا يخفى بل بات حقيقة يعترف بها مفكرو الغرب قبل الشرق. ثانيا: الأمة الإسلامية وموقعها من معادلة الصراع: إن أمتنا الإسلامية ليست أمة هامشية في التاريخ ولن تكون. إن التحدي الحقيقي الذي يواجهها اليوم لا يكمن في نقص الموارد أو عجز الطاقات البشرية بل يكمن في الانفصام النكدي بين عقيدتها الحضارية وبين النظام السياسي المطبق عليها، لقد أثبتت العقود الماضية أن كافة المناهج المستوردة شرقية كانت أم غربية لم تزد الأمة إلا تشرذما وتبعية، وإن استعادة الأمة لمكانتها بين الأمم ليست حبرا على ورق ولا أمنية مجردة بل هي ضرورة تفرضها طبيعة الصراع الحضاري قائم الزاوية. ثالثا: مشروع النهضة، العمل على بصيرة: - إن قضية الأمة المصيرية لا تتطلب حلولا ترقيعية ولا مساومات في منتصف الطريق بل تتطلب رؤية استئنافية شاملة تعيد الحياة الإسلامية إلى واقع التطبيق، والارتكاز على المبدأ والبناء الفكري الصلب الذي لا يتأثر بتقلبات الواقع المؤقتة. - الوعي السياسي الشامل وكشف خطط القوى الكبرى وفضح الأدوات التي تستغل للسيطرة على مقدرات الشعوب. - صياغة البديل وتقديم المعالجة الإسلامية الشاملة لشتى مجالات الحياة؛ الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلاقات الدولية كبديل حضاري جاهز يبتغي رعاية شؤون الإنسان بالعدل. كلمة إلى كل ذي عقل وقلب سليم: إن اللحظات التاريخية الفاصلة لا تنتظر المتفرجين، وإن النداء اليوم موجه لكل فرد من أبناء هذه الأمة ولكل مفكر ولكل حريص على مستقبلها؛ إن امتلاك الرؤية الصافية والتمسك بالمبدأ هو أول طريق النهوض. إننا لا ندعو إلى مجرد التنظير الفكري بل إلى وعي سياسي عميق وعزيمة لا تلين وعمل مخلص يعيد للأمة سلطانها وللإنسان كرامته ليكون الإسلام كما كان دوما نورا يخرج البشرية من ظلمات الجهل والنفعية إلى عدل الحق ورحمته. كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير عبود الفقيه – ولاية اليمن
-
بسم الله الرحمن الرحيم ذهب الأسر... وبقي الأجر الحمد لله رب العالمين، خرج بحمد الله بقية إخواننا من سجون سلطات الحوثيين بعد أشهر من الاعتقال، وكان جرمهم أنهم حملوا نشرة سياسية، فضحت ترامب، وكشفت زيف ما سُمِّي بالسلام والهدنة، في الوقت الذي لم يتوقف فيه كيان يهود عن ارتكاب المجازر وسفك دماء أهلنا في غزة، رغم كل الإعلانات والاتفاقات. لقد أرادوا إسكات صوت الحق، وسجن الكلمة الصادقة، لأن النشرة كشفت حقيقة مشروع أمريكا، وعرَّت خدعة "السلام" التي لم تكن إلا غطاءً لاستمرار العدوان وتمكين الاحتلال من التقاط أنفاسه واستكمال جرائمه. واليوم يأتي الإفراج عن إخواننا في توقيتٍ تتداول فيه وسائل الإعلام أخباراً عن موافقة القيادة السياسية في حماس على ترتيبات تتعلق بتسليم السلاح وتفتيش المخازن والأنفاق، وهو تزامن يفتح باب التساؤل عن دلالاته السياسية. ولعل لسان الحال يقول: الآن يمكن أن يخرجوا، فقد خفتت الأصوات التي كانت تفضح ترامب ومشروعه، وسارت الأحداث في الاتجاه الذي أراده رعاة التسوية. لكن الحقيقة التي لن تتغير هي أن سجن الدعاة لن يحجب الحق، وأن الاعتقالات لن توقف حملة الدعوة، وأن كل من يقف في وجه كلمة الإسلام إنما يخدم - بقصد أو بغير قصد - مشاريع أعداء الأمة. فطوبى لإخواننا على صبرهم وثباتهم، ونسأل الله أن يتقبل منهم، وأن يجعل ما نالهم رفعةً في الدنيا والآخرة، وأن يعجل بنصر الإسلام، وإقامة دولته التي تقتلع نفوذ الكافرين من بلاد المسلمين، وتحرر فلسطين وسائر بلاد المسلمين من هيمنة المستعمرين. كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير عبد المحمود العامري – ولاية اليمن
-
بسم الله الرحمن الرحيم الشرق الأوسط الجديد... هل بدأت ملامحه؟ قد لا يكون ما يجري في المنطقة مجرد اتفاق بين ثلاث دول: السعودية وتركيا وباكستان، أو مجرد استجابة مؤقتة لاضطرابات أمنية عابرة. فحين ننظر إلى التحولات التي شهدتها المنطقة، وإلى الوضع الحالي، وإلى تبدّل موازين القوى، وانحسار نفوذ قوى وصعود أخرى، يصبح من المشروع أن نسأل: هل نحن أمام بداية إعادة صياغة للنظام الأمني في المنطقة؟ لقد كانت أمريكا، وما زالت، اللاعب الخارجي الأكثر تأثيراً في أمن المنطقة، وكانت تدير شبكة واسعة من التحالفات والعلاقات العسكرية والأمنية. لكنها، في الوقت نفسه، كانت تدرك أن استمرار الوضع الحالي في المنطقة لا يمكن أن يستمر، خصوصاً مع كثرة الأزمات التي حصلت، ومع احتمال صعود الصين إلى ميزان القوى الدولية؛ ذلك العملاق التجاري الذي قد يؤدي إلى خلل في ميزان القوى الحالي. وكذلك فإنها تدرك أن اعتماد المنطقة بصورة كاملة على القوى الأمريكية مكلف اقتصادياً وعسكرياً. ومن هنا ظهرت، على مدى سنوات، تصورات مختلفة لنظام أمني إقليمي، تتولى فيه دول المنطقة جانباً أكبر من مسؤولية أمنها، مع بقاء أمريكا صاحبة النفوذ والقدرة على التأثير في الاتجاه العام. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان باعتباره نواة محتملة لمنظومة أوسع، لا باعتباره محطة نهائية. فالسعودية تمتلك الثقل الاقتصادي، وتركيا تمتلك قوة عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة، وباكستان تمتلك جيشاً كبيراً وقدرات استراتيجية ونووية. وإذا أُضيف إلى هذه المنظومة ثقل مصر العسكري والبشري، فإننا نكون أمام كتلة إقليمية يصعب تجاهلها في أي ترتيبات أمنية مستقبلية. وقد يكون الهدف الأبعد هو الانتقال تدريجياً من تحالفات ثنائية إلى إطار أمني إقليمي مشترك، يمكن أن يتطور مع الزمن إلى ما يشبه مجلس أمن للشرق الأوسط؛ مجلس أمن ينسق السياسات الدفاعية مع أمريكا، ويصنع آليات للردع الجماعي، ويمنح دوراً أكبر لأمريكا في المنطقة. ومن هنا تظهر إيران بوصفها أحد أهم المتغيرات في هذه المعادلة. فخلال العقود الماضية، استطاعت بناء شبكة نفوذ واسعة عبر حلفائها وقوى مسلحة في العديد من دول المنطقة. وإذا كانت المرحلة الجديدة تهدف إلى إعادة رسم ميزان القوى، فإن تقليص قدرة طهران على استخدام هذه الشبكات للتأثير في محيطها سيكون هدفاً أساسياً، بعد أن أدت دورا كبيرا في خدمة مشاريع أمريكا. فأمريكا تحاول إعادة ترتيب المنطقة بطريقة تجعل حلفاءها الإقليميين أكثر قدرة على تحمّل مسؤولية الأمن، بينما تحتفظ هي بدور المظلة الاستراتيجية والقوة المؤثرة من الخارج. فالشرق الأوسط الجديد، وفق هذه القراءة، لا يعني رسم حدود الدول، وإنما إعادة رسم شبكة من التحالفات وموازين القوة بعيداً عن إيران. ويبقى السؤال الأكثر إثارة: هل يمكن أن يصل المسار في مرحلة لاحقة إلى كيان يهود لينضم إلى هذا التحالف؟ نعم، هذا الاحتمال هو أحد أهداف هذا المجلس؛ فإذا ما تحولت القضية من تحالف عسكري محدود إلى منظومة أمن إقليمية شاملة، فقد تظهر صيغ مختلفة من التعاون والتنسيق مع كيان يهود، خصوصاً مع وجود حكام عملاء لأمريكا في المنطقة، وبعد أن أصبحت مواجهة إيران واحتواء نفوذها هدفاً مشتركاً للعديد من القوى في المنطقة. وقد تكون هناك صيغة أخرى قد يدخل كيان يهود من خلالها إلى هذا الحلف، مثل التعاون الأمني وتبادل المعلومات، وترتيبات الدفاع الجوي، والتنسيق ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة، والشراكات في المجالات التكنولوجية والأمنية. لهذا تعمل واشنطن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الانتقال بالشرق الأوسط من مرحلة الفوضى وتعدد مراكز النفوذ إلى منظومة أمنية جديدة تكون فيها القوى الإقليمية من أدوات الردع الأساسية، بينما تبقى أمريكا صاحبة التأثير الأكبر في قواعد اللعبة. لذلك، قد يكون هذا الاتفاق الحجر الأول لبناء هذا المجلس الذي صاغت واشنطن قواعده وحددت خطوطه الحمراء. لذلك، قد نكون أمام شرق أوسط جديد أُعيد ترتيبه بما يوافق مصالح أمريكا وتوازن القوة الجديدة. وفي خضم هذه التحولات، يبقى السؤال موجّهاً إلى المسلمين: أين نحن من كل ما يجري؟ إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ليس أن يخطط الآخرون لمصالحهم، وإنما أن تكون الأمة غافلة عن مصالحها، فتتحول من صانع للأحداث إلى مجرد ساحة تجري فوقها الأحداث. لقد أعاد العالم ترتيب أوراقه مرات كثيرة، وكانت أمريكا والقوى الغربية تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره منطقة مصالح ونفوذ وتوازنات. واليوم، ومع تغيّر موازين القوى وإعادة تشكيل التحالفات وصعود قوى إقليمية جديدة، فإن المسلمين أمام لحظة تاريخية لا يجوز أن تمر عليهم مرور الكرام. فليس من المطلوب أن يعيش المسلمون أسرى نظرية المؤامرة، ولا أن يروا كل حدث مخططاً خفياً من أعدائهم، وإنما المطلوب أن يمتلكوا الوعي الذي يجعلهم قادرين على قراءة مصالحهم وفهم ما يجري حولهم. المسلمون ليسوا رقماً هامشياً في هذه المعادلة، بل هم ثقل المنطقة وعصا القبان فيها. فلو كان لهم كيان يجمعهم ويدافع عنهم، لما أصبحوا ينظرون إلى ما يخطط الآخرون لهم. لذلك، فإن المرحلة تحتاج إلى أمة تستفيق من سباتها وتلفظ حكامها النواطير الذين جثموا على صدرها لأكثر من مائة عام. إن القوة لا تُمنح، وإن المصالح لا تُهدى، وإن من لا يملك مشروعاً لمستقبله سيجد نفسه يعيش داخل مشاريع الآخرين. فالقضية ليست أن نخاف من مخططات الآخرين فحسب، وإنما أن نمتلك القوة والرؤية بما يجعلنا قادرين على إفشال ما يضرنا، وصناعة موقعنا في هذا العالم؛ موقعنا الذي بناه أجدادنا العظام حين كانت لهم دولة. فهل سيكون المسلمون جزءاً من الخطة التي ترسمها أمريكا، أم سيكونون هم من يملكون القدرة على رسم مستقبلهم؟ وهذا هو التحدي الحقيقي، فلا ينبغي أن نتأخر عنه. لقد بنى أسلافنا دولة وحضارة امتد أثرها قروناً. فلم يفعلوا ذلك بالأماني، وإنما بالقوة وتحمل المسؤولية. فإذا كان أولئك قد صنعوا لأنفسهم مكاناً بين الأمم، فإن من واجب الأجيال أن تستعيد القدرة على صناعة مكانتها، لا أن تعيش على أمجاد الماضي وتنتظر من أعداء الإسلام أن يحددوا لها مستقبلها. فالأمة الممزقة الضعيفة ليس لها أن تكون جزءاً من معادلة يصنعها الآخرون. فإما أن تستعيد الأمة مكانتها وقوتها وتصبح هي من ترسم مستقبل المنطقة، وإما أن تستمر في حالة التفرق والضعف. فالتاريخ لا يرحم الأمم التي تتأخر عن محطاتها الكبرى. وهذا الرائد الذي لا يكذب أهله قد نذر نفسه وشبابه للعمل لهذه المهمة العظيمة، فهو يدعوكم للعمل معه لاستعادة عرشكم المفقود، ويدعوكم لتستعيدوا وحدتكم، وتعودوا أمة فاعلة وصانعة للأحداث، لا مجرد متلقية لها. فهلمّ، أيها المسلمون، إلى سفينة النجاة... كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير مؤنس حميد – ولاية العراق
-
بسم الله الرحمن الرحيم من ينوب عن محمد ﷺ في الدفاع عن المسلمين؟ وصل نبأٌ لصلاح الدين أن القائد الفرنجي أرناط حاكم الكرك في فلسطين قام بقطع الطريق على الحجاج المسلمين، وقتل النساء والأطفال والشيوخ، وكان يقول: "قولوا لمحمدكم أن يدافع عنكم، اطلبوا منه"! وقدّر الله أن يفرّ رجل بنفسه حتى وصل إلى صلاح الدين وأخبره بما حدث. بعد سماع قول أرناط المتغطرس المتجبر، اعتزل صلاح الدين في بيته يبكي يومين كاملين، وهو يقول: "يا رب، هل تسمح لي أن أنوب عن رسولك محمد ﷺ في الدفاع عن أمتك؟"، ثم أعد جيشه وخطب فيهم: "يا جند محمد عليه الصلاة والسلام إن أرناط حاكم الكرك في فلسطين قد تجبر وعلا وقتل حجاج بيت الله الحرام، وسفك دماء الأطفال والنساء، وهو يقول: قولوا لمحمدكم أن يدافع عنكم! وأنا قد وهبت نفسي وروحي لأنوب عن محمد ﷺ في الدفاع عن أمته ولأقص رقبته، فمن أراد الذهاب معي فليلحقني". فقال جنده جميعاً بصوت واحد: "كلنا فداء لرسول الله"! وعندما دارت معركة حطين وانتصر فيها صلاح الدين، قال لأرناط الذي وقع في الأسر: "أنت الذي قلت: قولوا لمحمدكم أن يدافع عنكم؟" قال: نعم، فأجاب صلاح الدين: "وأنا العبد الفقير الذي تراه أمامك قد ناب عن رسول الله في الدفاع عن أمته، وسيقص رأسك"، ثم قصّ رأسه. واليوم نرى ونسمع تجبر كثيرٍ من أمثال أرناط، ولكن لا صلاح الدين يقف نصرةً وذوداً عن المسلمين! أهلنا في غزة يُبادون، وفي الضفة يُهجّرون، وإخواننا الأويغور يُسلخون عن عقيدتهم الإسلامية كل يوم، والسودان يُنكّل بأهله ويُمزّق، وسوريا سُلِّط عليها من يتاجر بثورتها وتضحيات أهلها الشرفاء، وكل رقعة على وجه الأرض فيها مسلمون لا تخلو من معاناة وجراح وضنك عيش... هكذا هو حال المسلمين منذ هُدمت خلافتهم وغاب سلطان الإسلام عن حياتهم؛ تكالب عليهم الأعداء وأمَّروا عليهم رويبضاتٍ سفهاء ملّكوهم رقاب المسلمين مقابل كراسي معوجة، وجعلوا علماءهم من طينة الحكام؛ شياطين خرس. إن الأمة الإسلامية في محنة عظيمة، وعِظَمُ المنحة من عِظَمِ المحنة بإذن الله، فلا نرى انجلاءً لهذا الكرب إلا بدولة الخلافة، وبخليفةٍ وقائدٍ ربانيٍّ ينسي الكفار المتجبرين ومعاولهم وساوس الشيطان. يا جيوش المسلمين: من يكون الحصن المنيع والركن الشديد لهذه الأمة المكلومة؟ يا أحفاد صلاح الدين، من ينوب عن محمد ﷺ ويدافع عن المسلمين؟ يا أحفاد الفاتحين، من يكسر الأصفاد ويحرر البلاد والعباد من قبضة الطغاة؟ إن حزب التحرير يناديكم ويستنهض هممكم لتنصروه، فتنفضوا عن الأمة غبار العقود العجاف، وتقلبوا الذل عِزّاً، وتكتبوا بأيديكم فجر النصر والتمكين... فلبوا النداء والتحقوا بركب العاملين المخلصين لإعلاء كلمة الحق والدين، فتنالوا شرف تحرير أمتكم بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فهو والله فرض الوقت وواجب الساعة. ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير ابتهال أم عطاء
-
مقال صراع النفوذ وهندسة الشرق الأوسط: قراءة خارج الصندوق
موضوع تمت اضافته الناقد الإعلامي 2 في مقالات وتحليلات
بسم الله الرحمن الرحيم صراع النفوذ وهندسة الشرق الأوسط: قراءة خارج الصندوق جميلٌ أن يُفكّر الإنسان خارج الصندوق، مع أن ما في داخله هو الأساس الذي بُني عليه التحليل خارجه. فالمشاريع القائمة اليوم بُنيت في أصلها على هندسة الشرق الأوسط الجديد وإعادة صياغته لتحقيق أهدافٍ كبرى، وذلك بالنظر لموقع الشرق الأوسط وأهميته الاستراتيجية وخطورته. إن الشرق الأوسط هو بوابة السيطرة العالمية؛ فمن يُحكِم قبضته عليه يُحكِم قبضته على خِناق العالم، ولا سيما دوله الكبرى والعظمى. إن العالم يختزل أنفاسه في هذه الجغرافيا صغيرة المساحة، العظيمة المكانة؛ ففيها تلتقي القارات جغرافياً ومائيا (آسيا، وأفريقيا، وأوروبا، والأمريكتان)، ولا يمكن لدول العالم قاطبةً الاستغناء عن مواردها الطبيعية التي حباها الله، ولا عن طقسها المتفردة به عالميا، ولا عن ممراتها البرية ومضائقها المائية وجغرافيتها التي تختصر المسافات. كما لا يمكن للعالم إغفال أهميتها الدينية؛ فهي مهد الرسالات ومنطلق خاتمتها السماوية التي أناط الله بها إدارة المشهد العالمي منذ نزولها، ولا يزال هذا الدور قائماً تتغافل القوى السياسية عن التطرق إليه للتعمية والتضليل، وذرّ الرماد في العيون حتى لا يتنبه أصحاب القضية الكبرى لأهميته وخطورته. وبالتالي، فإن حزب التحرير حينما قال كلمته بشأن الصراع ووضَع النقاط على الحروف جعل ذلك قاعدةً مهمة، وهي إخراج إيران من دائرة الفلك إلى دائرة التبعية المطلقة لأمريكا؛ لكي يتم البناء عليه، وهو ما يدفع المفكرين للتفكير خارج الصندوق، لماذا لم تُخرج أمريكا إيران من دائرة الفلك إلى دائرة العمالة المباشرة؟ أم أن أمريكا بهذه الأفعال تُهندس المنطقة بحيث تُحيل إدارتها ظاهرياً لقوى سياسية - ومن ضمنها إيران - مع انكفائها هي ظاهرياً، لتظل المنطقة تحت قبضتها عبر الوكلاء؟ وبالتالي، فإن حزب التحرير حينما قال كلمته بشأن الصراع ووضع النقاط على الحروف، جعل ذلك قاعدةً مهمة؛ وهي أن سعي أمريكا لإخراج إيران من دائرة الفلك إلى دائرة التبعية المطلقة يأتي لأهداف معينة تريدها واشنطن للبناء عليها، وهو ما دفع المفكرين للتفكير خارج الصندوق: لماذا لم تستطع أمريكا - حتى الآن - إخراج إيران من دائرة الفلك إلى دائرة العمالة المباشرة؟ هل يعود ذلك لوجود قوى دولية أخرى تصارع أمريكا بالخفاء، أم أن أمريكا عجزت فعلاً عن تحقيق أهدافها وهو ما تؤكده الوقائع على الأرض؟ ولو قُدّر لأمريكا تحقيق ما تريده، فهل ستبقى إيران مهمشة بلا دور كما كانت تخدم أمريكا سابقاً (خاصة في المنطقة الشرقية وفيما يتعلق بالصين تحديداً)، أم ستُبقي أمريكا المنطقة تحت إدارة وكلاء آخرين كتركيا والسعودية ومصر لتحقيق استراتيجيتها، بعد فشل الوكيل الإيراني في المنطقة ومعارضة كيان يهود له؟ وهل ستسمح القوى الدولية المتضررة من هذه الهندسة وتترك الساحة لواشنطن تلعب بها كما تشاء وتُصمّمها وفق مصالحها؟ أم أن هذه الدول ستنخرط في الصراع حتى لو وصل إلى حدّ الاشتباك المباشر، كون القضية مسألة حياة أو موت؟ وأين دور أصحاب الأرض وأهلها وما يجب عليهم فعله؟ وما المعوّق أمام هذه الشعوب لتكون لها الكلمة الفصل في هذا الصراع العابر للحدود والمدمر للوجود؟ أين أهل الحل والعقد، وأهل الرأي والحِجى من كل هذا؟ ولماذا الاستكانة لهذا العدوان الصارخ المستنزِف للموارد البشرية والمادية، والمستهدف للحمة المجتمعية وعقيدة الأمة ودينها؟ أليس في هذه الأمة رجلٌ رشيد؟ إن الهدف من هذه الحرب يتجاوز الأهداف الظاهرة إلى هدفٍ أسمى (بمنظور صُنّاعها)؛ وهو إجهاض مشروع الأمة الجامع، والمانع لأعدائها من أن يطؤوا أرضها إلا بإذنها وشروطها وقواعدها التي سنّها ديننا الحنيف، والمتمثل في الخلافة الجامعة لهذه الأمة المليارية، التي يُعوَّل عليها في القضاء على المبدأ الرأسمالي وقيمه الفاسدة، وإنقاذ البشرية من هذا السرطان الفاسد والمفسد لكل شيء. فالأمة الإسلامية مكلفةٌ تكليفاً شرعياً بالقضاء على الفساد والمفسدين، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. فإن العمل لإقامة الخلافة على منهاج النبوة ليس ندباً ولا هو مشروع من جملة المشاريع التخيُّريّة، بل هو مشروعٌ واجب العمل به فوراً وحصراً، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير سالم أبو سبيتان -
مقال أحداث مدينة كاودا وعلاقتها بترتيبات فصل دارفور
موضوع تمت اضافته الناقد الإعلامي 2 في مقالات وتحليلات
بسم الله الرحمن الرحيم أحداث مدينة كاودا وعلاقتها بترتيبات فصل دارفور تشهد مدينة كاودا بولاية جنوب كردفان، موجة نزوح واسعة، إثر اشتباكات دامية اندلعت بين مجموعات من قبيلة الأطورو، وعناصر من الجيش الشعبي، أدت إلى حالة من الذعر وسط السكان وفرار أعداد كبيرة من الناس إلى المناطق الجبلية والكهوف المجاورة (وكالات). إن مدينة كاودا هي عاصمة الحركة الشعبية-شمال، فهي المركز العسكري والمدني لقوات الحركة الشعبية حيث تم تجهيزها بصورتها الحالية عقب توقيع اتفاقية بيرغنستوك في سويسرا عام 2002م، بين الحكومة السودانية، والجيش الشعبي لتحرير السودان، برعاية سويسرا وأمريكا. وتتميز كاودا بأنها منطقة جبلية ومحمية طبيعية بسبب سلسلة جبال المورو، التي تحيط بها من جميع الجهات، وتتكون المدينة من منطقتين رئيسيتين حسب القبائل التي تسكنها، فهناك كودي العلوية وتسكنها قبيلة الأطورو بفروعها الخمسة، وكودي السفلية التي تسكنها قبيلة التيرا بفروعها الأربعة، بالإضافة إلى قبائل أخرى تشاطرها المسكن. ليست هذه هي المرة الأولى، فقد تعرضت المدينة لصراعات دموية عنيفة متكررة، ففي آذار/مارس الماضي صنفت الحركة الشعبية قيادات تنتمي إلى قبيلة الأطورو، رفضت إجراءات الترسيم، بأنها متمردة. وفي الثامن من أيار/مايو الماضي، أعلنت شبكة أطباء السودان، مقتل أكثر من 61 شخصاً بينهم 9 أطفال و5 نساء، في اشتباكات على مدار أسبوعين، بين الحركة الشعبية-شمال وقبيلة الأطورو، وأقرت الحركة الشعبية بشن عمليات عسكرية في مناطق تقطنها قبيلة الأطورو بحجة ملاحقة عناصر متمردة. فهذه المدينة تتعرض لاشتباكات عنيفة بين الحين والآخر. ويذكر أن مجموعة الأطورو فرضت حصاراً على المنطقة منذ 30 تموز/يوليو الماضي، مطالبةً الجيش الشعبي بالانسحاب وإخلاء المنطقة، إلا أن قادة الجيش الشعبي رفضوا تلك المطالب، فاندلعت اشتباكات في أحياء كودي والإرسالية وكجو، بين مجموعات مسلحة من قبيلة الأطورو، وعناصر تتبع للجيش الشعبي، وسط استخدام مكثف للأسلحة، دفعت السكان إلى مغادرة المدينة بحثاً عن ملاذات آمنة! لا يستبعد أن تكون أمريكا وراء هذه الاشتباكات، فهي التي أشعلت حرب السودان، وتتلاعب بساحات المعارك، فتشعل حرباً هنا، وتطفئها هناك، وتسمح بخلق التوترات، وتقدم مقترحات تخدم خطتها في السودان، ففي رد حكومة البرهان على ورقتها، التي قدمها مسعد بولس، تضمّن (انسحاب قوات الدعم السريع من المدن وتجميعها في مواقع محددة عبر ثلاث مراحل)، وتم تحديد مدينة كاودا ضمن أماكن التجمع باعتبارها معقل الحركة الشعبية-شمال، المتحالفة مع الدعم السريع. لماذا كاودا؟ فالحكومة ترى أن ذلك سيكون مقبولاً من قيادة الحركة الشعبية، عبد العزيز الحلو، بحكم تحالف نيروبي، وكون الحلو نائباً لحميدتي في حكومة تأسيس، لذلك فإن اختيار البرهان لمنطقة كاودا كإحدى نقاط تجمع قوات الدعم السريع المنتشرة في كردفان، حسب ورقة أمريكا، لم يكن مجرد رأي سطحي، بل لأن كاودا تقع على التخوم الممتدة، والمسارات بين أقاليم كردفان ودارفور ودويلة جنوب السودان التي تلعب دوراً محورياً في تزويد الدعم السريع بالوقود والسلاح والرجال. فإن مقترح تجميع قوات الدعم السريع في كاودا، هو بمثابة حماية ظهرها من هذه الجهة لتثبيت دويلة دارفور، التي تعمل أمريكا على تأسيسها، ويمكن القول بأن مقترح البرهان هو تهيئة تدريجية لاستكمال فصل دارفور، إذا رأت أمريكا تجميع بعض قوات الدعم السريع في كاودا. إلا أن القبائل هناك على عداوة تاريخية مع قوات الدعم السريع، ومن المتوقع رفض وجودها في ديارهم، ما يعني مزيداً من التعقيد، فبحسب راديو دبنقا في 11 كانون الأول/ديسمبر 2025م، أصدر تحالف قوى جبال النوبة المدنية بياناً أكدت فيه (إبعاد قوات الدعم السريع بشكل كامل من إقليم جبال النوبة ورفض أبناء المنطقة لوجود الجنجويد بأي شكل). لذلك فمن المتوقع استمرار الصراعات في هذه المنطقة، وفي المناطق الأخرى، المتاخمة لدارفور، وبقية أقاليم السودان، لينشغل الناس بها، وأن هذا الاقتتال في كاودا وفي غيرها، سيستمر إلى حد ما، لتتأكد سيطرة الدعم السريع على كامل دارفور، وإبعاد الاشتباكات عن محيطها، وهو عمل متعمد لتعقيد المشهد، وإيجاد مبررات لاستمرار الحرب بأي ثمن، وفي أي منطقة، المهم أن تكون المعارك خارج دارفور!! وكل ذلك من أجل الوصول إلى نتيجة فحواها حماية دارفور ثم فصلها، بعد أن تكتمل مؤسسات دويلة تأسيس، وتنضج الطبخة الأمريكية المعدة لفصل دارفور عن السودان. أما الحل، فليس في انتظار أمريكا وأوراقها الملغومة، ومقترحات عملائها، بل الحل الجذري هو في إقامة نظام الإسلام الذي يوقف تدفق دماء الأبرياء، ويمنع تمزيق البلاد حتى لو مات في سبيل ذلك الملايين! كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير يعقوب إبراهيم – ولاية السودان -
بسم الله الرحمن الرحيم أكذوبة هدنة أمريكا الإنسانية في السودان اقترحت أمريكا هدنة إنسانية فورية لمدة 90 يوماً، تتيح وصول المساعدات الإنسانية، وتعزز حماية المدنيين، وتمهد الطريق لمفاوضات تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، يعقبه انتقال سياسي تقوده سلطة مدنية وصولا لإجراء انتخابات، بحسب رويترز في 11/07/2026م. فماذا تعنى هدنة إنسانية؟! وهل لدى أمريكا إنسانية أو قيم إنسانية؟! وما علاقة إعلانها لهذه الهدنة في صراعها مع أوروبا التي تعمل لإزاحة عملائها في السودان؟ وما هي النظرة المبدئية الصحيحة لها؟ الهدنة في اللغة السكون، وهدن يهدن هدونا سكن، وهادنه صالحه. وفي لسان العرب الهدنة تعني المصالحة بعد الحرب وأصل الهدنة المصالحة بعد الهيج. أما في القانون الدولي فهو اتفاق رسمي بين أطراف النزاع على وقف العمليات الحربية مؤقتاً، فهي لا تنهي حالة الحرب قانوناً، بل تتعلق بالقتال فقط. فقد مرت أكثر من ثلاثة أسابيع على إعلان الهدنة، ولم يتفق الجيش أو قوات الدعم السريع على وقف إطلاق النار، ولم تلزمهم أمريكا بذلك لتمرير المساعدات، حسب زعم أمريكا، فلو كان قصد أمريكا إيصال المساعدات الإنسانية لألزمت الطرفين المتحاربين بذلك، ولسمحت بوصول الغذاء والدواء للمحتاجين، وأمريكا لا تعرف في قاموسها السياسي أو المبدئي مفهوم الإنسانية، فهي لا تعرف غير القيم المادية وكل ما تدعيه من إنسانية هو كذب وتضليل وهراء، وبدلا من إسكات صوت الرصاص زادت المعارك حدة على محور شمال كردفان، وتبعتها انسحابات للدعم السريع، وانتشار للجيش، وتم تحرير بارا وجبرة الشيخ، وفتح طريق الصادرات الرابط بين أم درمان والأبيض. وزار البرهان رئيس مجلس السيادة تلك المناطق ليرفع أسهمه، ويصور للناس انتصار الجيش، ودحره المتمردين، فلا واقع لهذه الهدنة الأمريكية المسماة إنسانية على أرض الواقع، والحقيقة أن ما تهدف أمريكا من إعلانها للهدنة، هو إبعاد أوروبا وتعطيل حلولها السياسية، فأوروبا وعلى رأسها بريطانيا تريد حلاً سياسياً وليس هدنة موقتة، فقد نقلت قناة الشرق للأخبار في 9/6/2026 عن السفارة البريطانية لدى السودان (لا يمكن أن يكون هنالك حل عسكري في البلاد، والمملكة المتحدة وشركاؤها تقف موحدة في دعمها للسودان، ويجب أن يستند السلام الدائم لعملية سياسية شاملة بقيادة مدنية). وقد صرح عبد الله حمدوك رئيس وزراء السودان السابق قائلا (أي هدنة إنسانية لا يصحبها مسار سياسي سلاح ذو حدين يكرس حال تقسيم البلد)!! فبريطانيا لا تريد هدنة إنسانية تنحصر في المساعدات وإيصال المؤن والغذاء، وإنما تهدف لجر الطرفين لحل سياسي يضمن إدخال رجلها فيه، يرسم المستقبل السياسي للسودان، وقد صرحت بذلك كاجا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية السياسية والأمنية لقناة الشرق قائلة: (شاركت في رئاسة مؤتمر برلين حول مستقبل البلاد السياسي وركزنا خلاله على إحياء محادثات السلام). إن الدول الأوروبية تصارع أمريكا، وتعمل لإزاحة عملائها من قادة العسكر وقوات الدعم السريع، فتارة تشهر بهم في المحافل الدولية وتظهرهم بمظهر المجرمين، وتارة أخرى تفرض عليهم عقوبات دولية مثل حظر بريطانيا لتصدير الذهب السوداني للخارج، بحجة أنه يستخدم في تمويل الحرب وقتل المدنيين، وتعقد مؤتمرات دولية لهذا الغرض، وأمريكا تتدخل وتبعد عن عملائها تأثير تلك العقوبات، فقد حمت عميلها البشير من قبل رغم أنه كان مطلوباً لدى الجنائية الدولية التي تطاردها أمريكا، وقد أعلنت الخارجية الأمريكية في 13/07/2026م، (عن حملة واسعة النطاق لتفكيك وإزالة التهديد الذي تشكله المحكمة الجنائية الدولية على سيادة الولايات المتحدة). والسؤال الذي يرد هل صحيح أن هذه الهدنة الأمريكية المسماة إنسانية، تمهد الطريق لمفاوضات بين الأطراف المتحاربة تفضي لوقف دائم لإطلاق النار، يعقبه انتقال سياسي تقوده سلطة مدنية لإجراء انتخابات، أم أن ذلك من باب الاستهلاك السياسي؟ والمتتبع لخطة أمريكا في السودان، أنها وحدها تمسك بالملف ولا تأثير يذكر للدول الأوروبية، ولا للمنظمات الدولية، وليس في نيتها جمع الطرفين لمفاوضات تنهي الحرب قبل أن يكتمل جنين دولة دارفور، التي تسعى لفصلها، كما فعلت من قبل في فصل جنوب السودان، وقبل أن تقضي على الأذرع العسكرية المحسوبة على الدول الأوروبية، وكذلك القضاء على عملائهم المدنيين، وبذا تخلو لأمريكا الساحة، فلا مسيرات ولا مظاهرات ولا مطالبة محاكمات، فمن المستبعد أن تجري أمريكا انتخابات تزيح العسكر من الحكم، وإن اضطرت لذلك فسوف يخلع أحد العسكر البزة العسكرية ويلبس عباءة مدنية، ويكون هو الحاكم المنتخب، تماما كما فعلت في مصر، وقد تعالت بعض الأصوات لانتخاب البرهان رئيساً لعشر سنوات. إنه لمن المحزن أن تتلاعب بنا أمريكا باسم الهدنة الإنسانية والحلول السياسية، ونرهن قضايانا ومشاكلنا لها! فمن يملك إبعادها عن تأثير المشهد في السودان؟ إن الشعب قادر إذا أعطى قيادته لحزب سياسي واعٍ على أمريكا وألاعيبها وخططها، ووقف صفا واحدا كالبنيان المرصوص، حينها لا تستطيع أمريكا أن تهزم شعباً يسير خلف قيادة واعية، ويكتمل ذلك إذا التحمت القوى العسكرية وهي الجيش، خلف هذه القيادة السياسية، فالشعب والجيش والحزب على قلب رجل واحد، وهذا ما يعمل له حزب التحرير؛ لتحرير البلاد الإسلامية كلها، بل والعالم، من أي نفوذ لأمريكا وأوروبا، وذلك بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير الدكتور أحمد عبد الفضيل عضو مجلس حزب التحرير في ولاية السودان
-
بسم الله الرحمن الرحيم في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية كيف يمكن لأوزبيكستان تحقيق الاستقلال في مجالي الطاقة والجيوسياسة؟ لم يقتصر أثر الحرب التي شنتها أمريكا على إيران على الشرق الأوسط فحسب، بل أثرت على أسواق الطاقة العالمية، وممرات النقل، والتوازن الجيوسياسي، ما أجبر دول آسيا الوسطى أيضاً على التكيف مع هذه الظروف الجديدة. وبالنسبة لأوزبيكستان، وهي دولة حبيسة لا تطل على بحار، لا تُعد إيران مجرد دولة مجاورة، بل هي دولة ترانزيت حيوية تتيح لها الوصول إلى الخليج العربي والمحيط الهندي. ولذلك، فإن أي عدم استقرار حول إيران يؤثر بشكل مباشر على السياسة الخارجية لأوزبيكستان، وتجارتها الخارجية، وأمن طاقتها. وحتى الآن، لم يحدث تحول حاد في السياسة الخارجية لأوزبيكستان. ولكن الأحداث الأخيرة أظهرت للمرة الثانية أن مجرد الحفاظ على التوازن في السياسة الخارجية ليس كافياً للبلاد، بل من الضروري - قبل كل شيء - تعزيز الاستقلال في مجالي الطاقة والاقتصاد. والمجال الأكثر أهمية في هذا الصدد هو الطاقة. ورغم أن أوزبيكستان دولة منتجة للنفط والغاز جزئياً، إلا أنها تغطي جزءاً من احتياجاتها المحلية عبر استيراد البنزين والديزل. في الوقت نفسه، تظل أسعار الوقود في السوق المحلية مرتفعة مع استمرار النقص. ومن هذا المنظور، قد يفتح التعاون الاقتصادي مع إيران فرصاً معينة لأوزبيكستان. وبفضل الدعم الحكومي، تُعد إيران واحدة من أرخص دول العالم في أسعار الوقود للسوق المحلية. وبالطبع، وبسبب أسعار التصدير وتكاليف النقل والعقوبات الدولية، لا يمكن تطبيق هذه الأسعار بشكل مباشر على أوزبيكستان. ومع ذلك، فإن العلاقات الاقتصادية المستقرة مع إيران يمكن أن تخدم تنويع إمدادات الوقود وتعزيز أمن الطاقة. وهناك جانب مهم آخر هنا؛ فحتى الهند تفاوضت مع الولايات المتحدة للحفاظ على إمكانية الوصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى عبر ميناء شابهار الإيراني، وحصلت واشنطن منها على استثناء مؤقت من العقوبات. وهذا الوضع يظهر أن ممرات النقل المارة عبر إيران لم تفقد أهميتها حتى في ظل التنافس الجيوسياسي. لقد أثبتت الحرب مرة أخرى الأهمية الحاسمة لمضيق هرمز بالنسبة للطاقة العالمية. كما أن تقلبات أسعار النفط والهجمات على البنية التحتية النفطية في روسيا أثرت أيضاً على سوق آسيا الوسطى. وعلى وجه الخصوص، في تموز/يوليو 2026، أدى هجوم الطائرات المسيرة الأوكرانية على مصفاة أومسك للنفط إلى زيادة الضغط على لوجستيات الوقود الروسية. وقبل ذلك، أثرت الهجمات على محطة CPC في نوفوروسيسك بشكل جدي على صادرات النفط الكازاخستانية. وقد كشفت هذه الأحداث عن حقيقة واحدة: لا ينبغي لدول المنطقة أن تظل شديدة الاعتماد على ممر نقل واحد أو مصدر إمداد واحد. وبالتوازي مع هذه العملية، تتحول آسيا الوسطى إلى ساحة أكثر أهمية للتنافس بين الدول الكبرى. إذ تسعى روسيا للحفاظ على نفوذها في مجالي الأمن والطاقة بالمنطقة. وبالنسبة لموسكو، لا تمثل آسيا الوسطى مجرد سوق تصدير، بل هي حزام أمني جنوبي وجزء حيوي للحفاظ على مكانتها الجيوسياسية في أوراسيا. أما الصين، فتكثف اهتمامها بممرات النقل البديلة في إطار مبادرة "الحزام والطريق". في الوقت نفسه، تحاول الشركات الأمريكية والبريطانية توسيع وجودها في مجالات النفط والغاز والتعدين والنقل. وهذا الوضع قد يمنح أوزبيكستان فرصة لجذب الاستثمارات والتكنولوجيا. ومع ذلك، يجب أن تعلو مصلحة البلد في القطاعات الاستراتيجية على أي مكاسب اقتصادية قصيرة المدى. ولكن في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي، فإن المسار الأكثر صواباً لأوزبيكستان ليس استبدال قوة خارجية بأخرى، بل صياغة استراتيجية مستقلة قائمة على مصلحة البلاد: أولاً: يجب على دول آسيا الوسطى أن ترتقي بالتعاون المتبادل إلى مستوى جديد. فبدل انتظار الحلول من الدول الخارجية في القضايا الاستراتيجية مثل الطاقة، والموارد المائية، والنقل، والأمن، والتجارة الخارجية، فإن تبني أوزبيكستان وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان لسياسة منسقة قائمة على المصالح المشتركة من شأنه أن يعزز استقرار المنطقة. وهذا ليس كتلة سياسية ضد أي دولة، بل يخدم تعزيز موقف آسيا الوسطى في المفاوضات. ثانياً: لا ينبغي أن يقتصر ضمان أمن الطاقة على البحث عن مصادر استيراد جديدة فحسب. فإذا قامت أوزبيكستان بتطبيق الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على نطاق واسع في قطاع السكان والمرافق المجتمعية والبنية التحتية الخدمية، فستتاح الفرصة لتقليل جزء من الاستهلاك المحلي للغاز. ونتيجة لذلك، يمكن توجيه كميات الغاز المحررة إلى القطاعات الصناعية، أو الإنتاج ذي القيمة المضافة العالية، أو التصدير. وهذا سيعزز كفاءة الطاقة والاستقرار الاقتصادي في البلاد. ثالثاً: إن إعادة الهيكلة التي بدأت في قطاع الطاقة لا ينبغي أن تقتصر على تغيير الإدارة فحسب. بل يجب أن يكون الهدف الأساسي هو تطوير القدرات العلمية المحلية، وتدريب المهندسين والتكنولوجيين، وتحقيق الاستقلال التكنولوجي في صناعة النفط والغاز. وإذا تم استقدام خبراء أجانب، فيجب أن تكون مهمتهم نقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الكوادر المحلية، وليس القيام بالعمل بأنفسهم. أما الهدف طويل الأمد فهو نقل سلسلة استخراج النفط والغاز وتكريرهما وإنتاج المنتجات ذات القيمة المضافة العالية إلى كاهل المتخصصين المحليين. رابعاً: يجب أن تكون مصلحة البلد هي الأولوية في إدارة الثروات الطبيعية. ففي الدستور الكازاخستاني، تم النص بشكل خاص على أن الأرض وما تحتها والمياه والثروات الطبيعية الأخرى هي ملك للشعب. ويجب على أوزبيكستان أيضاً تعزيز الضمانات القانونية التي تقوي مصلحة البلد في إدارة الثروات الباطنية الاستراتيجية، وبعبارة أخرى، عدم السماح بخصخصة الثروات الطبيعية بأي حال من الأحوال. وفي الوقت نفسه، لا يكفي مجرد جذب الاستثمارات الأجنبية، بل يجب أن يكون نقل التكنولوجيا، وتدريب الكوادر المحلية، وتنظيم الإنتاج ذي القيمة المضافة العالية داخل البلاد شروطاً أساسية في أي مشروع ضخم. وإلا، فقد تظل البلاد اقتصاداً مصدّراً للثروات الطبيعية ولكنه تابع للتكنولوجيا. وخلاصة القول، لقد أعطت الحرب الأمريكية الإيرانية أكبر درس لأوزبيكستان: الخطر الحقيقي ليس في المنافسة الخارجية ذاتها، بل في التبعية الاقتصادية والتكنولوجية الداخلية. إن الاستقلال في مجال الطاقة، والتعاون الإقليمي، والكوادر المحلية، وإدارة الثروات الطبيعية بناءً على مصلحة الشعب هي الركائز الأساسية للتنمية المستدامة للبلاد. يقول الله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ تذكّر هذه الآية المسلمين بضرورة السعي لبناء حوكمة عادلة قائمة على إمكانياتهم الخاصة، ومتخصصيهم، وشريعة الله، دون التبعية للقوى الخارجية. إن السياسة المستقلة الحقيقية للدولة المسلمة لا تكمن في الميل من قوة خارجية إلى أخرى، بل في امتلاك الجرأة على اتخاذ القرارات الاقتصادية والسياسية والمتعلقة بالطاقة بشكل مستقل بناءً على أحكام الله، وفي إقامة الحكم العادل. إن القوة الحقيقية للدولة لا تكمن فقط في الحفاظ على التوازن بين القوى الخارجية، بل في تحديد أن نظام الإسلام القائم على الحلال والحرام ومصلحة الأمة يعلوان على سياسة أي دولة. وحينئذ فقط ينشأ مجتمع مستقر بحق. كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير إسلام أبو خليل – أوزبيكستان
-
بسم الله الرحمن الرحيم بين القرار المستقل والانجرار خلف واشنطن كلما دخلت أمريكا أزمةً في الشرق الأوسط، سارعت إلى استدعاء حلفائها العرب، لا لتشاركهم صنع القرار، بل لتوزع عليهم أدوارهم. وهذه قاعدة تكررت في محطات كثيرة، حتى لم يعد السؤال: ماذا تريد الدول العربية؟ بل: ماذا تريد أمريكا من الدول العربية؟ وفي خضم التصعيد مع إيران، تبدو الإدارة الأمريكية بحاجة إلى غطاء سياسي وإقليمي يخفف عنها كلفة المواجهة مع إيران. فهي تدرك أن الحرب إذا اتسعت، فلن تبقى بين أمريكا وكيان يهود من جهة، وإيران من جهة أخرى، بل ستطال أمن المنطقة واقتصادها واستقرارها. لذلك تتحرك باتجاه العواصم العربية طلباً للدعم والتنسيق، بعد أن أصبحت مفاتيح التصعيد أكثر تعقيداً مما كانت عليه. ومما يثير الأسى أن الحكام العرب، في نظر منتقديهم، لا يتعاملون مع هذه الأزمات من منطلق مشروع مستقل، بل من منطلق الحفاظ على التحالفات مع أمريكا، حتى وإن تعارض ذلك مع أولويات شعوبهم أو مع مصالح الأمة على المدى البعيد. فبدلاً من أن يكونوا أصحاب مبادرة، يتحولون إلى جزء من ترتيبات تُصاغ خارج المنطقة، ثم يُطلب منهم تنفيذها أو توفير الغطاء لها! إن الأمة التي تملك من الثروات، والموقع الجغرافي، والموارد البشرية، ما يؤهلها لأن تكون شريكاً في صناعة القرار، لا يليق بها أن تبقى في موضع المتلقي. فالسيادة ليست شعاراً يُرفع في الخطب، وإنما هي موقف يُختبر عندما تتعارض الإرادة مع ضغوط القوى الكبرى. إن التاريخ لا يرحم الذين يربطون مصير أوطانهم بإرادة الخارج. فالتحالفات قد تتغير، والمصالح قد تتبدل، أما الشعوب فتبقى هي التي تتحمل نتائج القرارات المذلة. والدول التي لا تبني قراراتها على مصالحها، ستجد نفسها دائماً تدفع ثمن انجرارها خلف المشاريع الغربية، وتسدد فاتورة سياسات لم تصنعها. إن المنطقة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الاصطفافات التي تفرضها أمريكا، بل إلى إرادة سياسية مستقلة تجعل مصلحة الأمة فوق كل اعتبار، وتدرك أن احترام العالم لا يُمنح لمن يكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه، وإنما لمن يمتلك قراره ويعرف كيف يدافع عن مصالحه. وهنا تكمن المأساة؛ فالأمة التي كانت يوماً تصنع موازين القوى، أصبحت اليوم تنتظر ما يُرسم لها من الدول الاستعمارية، ليس لأن المسلمين فقدوا ثرواتهم أو موقعهم الجغرافي، بل لأنهم فقدوا الكيان الجامع لوحدتهم. أما اليوم، وقد تمزقت دولتهم، وتفرق سلطانهم، وغاب كيانهم الجامع، فقد تحولت دولهم إلى كيانات هزيلة تتحرك في ظل إرادة الغرب. وسيبقى هذا الواقع ما دام القرار السياسي أسيراً للتبعية، حتى تستعيد الأمة كيانها الذي يجعلها صاحبة الكلمة، لا مجرد صدى لكلمات الآخرين. ولن يتغير هذا الواقع إلا يوم تستعيد الأمة كيانها السياسي الذي يوحد إرادتها، ويعيد إليها مكانتها بين الأمم. كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير مؤنس حميد – ولاية العراق
-
بسم الله الرحمن الرحيم كارثة التعليم في الهند حصاد النظام الرأسمالي العلماني المحتوم الاحتجاجات الطلابية على مستوى البلاد ضد حكومة حزب بهارتيا جاناتا تعكس الفشل المتسلسل لآلية الامتحانات في الهند، حيث ألغت الوكالة الوطنية للاختبارات امتحان القبول الطبي NEET-UG لعام 2026، والذي يؤثر على 2.27 مليون مرشح، بعد أن ورد أن ورقة امتحان مسربة تم تداولها مقابل ما يصل إلى 5 ملايين روبية. ولم يكن هذا أول تسريب من نوعه؛ فعلى مر السنين يحصى التسريب بالمئات. وفي أعقاب هذا الانهيار، توفي أكثر من 21 طالباً بالانتحار، دون أي مساءلة رسمية. ويعقب ذلك فضيحة عام 2024، التي كشفت عن عصابات منظمة عبر الولايات دون إدانة واحدة، وقد أجبرت الاحتجاجات، بما في ذلك إضراب عن الطعام في جنتار منتار في دلهي، وقد أصبحت القضية الآن تتصدر العناوين. هذه ليست إخفاقات إدارية معزولة، بل هي النتيجة المتوقعة لبنية النظام، حيث يعود هيكل التعليم في الهند إلى مذكرة ماكولاي لعام 1835 بشأن التعليم الهندي، التي صُممت لإنتاج طبقة ضيقة متعلمة بالإنجليزية تخدم الإدارة الاستعمارية بينما تترك الجماهير الناطقة باللغات المحلية والريفية لنظام متبقٍ، وما تغيّر بعد عام 1947 هو العلم فوق المؤسسات، لا المنطق الأساسي لمن يخدمه النظام، فقد ورث الرأسمالية والديمقراطية العلمانية ذلك الهيكل وكيّفه مع منطق السوق. الواقع المادي: يبلغ الإنفاق الحكومي على التعليم نحو 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أقل بكثير من الـ6% التي أوصت بها لجنة كوثاري قبل ستة عقود. وأُبلغ البرلمان أن 89,000-94,000 مدرسة حكومية أُغلقت بين السنتين الماليتين 2014-2015 و2024-2025؛ وأكثر من 65,000 مدرسة تعمل الآن بأقل من 10 طلاب، وأكثر من 5,000 مدرسة تُسجل صفر تسجيل. وتتركز هذه الإغلاقات في المناطق الريفية والقبلية والمناطق المتأثرة بالنزاعات، وهي بالضبط الأماكن التي تقل فيها قدرة السكان على تحمل تكاليف البدائل الخاصة، وقد تم ذلك عمداً بسبب انسحاب الدولة، وفي العقد نفسه، فُتحت نحو 43,000 مدرسة خاصة جديدة، وهو تحويل متعمد للتوفير من الدولة إلى السوق. وقد انهارت الجودة بالتوازي مع النجاح. ووجد تقرير ASER 2024 أن 23.4% فقط من أطفال الصف الثالث في المدارس الحكومية يستطيعون قراءة نص بمستوى الصف الثاني، و33.7% فقط يستطيعون إجراء عملية طرح أساسية، أي أن ثلثي أطفال العاشرة في النظام الحكومي يفتقرون إلى المهارات الحسابية الأساسية. وتُظهر بيانات NFHS-6 أن 29% من الأطفال تحت سن الخامسة يعانون من التقزّم و19% من الهزال، ما يُضعف النمو المعرفي قبل بدء المدرسة. إن التعليم في الهند لم يعد سلعة عامة؛ بل أصبح تجارة مزدهرة ومربحة. واندفع إلى هذا الفراغ قطاع خاص يهدف إلى الربح. تبلغ تكلفة مقعد طبي واحد خاص الآن نحو 1 كرور، أي أكثر من مائة ألف دولار، وهو مبلغ غير متاح لأغلب الأسر. وينفق الأهالي في المدارس غير الحكومية ما يقارب تسعة أضعاف ما يُنفق في المدارس الحكومية. وجاوزت القروض التعليمية المستحقة 1.08 كرور روبية في عام 2024، وكانت الدراسة في الخارج تشكل حصة غير متناسبة، حيث ترهن الأسر أراضيها الموروثة لتمويل الشهادات، وهي غالباً من جامعات غربية تجند بنشاط الطلاب الهنود كمصدر للإيرادات. وقد أصبح نظام الامتحانات نفسه موقعاً للفساد المنظم، مع شبكات تتلاعب بأجهزة مراكز الامتحانات، وتبيع أوراق الأسئلة، وعصابات التدريب تعمل مع عناصر من جهاز الاختبارات. السبب النظامي: الرأسمالية والعلمانية، وهذه صورة مصغرة لنظام رأسمالي معيب بعمق يُحوّل فيه حق الطفل في التعلم إلى سلعة، ففي ظل الرأسمالية، يتدفق التوفير وفقاً للقدرة على الدفع، لا الحاجة: طفل العامل تكلفة لا تحقق عائداً، وطفل الرأسمالي سوق، ولذلك فإن ضعف تمويل التعليم العام مع تمكين التوسع الخاص منطق رشيد تماماً بالنسبة لرأس المال، فهو يحوّل التزاماً حكومياً إلى استثمار خاص. ويدفع المنطق نفسه عصابات الامتحانات: حيث تحدد الشهادة الحراك الاقتصادي، تصبح الشهادة سلعة تُشترى وتُباع، مع الجريمة المنظمة التي تملأ الفراغ. وفي ديمقراطية علمانية يكون فيها البشر هم المشرعون ذوو السيادة، فإن النتيجة نظاماً أبعد من الإصلاح: يفتقر إلى المساءلة المتعالية ويُؤسس لحكم الفاسدين وليسوا من أهل الكفاية. وكشف تحليل الانتخابات العامة لعام 2024 أن 46% من النواب المنتخبين قد أعلنوا قضايا جنائية، و31% يواجهون تهماً خطيرة تشمل القتل والاغتصاب والخطف؛ وما يقارب نصف مجلس الوزراء يحمل إجراءات مماثلة. وأكثر من ربع البرلمانيين لديهم مستوى تعليمي مدرسي أو أقل، وبعضهم مصنفون بالكاد أمّيين. هذه هي الهيئة التي تضع سياسة التعليم والميزانيات لأكثر من 1.4 مليار إنسان. وآلية انتخابية مدفوعة بالإنفاق الرأسمالي الذي يصل إلى آلاف الكرات، وقوة العضلات، والاستغلال الطائفي لا تختار الكفاية، بل تُرقّي من هم الأقدر على شراء الأصوات أو إكراهها. والنتيجة نخبة حاكمة تعتبر الحكم نظام غنائم: تتأرجح السياسات، بما فيها سياسات التعليم، وفقاً لمصالح الأقوياء لا وفقاً لأي مبدأ ثابت للعدالة، ما يختزل الحياة البشرية والكرامة إلى حساب قوة بلا التزام مُلزم على الحاكم بإطعام، أو إيواء، أو تعليم الرعية. إن علمانية الدولة تفصل الحكم عن أي معيار ثابت للصواب والخطأ، وديمقراطيتها تُسلّم السلطة لمن هم الأبرع في التلاعب والاحتيال. البديل الوحيد، إنه لمأساة حقاً أن شباب الهند قد انتحروا بعد أن حُرموا من فرصة دراسة الطب، حتى يتمكنوا من المساهمة في الرعاية الصحية. ففي الشريعة الإسلامية، التعليم إلى جانب الرعاية الصحية من الخدمات التي يجب على الدولة توفيرها. وقد أكد حزب التحرير في كتاب "النظام الاقتصادي في الإسلام" أن "من الخدمات التي يجب على الدولة استئجار موظفين من أجلها لتوفيرها للناس: التعليم والصحة. أما فيما يتعلق بالتعليم، فذلك بسبب إجماع الصحابة رضي الله عنهم على منح العطاء للمعلمين بمبلغ معين كأجر لهم من بيت المال. وأيضاً لأن النبي ﷺ جعل فداء الأسرى من المشركين، تعليم عشرة أطفال مسلمين، بينما كانت هذه الفدية من الغنائم التي هي ملك لجميع المسلمين. وأما فيما يتعلق بالصحة، فذلك لأن النبي ﷺ أُهدي له طبيبٌ هدية، فجعله للمسلمين كافة. وكون الرسول ﷺ قبل الهدية ولم يتصرف فيها ولم يأخذها، بل جعلها للمسلمين، هو دليل شرعي على أن هذه الهدية ملك للمسلمين كافة، وليست له وحده، وبما أن النبي ﷺ قبل الهدية وجعلها لجميع المسلمين، فهذا دليل على أنها من الأمور التي تخص عامة المسلمين. ولذلك فإن إعطاء العطاء للأطباء والمعلمين من بيت المال. ومع ذلك، يُسمح للفرد نفسه أن يستأجر طبيباً ويستأجر معلماً، ولكن الدولة ملزمة بتوفير الرعاية الصحية والتعليم لجميع الرعايا، دون فرق بين المسلم والذمي أو بين الغني والفقير. وذلك لأن هذه مثل الأذان والقضاء، وهي من الأمور التي يتجاوز نفعها الشخص نفسه، والناس بحاجة إليها؛ فهي من الخدمات العامة التي يجب توفيرها لجميع الرعايا، وعلى بيت المال أن يضمنها". وعلى مر القرون من الحكم بالإسلام، كانت البلاد الإسلامية مهداً لأفضل المدارس والجامعات والمستشفيات التعليمية. وكانت حواضر المسلمين الوجهة المفضلة للطلاب والمرضى من حول العالم. وتتطلب استعادة التعليم حقاً مكفولاً إزالة النظام الرأسمالي العلماني وإقامة نظام يخضع الحكم للشريعة. ففي ظل الخلافة الراشدة، يُموَل التعليم على كل مستوى من المراحل الأولية لمحو الأمية إلى أعلى التخصصات، بالكامل، ولا يُسمح لأي كيان خاص بالاسترباح من الاحتياجات التعليمية الأساسية للناس. وتُظهر الاحتجاجات التي تجتاح الهند أن الدولة الرأسمالية العلمانية، ببنيتها ذاتها، لا تستطيع تقديم التعليم كحقٍ عالمي، بل يمكنها فقط إدارة تسليعه، وتخفيف الأعراض بينما تُعمّق المرض الكامن. والبديل الإسلامي ليس تحسيناً لهذا النظام بل إلغاؤه، وإقامة دولة تحمل التزام العلم كأمانة ستُسأل عنها يوم القيامة. وهذا ليس مجرد كلام، بل هو الحل الهيكلي الوحيد الذي يوازي حجم الفشل الماثل الآن. كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير محمد يونس – الهند
-
مقال من المعرفة إلى الشعور... رحلة الإيمان الحقيقية
موضوع تمت اضافته الناقد الإعلامي 2 في مقالات وتحليلات
بسم الله الرحمن الرحيم من المعرفة إلى الشعور... رحلة الإيمان الحقيقية ليس كلُّ من عرف الحقيقة عاشها، وليس كلُّ من حفظ النصوص ذاق حلاوة الإيمان. فبين المعرفة التي تستقر في العقل، والمعرفة التي تستقر في القلب، مساحة لا يقطعها الذكاء أو الحفظ، وإنما يقطعها الصدق والتدبر والعمل. إن كثيراً من الناس يعلمون أن الله هو الخالق، وأنه الرازق، وأنه على كل شيء قدير، ولكن هذه المعاني قد تبقى حبيسة الأذهان، ولا تتجاوز حدود المعلومات. فإذا ما اضطربت الحياة، واشتدت المحن، أو أظلم الطريق، اهتزت تلك المعارف؛ لأنها لم تتحول بعد إلى يقين نابض في القلب. أما المؤمن الذي ارتقى في مدارج الإيمان، فإنه لا يحمل هذه الحقائق في ذاكرته فحسب، بل يحملها في وجدانه. فإذا قيل له: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، شعر بمعية الله سبحانه قبل أن ينطق بها لسانه، وإذا سمع قول الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾، سكنت نفسه، واطمأن قلبه، وانزاحت عنه وحشة الطريق؛ لأن الآية التي سمعها أصبحت حياةً يعيشها، لا كلماتٍ يرددها. إن الإحساس الشعوري بالإيمان لا يولد فجأة، وإنما ينمو كما تنمو الشجرة الطيبة. يبدأ ببذرة من العلم الصحيح، ثم يسقيه التدبر، وتغذيه الطاعة، حتى تمتد جذوره في أعماق القلب، فلا تقتلعها رياح الفتن، ولا تعصف بها عواصف الشهوات. لذلك لم يكن القرآن الكريم كتاب معلومات، وإنما كان كتاب تربية وصناعة للإنسان. كان ينزل على رسول الله ﷺ منجماً، ليصنع جيلاً يتفاعل مع كل آية، فيحولها إلى خُلُق، وإلى موقف، وإلى تضحية، وإلى صبر. فلم يكن الصحابة رضي الله عنهم يزدادون علماً فحسب، بل كانوا يزدادون إيماناً وشعوراً، وقرباً من الله تعالى، حتى صار القرآن يجري في حياتهم كما يجري الدم في العروق. ومن هنا كانت السيرة النبوية مدرسة للمشاعر قبل أن تكون سجلاً للأحداث. فالهجرة ليست انتقالاً من مكان إلى مكان، وإنما هي يقين يتحدى الخوف. ومعركة بدر ليست معركة عسكرية فحسب، وإنما هي ثقة بوعد الله عز وجل تتغلب على قلة العدد والعدة. والخندق كذلك ليس حفراً في الأرض، وإنما هو ثبات في القلب، حيث تزلزل الأبصار، وتبلغ القلوب الحناجر. إن المسلم لا يبلغ حقيقة الإيمان حين يعرف أسماء الله الحسنى، وإنما حين يرى آثارها في حياته، فيتعلق قلبه بالرحمن في الشدة، ويأنس بالحكيم عند القضاء، ويرجو الكريم عند التقصير، ويطمئن إلى العدل عند البلاء. عندها تتحول العقيدة من ألفاظ محفوظة إلى حياة نابضة، ومن معلومات متفرقة إلى شعور دائم يوجه الفكر، ويقود السلوك، ويثبت القدم. وهذه هي التربية التي تحتاجها الأمة: أن تنتقل من ثقافة الحفظ إلى ثقافة الشعور والتذوق، ومن كثرة المعلومات إلى عمق الإيمان، ومن معرفة الدين إلى معايشته. فالأمة لا ينهضها كثرة المتحدثين عن الإسلام، وإنما ينهضها رجال ونساء امتلأت قلوبهم بالإسلام، حتى صار هو الشعور الذي يحكم أفكارهم، والميزان الذي يَزِنُون به الحياة، والنور الذي يسيرون به بين الناس. وما أحوجنا في هذا الزمن إلى هذا الإيمان الشعوري؛ إيمان لا يتغير بتغير الظروف، ولا يضعف أمام المغريات، ولا ينكسر أمام المحن؛ لأنه متصل بالله اتصال القلب بربه، لا اتصال الذاكرة بمعلوماتها. فإذا بلغ المؤمن هذه المنزلة، أصبح القرآن ربيع قلبه، وأصبحت العبادة راحته، وصار الإسلام حياته كلها، لا جزءاً من حياته. وهنا تبدأ رحلة الاستخلاف الحق؛ لأن الله تعالى لا يستخلف أمة تحفظ دينها بألسنتها، وإنما يستخلف أمة يسري الإيمان في قلوبها، فتتحرك به، وتضحي من أجله، وتصبر عليه، حتى يصبح الإسلام روحها التي تحيا بها، ورسالتها التي تمضي بها إلى الناس. كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير مؤنس حميد – ولاية العراق -
بسم الله الرحمن الرحيم البشرية على شفا النهضة والهلاك تقف البشرية اليوم على مفترق طرق تاريخي؛ حيث تتربع على ذروة الحضارة المادية، بينما تركس في الوقت ذاته في حضيض السقوط السياسي والفكري والأخلاقي. لقد كشف المبدأ الرأسمالي الغربي، ومن خلفه القوى الاستعمارية، عن فخٍّ جديد يهدف إلى إضفاء الشرعية على أداة هيمنتها العالمية المقبلة، وترسيخ سطوتها الرقمية على شعوب الأرض. ففي مدينة شانغهاي، وبحضور ممثلي تسعٍ وعشرين دولة - تقدمهم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش - تم توقيع اتفاقية إنشاء "المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي (WAICO)"، ولئن أُعلن الشعار الرسمي لهذه الوثيقة الدولية تحت مسمى "التطوير المسؤول والآمن لتقنيات الذكاء الاصطناعي"، فإن هذه الخطوة في جوهرها لا تعدو كونها مناورة سياسية تستهدف كبح الوعي البشري، ومركزة نظام توزيع الثروات العالمية، وإقامة درعٍ تكنولوجي جديد في وجه الصحوة الفكرية للأمة الإسلامية المبعوثة من جديد. تُثبت الملاحظات السياسية والتحليلات الفكرية الممتدة لسنوات طوال، أن عالم الكفر لم يكن يوماً حريصاً على مصلحة البشرية أو أمنها؛ إذ تقبع خلف كل "مبادرة عالمية" يطلقونها مصالح ضيقة لنخبة من المستعمرين، ورغبة جامحة في ترسيخ هيمنتهم. واليوم، لم تعد تقنيات الذكاء الاصطناعي نتاجاً محضاً للتقدم العلمي والتقني، بل غدت سلاحاً استراتيجياً يحدد موازين القوى للدول في الساحة الدولية، وقدراتها الاقتصادية، بل وطريقة تفكير الشعوب ذاتها. في خضم هذا الواقع البالغ الخطورة، أين تقف الأمة الإسلامية العظيمة؟ ولماذا تلهث البلدان الإسلامية التي كانت يوماً منارة للعلم والمعرفة والعدالة السياسية، خلف الأجندة الرقمية التي تمليها مراكز القوى في الغرب والشرق اتباعاً أعمى؟ ولماذا يرهن الحكام القائمون على أمورنا مصير شعوبهم لتكتلات دولية تُصاغ في شانغهاي أو واشنطن، وهي تتصادم مصادمة صريحة مع العقيدة الإسلامية؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ﴾. إن هذه المنظمة الدولية الجديدة التي أُرسيت دعائمها في شانغهاي، وإن سُوِّقت ظاهرياً ككيانٍ مستقلٍ بين الحكومات، إلا أنها في واقع الأمر ليست سوى قيدٍ جديد يُنسِّق تقاطع المصالح بين القوى الاستعمارية الكبرى، ويُكبل الدول الضعيفة في أغلال التبعية الرقمية. ففي نظر الأنظمة التي تسوس العالم على هامش الانحلال الرأسمالي والمادية المحضة، لا يعدو الإنسان كونَه مجردَ مُستهلِك، ولا يتعدى وعيُه أن يكون قاعدةَ بياناتٍ تُدار وتُوجَّه عبر الخوارزميات. ينظر الإسلام إلى الإنسان باعتباره خليفة الله في أرضه، وحامل أمانة العقل والقلب، والمكلف بأسمى أشكال المسؤولية. غير أن تقنيات الذكاء الاصطناعي، في شكلها الحالي الخاضع لسيطرة الكيان الرأسمالي الغربي، باتت تُنذر بـخطر "تأليه العقل البشري"، وتقديمه على حكمة الخالق، ومسخ الإنسان إلى كائنٍ مسلوب الإرادة والفكر. وكما عبَّر أحد سياسيينا المخلصين بقوله: "لئن كانت القوى الاستعمارية قد احتلت أراضينا بجيوشها في الماضي، فإنها اليوم تغزو قلوب شبابنا وعقولهم عبر التقنيات الرقمية، وشبكات التواصل، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي. إن هذا الغزو لأشد ضراوة من الحروب التقليدية؛ إذ إن الطرف المهزوم فيه يتوهم عبوديته حريةً"! وفي خضم هذه التحولات الجسيمة التي تشهدها الساحة السياسية الدولية، يتجلى الواقع الأليم للبلاد الإسلامية، بشرذمتها السياسية وهوانها الفكري، بصورة أكثر جلاءً. لقد كانت الأمة الإسلامية يوماً قوة عظمى سادت الحضارة الإنسانية، وأخرجت البشرية من ظلمات الجهل إلى نور الهدى. غير أن الهزيمة دبّت في أوصالها، والضعف تسرّب إليها يوم أن نأى المسلمون عن معينهم الصافي (الكتاب والسنة) وحين اختزلوا الإسلام في مجرد طقوسٍ وعباداتٍ شكلية. واليوم، لا شغل للأنظمة العَمِيلة في البلاد الإسلامية إلا تسخير الطاقات الاقتصادية والتكنولوجية لشعوبها لخدمة مآرب المستعمرين. ورغم أن بلاد المسلمين تربض على ثرواتٍ طبيعية هائلة، وتضم طاقات شبابية فتية، وتحتل أهم المواقع الجيوستراتيجية في العالم، فما بالها تقبع في ذيل الأمم مجرد مُستهلِكٍ عاجز في عالم التقنية؟ ولماذا يُستنزَف علماؤنا ومهندسونا وخبراؤنا كوقودٍ ورخيصٍ لشركات الغرب؟! إن الجواب واحد لا ثاني له: إنه غياب نظام الإسلام الذي أرسى دعائمه الرسول ﷺ. فإذ لا دولة، فلا استراتيجية علمية ولا سياسية ولا تكنولوجية مستقلة. أما الحكام القائمون على رقاب المسلمين اليوم، فيرون في الامتثال المطلق لأوامر المنظمات الدولية مَفخرةً لهم؛ إذ يرهنون مستقبل الأمة، ويبيعون هويتها الرقمية لأعدائها، لقاء بقاءٍ زائف على عروشهم. وقد صَدَقَ رسول الله ﷺ إذ يقول: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا». فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ». فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ». أخرجه أبو داود، وأحمد وابن أبي شيبة بلفظه. فسبحان الله! ما أصدق هذا الحديث الشريف في تشخيص واقعنا السياسي المعاصر، وتوصيف اتفاقات شانغهاي، وجلاءِ هذا الهوان الذي ران على المسلمين! ففي الوقت الذي تتداعى فيه تسعٌ وعشرون دولة حول مائدة واحدة، لتقاسم النفوذ ورسم ملامح المستقبل البشري - ولا سيما المصير الرقمي للبلاد الإسلامية - نقبع نحن في ذيل الأحداث، ننجرف كغثاء السيل مسلوبي الإرادة والهدف! ومن هذا المنطلق، نتوجه بنداءٍ حارّ إلى أبناء الأمة ونخبها الفكرية: إلى متى سنظل مجرد حطبٍ تستعر به المشاريع الفكرية للآخرين؟! ألم يأنِ للقلوب أن تدرك أن الاستقلال السياسي والاقتصادي والسيادة التكنولوجية لن تتأتى إلا في ظل نظامٍ مكتملٍ يستند إلى العقيدة الإسلامية (الخلافة)؟ وكيف لنا أن نثق بمعايير الأمان التي يروج لها الغرب في عالم الذكاء الاصطناعي، بينما يده ملطخة بدماء المسلمين الأبرياء في فلسطين وسوريا والعراق وأفغانستان، باستخدام أحدث الطائرات المسيَّرة والخوارزميات الذكية؟ إن حديثهم عن الإنسانية والمسؤولية لا يعدو كونه قناعاً زائفاً لمواراة جرائمهم البشعة. وإن هذه المنظمة الوليدة في شانغهاي لن تكون إلا أداةً لشرعنة تلك الجرائم تحت مظلة القانون الدولي، ووسيلةً لوصم أي حراكٍ تكنولوجي مستقلٍ للمسلمين بـ"الإرهاب" أو "التهديد الأمني"! ويتعين علينا أن ننظر إلى هذه القضية نظرةً أعمق من زاويةٍ فكريةٍ مبدئية. فالإسلام ليس مجرد عقيدةٍ روحيةٍ فردية، بل هو مبدأٌ شاملٌ ونظامٌ متكاملٌ ينظم كافة شؤون الحياة؛ من سياسةٍ واقتصادٍ وعلومٍ واجتماع. ووفقاً للمفاهيم الإسلامية، فإن أي أداةٍ تكنولوجية - سواء أكانت سيفاً بسيطاً أو أعقد أنظمة الذكاء الاصطناعي - لا يجب أن تُسخَّر إلا لغايةٍ واحدة: لإعلاء كلمة الله، وبسط العدل بين بني الإنسان. ففي العصور التي ظُلِّلت براية الدولة الإسلامية، وحينما قاد علماء المسلمين ركب العلوم العالمية، لم يكن وارداً في حسبانهم يوماً استعباد البشرية أو تدمير الطبيعة؛ ذلك أن قلوبهم كانت عامرةً بتقوى الله، ومستشعرةً لثقل الأمانة وحساب الآخرة. أما في العالم الرأسمالي المعاصر، فإن الغاية القصوى للشركات العملاقة والدول القائمة على تطوير هذه التقنيات تنحصر في جني الأرباح الفاحشة، وإحكام السيطرة المطلقة على الخصوم. لقد استحالت تقنيات الذكاء الاصطناعي في أيديهم أداةً للتحكم الجماعي في البشر، وتوجيه أفكارهم، وانتهاك أخص خصوصياتهم. وعبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي، تُمَرَّر للناس معاييرُ ما يُعدّ حسناً وما يُعدّ قبيحاً، في مسعىً خبيثٍ لطمس مفاهيم الحلال والحرام التي أرساها الوحي الإلهي! ومن هذا المنطلق، غدا من أوجب الواجبات علينا أن نعمل دائبين على صياغة الوعي السياسي للأمة؛ لترسيخ مفهومٍ مفاده: "أنه لا يجوز لنا بحالٍ أن ننظر بعين الاستسلام والخنوع إلى المعاهدات والمنظمات الدولية التي يعرضها نظام الكفر. فما كانت نجاة المسلمين يوماً في الارتماء في أحضان التكتلات الغربية أو الشرقية، وإنما خلاصهم في العودة الصادقة إلى أصالتهم، والدين الحنيف، ومشروعهم السياسي الخاص". قال الله تعالى في القرآن الكريم مخاطباً المسلمين: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. إن هذه الآية الكريمة لم تتنزل لمجرد المديح والثناء، بل جاءت حُجةً دامغةً على ثِقل المسؤولية المناطة بأعناقنا. فالخيريةُ في هذه الأمة إنما تجسّدت في الوقوف بوجه الظلم والجور العالمي، والتصدي للمكائد والمؤامرات الدولية، وإخراج الإنسانية من دياجير الكفر إلى رحاب نور الإسلام. فإن نحنُ لزمنا الصمت اليوم، ورضينا أن نكون مجرد نظَّارةٍ عاجزين أمام ما يُحاك في شانغهاي وأمثالها، فبأي وجهٍ سنقف غداً بين يدي الله، وماذا عسانا أن نجيب؟! إن البشرية لتخطو اليوم نحو حِقبةٍ جديدة من العبودية - حِقبة "العبودية الرقمية"؛ ولن ينتشل الإنسانية من غياهب هذه العبودية إلا الإسلام فحسب. وما إنشاء المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي إلا محاصصةٌ جديدة بين القوى العظمى لترسيخ نفوذها؛ إذ تشكّل إعادةَ إنتاجٍ لكياناتٍ سابقة مثل عصبة الأمم والأمم المتحدة التي اقتسمت العالم إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية. ففي ذلك الحين، وتحت الشعارات الزائفة لـ"السلام والأمن"، مزّقوا أراضي المسلمين، وخطّوا بينها حدوداً اصطناعية، ونصّبوا على رقابنا رُعاة مآربهم من العملاء. واليوم، ها هم يرسمون حدوداً جديدةً ويقيمون أنظمةَ وصايةٍ رقمية في الفضاء الافتراضي؛ يستهدفون من خلالها الرصد المبكر لحركات النهضة الإسلامية، وإجهاض أي حراكٍ سياسيٍّ يسعى لجمع كلمة المسلمين وإقامة دولتهم. وفي خضم هذا الخطر المحدق، يتعين على علماء الأمة ومفكريها أن ينهضوا بمسؤولياتهم؛ فالإسلام ليس مجرد شعائر تُؤدّى من صلاةٍ وصيام، بل الإسلام سياسةٌ وكفاح، وتطبيقٌ شاملٌ لمبدئه في واقع الحياة! إن من أوجب الواجبات اليوم أن يكُفَّ علماء الأمة ونُخبها المتخصصون عن التبعية لدول الكفر وخدمة أجنداتها، وأن يتكتلوا وتستنفر شجاعتهم لتسخير طاقاتهم في سبيل بناء مستقبل هذه الأمة العظيمة. وإن تحقيق ذلك يقتضي بالدرجة الأولى توفر إرادةٍ سياسيةٍ صلبة وثباتٍ مبدئي راسخ؛ إذ لن يكون لأمة الإسلام أي ثِقلٍ في الحلبة الدولية، وستظل مجرد أداة تنفيذيّة في مؤتمرات شانغهاي وأمثالها، ما لم تَعُد إلى ينابيعها الصافية، وتستأنف حياتها الإسلامية بإقامة دولتها القائمة على عقيدتها. ومن هنا، فإننا نهيب بمسلمي العالم قاطبة، وبأهل القوة والمنعة وأهل الحل والعقد خاصة، أن يستنهضوا هممهم ويتداركوا أمرهم. فالوقت كالسيف، والبشرية اليوم تجثو على شفير الهاوية؛ بعد أن أدّت بها المادية الرأسمالية الغربية إلى الشلل والتخبط في كافة مناحي الحياة، وها هي اليوم تسعى لمحقها بالكلية عبر هيمنتها الرقمية! إن الله تعالى وفيٌّ بوعده: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير حياة الله الأوزبيكي
-
مقال حقد الغرب الكافر المستعمر على الإسلام والمسلمين
موضوع تمت اضافته الناقد الإعلامي 2 في مقالات وتحليلات
بسم الله الرحمن الرحيم حقد الغرب الكافر المستعمر على الإسلام والمسلمين جاء في كتاب "الأمة الإسلامية من التبعية إلى الريادة" للدكتور محمد محمد بدري: (ولكي يستريح الغرب من شبح ائتلاف الأمة الإسلامية الذي يفزعه ويؤرقه كان من الضروري تلوين الحياة المحلية في كل بلد من بلاد المسلمين، بلون خاص، يستند في مقوماته إلى أصوله الجاهلية الأولى، فتعود الحياة الاجتماعية التي وحد الإسلام ظاهرها إلى الفرقة والتشعب وذلك برجوعها إلى أصولها القديمة السابقة للإسلام)، ومن هنا كان أسلوب نبش الحضارات القديمة، وإحياؤها هو أحد الخيوط الأساسية التي تكون (الشرك) الذي يراد به احتواء المسلمين وإضعافهم، وكان المخطط الخبيث الذي حمله الصليبيون، وهم يجوسون ديار الإسلام، وهو نبش الأرض لاستخراج حضارات ما قبل التاريخ، لذبذبة ولاء المسلمين بين الإسلام وبين تلك الحضارات، تمهيدا لاقتلاعها نهائيا من الولاء للإسلام. قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. فأهل مصر يمجدون الفرعونية، وأهل السودان يفتخرون بأنهم أصل الحضارة الكوشية، وأهل المغرب ينادون بالأمازيغية... وهكذا كل بلد من بلاد المسلمين راح يفتخر بعهود ما قبل الإسلام، وبذلك نجح الغرب في تمزيق الرابطة الإسلامية!! فيجب على الأمة التمسك برابطة العقيدة الإسلامية، ونبذ الروابط الجاهلية، والعمل الجاد المجد مع حزب التحرير لاستئناف الحياة الإسلامية، بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي تجسد هذه الهوية الإسلامية، وتجمع طاقات وإمكانات المسلمين فتجعل منهم قوة عالمية حاكمة للعالم. ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير عبد الله حسين (أبو محمد الفاتح) عضو لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان -
بسم الله الرحمن الرحيم ظلام الخرطوم تضيئه دولة الرعاية أصبحت الخرطوم غارقة في ظلام دامس مع انقطاع التيار الكهربائي لأطول فترات في تاريخ البلاد، وأصبح استمرار التيار الكهربائي لثماني ساعات حلماً يراود الأسر المنهكة المتعرقة في صفيح النهار. إن ملاحقة الرزق اليومي مع غلاء الأسعار المتزايد ثم العودة لظلام البيت لهو أشبه بسجن اختياري. إن وجود مريض واحد، أو كبير سن في جوف البيت مع هذا التيار النادر كأنه إعدام لطيف! ما الذي يجعل الشركة السودانية للكهرباء تشرع في زيادة ساعات الانقطاع يوما بعد يوم دون إخطار؟ ولماذا لا تتحرك وزارة الطاقة حتى ولو ببيان واحد، تخبرنا فيه بفوائد الصبر والطاقة الشمسية؟ تعالوا معي نسلط الضوء على أزمة الكهرباء في السودان وأفق الحل الجذري حتى ننهض من ظلامنا إلى نور لا ينقطع بحلول جذرية من لدن خبير عليم. لقد بات تفاقم الأزمات يشكل جزءاً من حياة أهل السودان، حتى ترسخت لديهم قناعة بأن حياتهم لن تتحسن، بل ستزداد صعوبة في ظل هذه الأنظمة الرأسمالية، فوق ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وعدم الأمن، تضاف إلى ذلك معضلة الكهرباء. إن انقطاع التيار الكهربائي يشكل معضلة كبرى لقطاع الرعاية الصحية واعتمادها الكلي على الكهرباء حيث تعاني المستشفيات من كارثة حقيقية حيث تتوقف الأجهزة الطبية التي تشكل عصباً أساسياً في عملية التشخيص للمرضى، مثل غرف الأشعة وماكينات غسيل الكلى. كما تضررت قطاعات حيوية بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء، مثل خدمات الجمهور، وعدد من القطاعات التجارية والصناعية، التي تعد الكهرباء عمودها الفقري! ما انعكس على السوق بقلة الإنتاج وارتفاع الأسعار. دخلت الكهرباء السودان عام 1908م، وأنشئت خزانات مثل خشم القربة وسنار والرصيرص وسد مروي، وكمية الإنتاج الكهربائي لخزان سنار 150 ألف كيلو واط في الساعة، كأقدم سدود السودان وأكثرها إنتاجاً. يصل إنتاج سعات التوليد الحراري والمائي الحالية إلى 2700 ميغاواط، حسب أقرب إحصائية. ويستورد السودان الكهرباء من مصر وإثيوبيا بالعملة الصعبة، فيما يحصل 40% من السكان فقط على خدمات الكهرباء بينما تعتمد النسبة الباقية على مولدات الديزل، في الوقت الذي تتوفر فيه الموارد المشجعة لتوفير الكهرباء؛ من الطاقة البديلة، حيث يعد السودان من أنسب الدول لإنتاج الطاقة النووية والطاقات المتجددة، أو ما يسمى بالطاقة المستدامة لا سيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة المياه وطاقة الكتلة الحيوية وطاقة حرارة باطن الأرض، حيث يتمتع السودان بإشعاع شمسي عالٍ يقدر بعشر ساعات في اليوم، كما يمتلك السودان الرمال التي تتوفر فيها مادة السيليكون التي تصنع منها الخلية الشمسية. ووفقاً لدراسات المركز القومي لأبحاث الطاقة فإن متوسط مدة إشراق الشمس من 5-7 كيلو واط في الساعة في المتر المربع، وهناك طاقة رياح سرعتها تصل إلى أربعة أمتار في الثانية وأول محطة لتوربين الرياح بارتفاع 63 مترا في الولاية الشمالية بسعة 1400 ميغاواط، بتمويل الحكومة ودعم الأمم المتحدة، لكنه تدهور بسبب الإهمال الحكومي في عهد الإنقاذ. وتوجد في السودان مناطق ملائمة لاستغلال طاقة باطن الأرض؛ منها جبل مرة وجبال البحر الأحمر. أما الموارد المائية فنهر النيل؛ أطول نهر في العالم، فتقدر المواقع المناسبة لتشغيل توربين مائي على امتداده بـ450 موقعاً. إن بلداً يمتلك كل هذه المصادر المتنوعة لإنتاج الكهرباء لماذا لم يستفد منها؟ ولماذا لم تستغل على النحو الأمثل؟ إن كل مشاكل السودان تحل بصورة آنية وتسبب مشكلة أكبر في المستقبل فنرمي أنفسنا في مزبلة صندوق النقد والبنك الدوليين، والأمم المتحدة، فيأكلنا الأخطبوط الرأسمالي بمساعدة الحكومات المتعاقبة في السودان، وحتى لا يكون الكلام عبثياً فالسنوات الماضية هي خير دليل، ففي 28 حزيران/يونيو 2010م، أصدر مجلس الوزراء قراراً قضى بموجبه إلغاء الهيئة القومية للكهرباء، وأنشئت مجموعة شركات تؤول إليها كل حقوق والتزامات الهيئة القومية للكهرباء. وفي العام 2017م، أنشئت الشركة القابضة للكهرباء، حيث تتبع لها شركات التوليد والنقل والتوزيع، وادعت الحكومة أن هذا التحول من أجل تطوير قطاع الكهرباء واستدامة نموه، ولكن الواقع عكس ذلك فالأزمة الأخيرة في انقطاع التيار الكهربائي التي تصل من 10 إلى 12 ساعة خلال اليوم، تبين مدى تردي مستوى تقديم الخدمات، وتعكس حرص الحكومة على تحكّم الرأسماليين بموارد الأمة، فبينما الشارع متذمر من الأزمة الأخيرة، ويسأل عن الحلول والمعالجات لمعضلة عدم استقرار التيار الكهربائي، تتحدث الحكومة الحالية عن رفع الدعم عن الكهرباء، ولكن يصعب تطبيقها بسبب (الحرب)، بعد أن نفذتها في الوقود والخبز، ووزير المالية جبريل إبراهيم الذي أغرق البلاد بالأزمات مثل وزير المالية الأسبق إبراهيم البدوي (فالرجلان بالعقلية الرأسمالية نفسها)، قال إبراهيم البدوي: "رفع الدعم عن الوقود والدقيق والكهرباء يوفر 104 مليار جنيه لدعم خزينة الدولة" (موقع النيلين)، وما ذلك إلا استمرار في تنفيذ روشتات صندوق النقد الدولي، الذي ينص أحد تقاريره على: (إعادة النظر في إصلاح قطاع الكهرباء في العالم النامي)، وذلك بإنشاء هيئات تنظيمية مستقلة، إلى جانب خصخصة أجزاء من صناعة الكهرباء، والتوجه إلى السوق والسماح بالمنافسة، وهو ما طبقته الأنظمة الحاكمة بحذافيره، ويشرف البنك الدولي على الهيئات التنظيمية، التي أوكلت إليها مسألة تحديد الأسعار، ومراقبة جودة الخدمة، ويظهر ذلك من خلال الورش التي ينظمها البنك الدولي لتدريب الكوادر الذين بدورهم ينفذون توصيات صندوق النقد والبنك الدوليين؛ ففي تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2019م نظمت الشركة القابضة للكهرباء مع خبراء البنك الدولي ورشة بعنوان: "مشروعات التوليد المستقل بالسودان" بالخرطوم، وقال المهندس علي عبد الرحمن، مدير الإدارة العامة للسياسات والتخطيط بالشركة القابضة: "إن التوليد المستقل يعنى بمشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنى التحتية في مجال الكهرباء حيث تعد العقود التي تبرم في هذا القطاع طويلة الأجل إذ تمتد لأكثر من 20 عاماً، وأضاف بأن الورشة بحضور شركات الكهرباء وخبراء في مجال الطاقات المتجددة، ووزارة المالية، ووزارة الطاقة والتعدين، ومؤسسات القطاع الخاص" (وكالة السودان للأنباء، 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2019م). كما ذكر صندوق النقد الدولي، أن فريقاً تابعاً له عقد اجتماعات افتراضية مع السلطات السودانية، لبحث حزمة الإصلاحات التي قدمها، والتي من بينها إصلاح دعم الطاقة، وقال دانيال كاندا قائد فريق صندوق النقد الدولي: "إنهم توصلوا مع السلطات السودانية إلى اتفاق بشأن السياسات والإصلاحات، التي يمكن أن تدعم برنامجاً يراقبه الصندوق" (الشرق الأوسط، 25 حزيران/يونيو 2020م). انصياعاً وخضوعاً لروشتات صندوق النقد الدولي تعاقدت الحكومة مع عدة شركات خاصة من أجل مدها بالكهرباء ما أوقع الدولة في مصيدة الدين، "هددت شركة تركية مسؤولة عن إمداد مدن غرب السودان، نهاية الشهر الجاري بقطع الإمداد الكهربائي عن المدن الغربية بسبب مستحقات مالية لم تدفعها الحكومة، وقبل أسابيع توقفت باخرة تركية بالبحر الأحمر كانت تزود السودان بالكهرباء" (شبكة عين، 15 آذار/مارس 2020م). ويصرح وزير الطاقة في البلاد أن مشكلة الكهرباء سببها الحرب ونحتاج لـ9 مليار لحلها، بينما تسعى حكومة الأمل بتمويل مباني حكومية تاريخية، تضررت في الحرب وصيانتها بمبلغ 371 مليار!! (قناة الحدث والعربية، 15 تموز/يوليو 2026م)، فأي أمل تنتظرون منها سوى تجرع الأزمات وضنك العيش؟! ولكي لا نلدغ من جحر النظام الغربي مرتين علينا لفت النظر وشد الانتباه للآتي: إن صندوق النقد والبنك الدوليين هما من أدوات الاستعمار، بل من أكثر الأدوات فعالية، والأنظمة المتعاقبة على حكم السودان، بتآمرها مع المستعمرين، ترتكب جرائم في حق أهل السودان؛ بمنعهم الاستفادة من الموارد التي حباها الله لهذا البلد، وإعطائها للمستعمر باسم الاستثمار، وكذلك تمنع تلك الأنظمة الإنتاج، فلا زراعة كافية ولا صناعة حقيقية، كل ذلك من أجل أن يظل هذا البلد خاضعاً تحت سيطرة المستعمرين. وتخطيط البلاد وجعل الخرطوم تكتوي بنار الفتنة والغلاء فكيف نضيئها بعد كل دمار الحرب وظلام النظام الرأسمالي؟! إن الكهرباء هي من الملكيات العامة، التي جعل الشرع حق الانتفاع بها للناس كافة، يقول النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ؛ فِي الْكَلَأِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ». فما دام النظام الرأسمالي يتحكم في مفاصل الحياة، فلن يعيش المسلمون، ولا البشرية كافة بسعادة؛ فأسّ المشكلة هي في هذا النظام الرأسمالي الذي يفصل الدين عن الحياة، ويؤسس لحياة ظالمة، عن طريق جعل كل موارد البلاد بيد حفنة من الرأسماليين الجشعين، ولا يمكن للبشرية أن تعيش حياة آمنة مطمئنة إلا بتطبيق نظام الإسلام، الذي يعدل بين الناس كافة في توزيع هذه الثروات، وذلك عن طريق إقامة دولته دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. فلنعمل مع العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية، حينها تصبح الخرطوم سراجاً ونقطة ارتكاز بإعلانها العاصمة لدولة الخلافة التي لاحت في الأفق وحينها يفرح المؤمنين بنصر الله. كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير منذر عبد الرؤوف (أبو غفران) – ولاية السودان
-
مقال تونس: حين تصبح الأزمة نظاماً للحكم، فما الحل؟
موضوع تمت اضافته الناقد الإعلامي 2 في مقالات وتحليلات
بسم الله الرحمن الرحيم تونس: حين تصبح الأزمة نظاماً للحكم، فما الحل؟ هناك لحظاتٌ في عمر الأمم، يغدو فيها الصمتُ جريمةً، والتجاهلُ خيانةً، والمراوغةُ طمساً للحقيقة، إذ يصبحُ الساكتُ عن الحق شيطاناً أخرس، ويُعدُّ الحيادُ تواطؤاً يرسِّخُ الباطلَ ويُطيلُ أمدَه. لحظاتٌ لا تكون فيها الأزماتُ مجرد كبوةٍ عابرة، ولا وهناً طارئاً يُوارَى ببيانٍ رسميٍّ أو خطابٍ مُنمَّقٍ، بل تتحوّلُ إلى مرآةٍ تعكسُ وجْهَ الدولةِ في أقسى لحظاتِ انكشافها، حين تُختبرُ قدرتُها على فهمِ نبضِ مجتمعها، ومواجهةِ أوجاعه بإرادةِ الفعل، لا بزخارفِ القول. هذه اللحظات، لا تكونُ فيها الأزمةُ خطرا استثنائياً يُداهمُ الدولة، بل تكشفُ أنَّ الأزمةَ نفسها قد صارت أصلاً ثابتاً في ظلِّ هذا النظام، وأنَّ الاستثناءَ الوحيدَ هو غيابُها. وتونس اليوم، على حافّةِ ذلك الاختبارِ، تترنّحُ. فمن يعيش في تونس، لم يعدْ يقرأُ الأزمةَ في أرقامٍ باردةٍ أو تقاريرَ روتينيةٍ، إنما يتجرّعُها في رغيفِ خبزِه، في فاتورةِ كهربائِه، في نظرةِ أمٍّ تتردّدُ أمامَ دكانِ البقالةِ، في تنقل أبٍ بين طوابير الانتظار بحثا عن أبسط ضروريات الحياة، وفي عينِ شابٍّ يتأرجحُ بين حلمِ البقاءِ وضرورةِ الرحيل، إن نجا طبعا من آفة المخدرات، حتى غدا المرء في هذا البلد يبحث عن الماء والكهرباء والعيش الكريم وكأنه يطلب امتيازاً لا حقّاً! لم تَعُدِ الأزمةُ عنواناً في نشرةِ أخبارٍ أو بنداً في تقريرٍ اقتصادي، بل أصبحت واقعاً يوميّاً يفرضُ نفسَه على الناس في أدقّ تفاصيل عيشهم، ويُثقِلُ حاضرَهم، ويزرعُ القلقَ والخوفَ في مستقبلِهم. ليس العيبُ أن يُخطئَ مسؤولٌ؛ مع أن الفاروق عمرُ بنُ الخطاب كان يخشى أن يُسألَ عن بغلةٍ عثرتْ في العراق. وإنما العيبُ أن يُصبحَ الخطأُ سياسةً، والإخفاقُ نهجاً، والفشل الحتمي خيارا استراتيجيا، حتى يغدو العاجزُ عن قيادةِ نفسه مؤتمناً على قيادةِ الناس، يُذيق شعبه ويلات العذاب بين أيام العطش وليالي الظلام الدامس. قال رسول الله ﷺ: «إِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ». وقال ﷺ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ؛ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ»، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ». رواه ابن ماجه وأحمد. وهنا يفرضُ السؤالُ التونسيُّ نفسَه بإلحاح: أهي أزمةُ ظرفٍ أم أزمةُ بنية؟ أهو خللٌ في التدبيرِ، أم تعفُّنٌ في الجوهرِ؟ أهي عثرةُ إدارةٍ وانقطاع غير مقصود للماء والكهرباء، أم اختلالُ نظامِ حكمٍ فقدَ قدرتَه على تصحيحِ أخطائِه؟ تونس، منذ عقودٍ، عرفتْ تحولاتٍ كُبرى، وتعاقبتْ عليها الوجوهُ والشعاراتُ، وتغيَّرتِ الواجهاتُ والألوان كما تتغيّرُ الأقنعةُ، ولكن بقي النظام جمهوريا علمانيا خالصا، وبقيت الحلول الاقتصادية رأسمالية ليبرالية، إمعانا في إقصاء الإسلام من الحكم، بما خلّفه ذلك من حصيلة كارثية على جميع الأصعدة والمستويات، لكنَّ الخطاب الرسميّ دأبَ في السنواتِ الأخيرة على تفسيرِ جانبٍ كبيرٍ من التعثّرِ باعتباره نتيجةَ ما يُسمّى بـ"تفجيرِ الدولةِ من الداخل"، وعلى الدعوةِ إلى تطهيرِ الإدارةِ من مظاهرِ الفسادِ والتعطيل والتنكيل بالشعب، معلقا فشله على شماعة "العشرية السوداء" ومخلفاتها، ومبررا لنفسه الحلول الترقيعية نفسها لحكام هذه العشرية، وفي مقدمتها سياسة التداين. غيرَ أنّ السؤالَ الأعمقَ الذي يفرضُ نفسَه لا يتعلّقُ فقط بمن يعرقلُ عملَ الدولة، بل بطبيعةِ المنظومةِ التي سمحتْ بتراكمِ هذه الاختلالات أصلاً: كيفَ تُدارُ السلطةُ؟ بأيِّ معيارٍ تُختارُ الكفاياتُ؟ كيفَ تُصاغُ السياساتُ العامّةُ؟ ولماذا تتبخّرُ المساءلةُ حينَ تفشلُ الخياراتُ؟ ولماذا كل هذا الإصرار على تدوير القراراتِ الخاسرةِ في انتظارِ نصرٍ مستحيل؟ والأعجب من هذا كله، هي تلك الزيارات المفاجئة التي تُطرح فيها الأسئلة نيابة عن الناس ممن يفترض أن يقدم الحلول فضلا عن الأجوبة، ربما بحثاً عن كبش فداء وتأجيلا للحظة الانفجار الشعبي حين يتسع الخرق على الراقع. إنّ الدولةُ لا تَضعُفُ فقط حينَ تعجزُ عن توفيرِ المواردِ، بل حينَ تفقدُ القدرةَ على الاعترافِ بالخطأِ. والخطرُ ليس في وجودِ المشكلةِ، بل في التعامل معها باستخفاف وكأنها ستتبخر عبر الصراخ والعويل، استماتة في استجهال الشعب وإقناعه بنظرية "الغرف المغلقة"، مع ما يتضمنه هذا الاستهتار الفاضح من استهانة بكتاب الله وتحريف لآياته. أما الخطر الأكبر فهو التعامل مع الديمقراطية ودساتيرها الوضعية وكأنها ثابتة عن طريق الوحي، رغم اغتصابها الواضح لسلطان الأمة، في حين يوضع الإسلام وأحكامه على الهامش، مع أنه جزء من هوية هذا الشعب ومن تاريخ أمة عريقة موعودة بالنصر والتمكين. هذا يذكرنا تماما بما حصل مع قوم فرعون حين استخف عقولهم واستجهلهم ليتحكم بهم، فأطاعوه لضعف إدراكهم، وابتعادهم عن منهج الله. قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾. إنَّ أشنعَ ما يُصيبُ أيَّ نظامِ حكمٍ، أن يُصبحَ أبرعَ في تفسيرِ إخفاقِه منه في توقّيِه. فلكلِّ أزمةٍ أسبابُها، ولكلِّ تعثُّرٍ مبرِّراتُه، لكنَّ الشعوبَ لا تعيشُ على المبرِّراتِ، بل على النتائجِ. والفرقُ شاسعٌ بين دولةٍ تملكُ رؤيةً، ودولةٍ تكتفي بإدارةِ الوقتِ؛ الأولى تروِّضُ الأزماتِ وتُحوّلها إلى كوابحِ إصلاحٍ، والثانيةُ تُؤجّلُ الانفجارَ، وتُزيّنُ الكارثةَ. ولعلَّ من أبلغِ مظاهرِ الاضطرابِ في تونس، تلكَ الطريقةُ التي تُشكَّلُ بها الحكوماتُ، وكأنَّها بطاقاتُ لعبٍ تُرمَى على طاولةِ الريحِ. فالحكومةُ ليستْ قائمةَ أسماءٍ تُبدَّلُ عند كلِّ عاصفةٍ، تكريسا لأزمة النظام، بل هي مشروعٌ سياسيٌّ يحتاجُ إلى رؤيةٍ، ومعاييرَ واضحة، ومساحةٍ للعملِ والمحاسبةِ، والأصل أن يكون الحكم على أساس الإسلام، بل أن يكون الإسلام نظاما للحياة والمجتمع والدولة. ولكن حينَ يُصبحُ تغييرُ المسؤولينَ أسرعَ من تغييرِ السياساتِ، فلا يعودُ السؤالُ عنِ الأشخاصِ، بل عنِ النموذجِ الذي يُنتجُ هذه الدائرةِ المفرغةِ، كمنْ يدورُ في متاهةٍ لا مخرجَ لها. إنها متاهة النظام الرأسمالي المتعفن، حيث يبقى الشعب هو الضريبةَ الأغلى، والفريسةَ الأسهلَ. فالأزماتُ الكُبرى المفروضة على أهل تونس، لا تُقرأُ في جداولِ الميزانياتِ وحدها، بل في التفاصيلِ الصغيرةِ التي تصنعُ معنى الحياةِ، وكل تفصيل منها يجعلنا نجزم بأنَّ أبسطَ مظاهرِ الكرامةِ في تونس صارتْ كماليةً، وأنَّ العيشَ الكريمَ تحوَّلَ إلى رفاهيةٍ لا تُمنَحُ إلا لمنْ يرضى بالخضوعِ والخنوع والسكوت عن الظلم والقهر وتكميم الأفواه، عقابا لهذا الشعب على ثورته، وثأرا لنظام الطاغية بن علي. هذ المسار، بغض النظر عن شعاراته وعناوينه، يكون قد حُكم على الشعب بالسجن المؤبد داخل حدود مصطنعة، ما لم يتحرر من ربقة الاستعمار ويدفع عنه هذا الذل والهوان. فأين الكرامة التي هتف بها الناس أيام الثورة؟ وأين الإسلام الذي يمزج المادة بالروح ويعيد الأمة إلى سالف عهدها، وقد بات التطاول على أمهات المؤمنين عُرفاً وثقافة عند دعاة الحداثة؟! هنا يظهرُ الاختبارُ الأكثرُ قسوةً للخطابِ السياسيِّ المهترئ في تونس. فالشعوب لا تفقدُ ثقتَها لأنَّ المشاكلَ كثيرةٌ، بل لأنَّ المشاكلَ تُدارُ وكأنَّها ألعابٌ، بينما الواقعُ يتهرّأُ، والخطابُ يتزيّنُ ليُعيد إنتاج نفسه في كل مناسبة، وكأنَّ الساحةَ لم تعُدْ ساحةَ معركةٍ، بل مسرحاً لتمثيليّةٍ سيئة الإخراج، يصبح خلالها الحكام دمى متحركة بأيدي الغرب، وهم يدعون خوض حرب التحرير الوطني، إمعانا في تمزيق الأمة إلى أشلاء، كي لا تقوم لها قائمة. والسلطة، أية سلطة، لا تستمد قوتها من الأجهزة فقط، ولا من الخطب والشعارات، بل من قدرتها على حماية حياة الناس وصون كرامتهم. وعندما تفشل الدولة في أبسط وظائفها، فإن المشكلة لا تعود في اللوبيّات أو في المؤامرات، بل تصبح في صميم طريقة إدارة البلاد. ولكن السلطة في تونس اختارت بشكل واضح، طريق القمع والإذلال والتدجين، وكأن إسكات الأصوات يمكن أن يعالج الأزمات المتراكمة! لكن التاريخ يعلمنا أن غضب الشعوب لا يختفي عندما يُمنع من التعبير عن نفسه. قد يصمت الناس خوفاً، وقد يتراجع الاحتجاج مؤقتاً، لكن الأزمات التي لا تجد حلولاً تتحول إلى احتقان متراكم، والاحتقان المتراكم يصبح في لحظة ما أزمة أكبر من قدرة أي سلطة على احتوائها؛ لأن الشعوب قد تتحمل الصعوبات، لكنها لا تتحمل أن يُطلب منها تصديق واقع يناقض ما تعيشه كل يوم. وعليه، فإن مسؤوليةَ الغدِ لا تقعُ على عاتقِ الحكام وحدَهم، لأن الشعوب بحاجةٍ إلى أنْ تفيقَ من غفلتِها، وتُحاسب حكامها على أساس الإسلام، الذي يجب أن تحيا به ومن أجله، استجابة لنداء ربها بإقامة شرعه وإعلاء راية دينه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. تونس اليوم لا تحتاجُ إلى مزيدٍ من الضجيجِ، ولا إلى مزيدٍ من الوعودِ البرّاقةِ، بل تحتاجُ إلى إدارةِ أزمةٍ، وإلى مشروعِ تحريرٍ منها، ليعود بلد الزيتونة إلى حضنه الطبيعي ضمن خير أمة أخرجت للناس. بل لتكون تونس منطلقا ومرتكزا لدعوة البناء والتشييد الحضاري الإسلامي، التي يقوده في الأمة حزب التحرير، كما كانت بالأمس القريب منطلق شرارة ثورة الأمة ورغبتها في التغيير. كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير المهندس وسام الأطرش
